ايران – اميركا… سيناريوهات الحرب والسلم

أيّاً كانت نتيجة التحقيقات في ملابسات الهجمات على منشآت النفط السعودية، ثمة حقيقة واحدة وهي أن "الستاتيكو" الذي ظل قائماً في الشرق الأوسط حتى الأمس القريب، لم يعد مستداماً كما كان يُعتقَد من قبل، فالمواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد أحد قادراً على التعامل مع مسارها التصاعدي، أو توقّع نقطة الذروة فيها، طالما أنها ما زالت تسير ضمن منحنيات حادة، تنذر باشتعال الحرب في أيّة لحظة.

بصرف النظر عن ضلوع إيران المباشر في الهجمات على بقيق وخريص، لا يختلف اثنان على أنّ ما جرى، بما يعنيه من تجاوز للخطوط الحمراء المرتبطة مباشرةً باقتصاديات الطاقة العالمية، هو جزء من التصعيد المتبادل على خط طهران – واشنطن، منذ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب الأحادي الجانب من اتفاق فيينا النووي، وما أعقب ذلك من إجراءات تصعيدية أميركية، وإجراءات رد إيرانية مقابلة.
بكل بساطة، لا يمكن استبعاد المسؤولة الإيرانية عن الهجمات، فالمنطق العام، هو أنّ أيّة جماعة مرتبطة أيديولويجياً أو سياسياً أو عسكرياً بإيران، لا يمكنها أن تتخذ قراراً بالقيام بعمل عسكري على هذا القدر من الخطورة من دون ضوء أخضر سياسي، من “المركز”، حيث دائرة القرار في ما بات يسمّى إعلاميا بـ”محور المقاومة”، أو بعبارة أكثر علمية “المحور الإيراني”.
مع ذلك، فإنّ ضلوع إيران، المباشر أو غير المباشر، في الهجمات الأخيرة، سيترتب عليه، بطبيعة الحال، تداعيات أكثر خطورة، مقارنة بالفترة السابقة، التي كانت “الجمهورية الإسلامية” تخوض خلالها المواجهة باستراتيجية “الحروب بالوكالة”، على امتداد الرقعة الممتدة من العراق وسوريا ولبنان، وبطبيعة الحال اليمن، ففي حال كهذه، يمكن افتراض أن ثمة اعتداءً إيرانياً صريحاً على دولة خليجية حليفة للولايات المتحدة، والأهم تهديداً إيرانياً واضحاً للأمن الدولي، من بوابة اسـتهداف “قدس الأقداس” في الاقتصاد العالمي – امدادات النفط.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم سبب التركيز الأميركي على المسؤولية الإيرانية عن هجمات بقيق وخريص، والجدل القائم حالياً حول مصدر المسيّرات الجوية أو صواريخ “كروز” التي أصابت قلب الصناعات النفطية السعودية، وتسببت بهذه الجلبة في المشهد الدولي.

ما ظهر من الهجوم حتى الآن

لم تكن أعمدة الدخان قد تلاشت بعد من أجواء بقيق وخريص، حتى سارعت إدارة دونالد ترامب إلى القول إن إيران تقف “على الأرجح” وراء الهجمات. لاحقا، استشهدت الإدارة الأميركية بتقييم أجهزة الاستخبارات، وصور أقمار إصطناعية تظهر “الدليل” على التورّط الإيراني، من خلال الحديث عن مجموعة من الطائرات من دون طيّار وصواريخ “كروز” الموجهة، على نحو تدفع معه واشنطن الأمور إلى الشك ببتني جماعة الحوثيين للهجمات. وفي المقابل، تستمر طهران بنفي مسؤوليتها عمّا جرى، وتسعى إلى التشكيك بفرضية انطلاق الهجمات من خارج أراضي اليمن، التي أطلقتها الولايات المتحدة سريعاً.


وإذا كان “الدليل” الأميركي يتوافق مع بعض جوانب ادعاءات البيت الأبيض، إلا أن صحيفة “نيويورك تايمز”، على سبيل المثال، رأت أن ما قُدّم غير كافٍ لإثبات من أين جاءت الهجمات، ومن استخدم تلك الأسلحة ومن أطلقها، وذلك انطلاقاً من النتائج التي توصل خبراء، استطلعت الصحيفة آراءهم، بعد مقارنة صور الأقمار الاصطناعية بمصادر مستقلة، والتي يمكن تلخيصها على النحو التالي:
أولاً، تطور الهجوم يفوق بكثير ما ظهر في الهجمات السابقة من قبل الحوثيين، ما يزيد من احتمال التدخل الإيراني المباشر.
ثانياً، صور وأشرطة الأقمار الصناعية وحدها لا تكفي لدعم الادعاءات الأميركية بأن الضربات جاءت من جهة إيران أو العراق.
ثالثاً، لا توجد أدلة كافية لإظهار أنواع الأسلحة التي استخدمت، لكن دقة الضربات تتفق مع فرضية استخدام صاروخ موجه.
وعلى الرغم من استخدام الحوثيين لطائرات من دون طيار في كثير من الأحيان في الهجمات على السعودية، إلا أنهم اعتمدوا بشكل أساسي على مسيّرة “صمّاد – 3″، وهي طائرة من دون طيار رخيصة وصغيرة وبطيئة من غير المرجح أن تكون قادرة على اختراق الدفاعات الجوية السعودية والوصول إلى الأهداف بدقة عالية، ولكنهم استخدموا في الآونة الأخيرة مسيّرة “قدس-1″، التي يمكن وصفها بأنها صاروخ موجّه صغير، أو طائرة من دون طيار كبيرة بحمولة تقترب من صاروخ “كروز”.


وبحسب الخبراء الذين تحدّثوا إلى “نيويورك تايمز” فإنّ مسيّرات “قدس-1” استخدمها الحوثيون في ضرب مطار أبها الدولي في جنوب السعودية، مع الإشارة إلى أن هذا الطراز من الطائرات من دون طيار يفتقر إلى النطاق اللازم للوصول من شمال اليمن إلى المنشآت النفطية.
ومع ذلك ، يقول المتخصصون الأمنيون إن الحوثيين حسنوا بشكل كبير صواريخهم ومسيّراتهم، بدعم كبير من إيران، وهو ما يجعل خبيراً مثل فابيان هينز، الباحث في “مركز جيمس مارتن لدراسات حظر الانتشار النووي” يقول إن أن الحطام الذي أظهرته صور الأقمار الاصطناعية يبدو متسقًا مع “قدس-1″، مع التشديد على أن ثمة حاجة ملحّة للتأكد من هذه الفرضية قبل إطلاق الأحكام النهائية بشأن مصدر الهجوم، لكون نطاق الصاروخ قد لا يكون كافياً للوصول إلى بقيق في حال تم إطلاقه من اليمن.

ماذا بعد؟

في انتظار أن تنجلي الصورة حول ملابسات الهجمات، وهو ما تتحرك من أجله كافة أجهزة الاستخبارات، فإنّ الواقع يشي بأنّ فرص الحرب والسلم تكاد تكون متساوية.
من جهة، في حال تبيّن أن إيران مسؤولة عن الهجمات، فإنّ ذلك يضع الغرب، أمام أمر واقع جديد، قد لا يستسيغه أحد، وهو أن القدرات العسكرية الإيرانية يمكن أن تشكل تهديداً خطيراً للمصالح الاستراتيجية للغرب، ذلك أن نقاط الضعف، وبخلاف ما كانت الحال قبل السبت الماضي، لم تعد تقتصر على  إمدادات النفط في مضيق هرمز، وإنما باتت تشمل المنشآت النفطية الحساسة، وهو ما يجعل الرد الأميركي مرجحاً بدرجة كبيرة، وإن كان الحديث يدور الآن عن ضربة محدودة.
ومع ذلك، فإنّ الضربة المحدودة قد لا تكون محدودة بالفعل، كما يتصوّر البعض، ففي هذه الحالة ستقوم إيران بالرد، كما توعّد قادتها السياسيين والعسكريين من قبل، وقد يؤدي الرد إلى خسارة كبيرة في المعسكر المقابل، على نحو يؤدي إلى تدحرج الصراع نحو حرب شاملة.
وحتى إذا ما تمّ احتواء الضربة المحدودة، فإنّ لا شيء يشي بأنّ حوادث من هذا القبيل لن تتكرر في المستقبل، أخذاً في الحسبان أن ثمة في إيران من يسعى لتعطيل امدادات سوق النفط العالمية، رداً على تعطيل الصادرات الإيرانية بفعل العقوبات الأميركية، علاوة على أنّ استمرار الحرب في اليمن يشكل بحدّ ذاته فرصة لتصفية حسابات إقليمية، ليس بين إيران والسعودية فحسب، وإنما بين إيران والإمارات، وهو ما يفسر على سبيل المثال التهديد الحوثي الأخير لحليفة السعودية.
في المقابل، فإنّ ثمة لاعبين إقليميين ودوليين قد يرمون بثقلهم لتجنّب السيناريوهات الكارثية.
وليس من قبيل المبالغة القول إن ايران والسعودية معنيتان مباشرة بعدم تدحرج الصراع نحو مواجهة يصعب التحكم بها أو تقدير تبعاتها، ومن هنا يمكن تفسير التقاطع النادر بين طهران والرياض في الحرص على أن تظل مسؤولية الهجمات الأخيرة غامضة، وفق قاعدة أن الانكار يقلل من احتمالات التصعيد، والبحث عن أطر مختلفة لإدارة الصراع من خلال “العمليات السرية” بديلاً عن الحرب المباشرة.
وليس من قبيل المبالغة أيضاً القول إن دونالد ترامب نفسه قد يكون أكثر ميلاً إلى التهدئة منه إلى الحرب، برغم الضغوط الكبرى التي تجعله مربكاً في التعامل مع مأزق، قد يكون الأخطر لجهة التأثير على مستقبله السياسي، على مسافة سنة ونيّف من الانتخابات الرئاسية، فهو يقف حالياً أمام خيار من اثنين – وهو واقع فرضته إيران بهجماتها الأخيرة وتحاول الاستثمار فيه إلى أقصى حدّ ممكن: إما الذهاب إلى حرب يقول إنه لا يريدها، وتشكل انتهاكاً لوعوده الانتخابية، وإما تجنّب الرد العسكري، وهنا سيصوّب عليه خصومه الديموقراطيين باعتباره رئيساً ضعيفاً وغير فاعل.
هنا تحضر رسالة ايرانية مبطّنة إلى ترامب نفسه، قد تكون عاملاً نازعاً لفتيل التفجير، بقدر ما هي عنصر تفجير في الوقت ذاته، ومفادها أن ما بات يسمى بـ”حرب الدرونز” هي جزء من الصراع بين إيران وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وليست موجهة بالمباشر ضد الولايات المتحدة نفسها، ما يعني أن بإمكان الرئيس الأميركي ألا يخاطر بحرب مع إيران، إذا ما أراد تجنّب حرق أوراقه الانتخابية. ومع ذلك، يبدو من الصعب للغاية على أرض الواقع رسم خط فاصل بين أميركا وحلفائها الخليجيين، خصوصاً بعد هجمات بقيق وخريص، التي تعد في الأساس استهدافاً للاقتصاد العالمي، بكل ما يحمل ذلك من انعكاسات على الاقتصاد الأميركي، نقطة الارتكاز في مشروع ترامب السياسي.
وعلى خط آخر، فإنّ الحراك الدبلوماسي الفرنسي من جهة، وبعض الاقتراحات الروسية من جهة أخرى، يمكن أن تشكل طوق نجاة لكل الأطراف، بما يحفظ الحد الأدنى من ماء الوجه، فمن جهة، يمكن لمقترحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن تشق طريقها نحو احتواء سياسي للأزمة القائمة، بما يسهم بنزع فتيل التفجير، وتأجيل الملف الإيراني إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ ومن جهة ثانية، يمكن لعرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تزويد الخليجيين بمنظومات الدفاع الجوي، بما في ذلك المنظومات الروسية المتطوّرة ضد الطائرات من دون طيار، أن يوفر مظلة عسكرية للسعودية، والأهم من ذلك مظلّة سياسية، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين موسكو وطهران.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download