ًفرنسا للحريري: مصالحنا أولاً، “سيدر” ثانيا

Avatar18020/09/2019
يأخذ الفرنسيون على رئيس حكومة لبنان سعد الحريري أن حكومته الحالية لم تكن بحجم الآمال المعقودة عليها وأنه شخصيا لم يقدّر ما قام به الفرنسيون لإطلاق سراحه عندما إحتجز في السعودية قبل حوالي السنتين

تتصرف الحكومة اللبنانية مع الداعمين الخارجيين على أساس أنها قامت بواجباتها، في قضية خفض العجز والإصلاحات المطلوبة في قطاعات محددة، لكن حقيقة الأمر أنها لم تقم سوى بحد أدنى لا يهدد بتضرر مصالح أهل السلطة ومنظومة المال المقفلة من حولهم، وبما يضمن إستمرار جني المكاسب والأرباح لهؤلاء مجتمعين.

وعندما زار المبعوث الفرنسي المكلّف متابعة مؤتمر “سيدر” بيار دوكان، العاصمة اللبنانية، في المرة الأخيرة، كان صريحاً باللوم على تقصير أو بالدعوة إلى عدم التلاعب بالأرقام. الأهم من ذلك، ما عبّر عنه الفرنسيون من إنزعاج إزاء تعامل الحكومة اللبنانية ليس مع ملف “سيدر”، بل مع حصة فرنسا منه، بعد أن لمست محاولة لإقصاء شركات فرنسية، لمصلحة شركات منافسة، ومنها إيطالية، على سبيل المثال لا الحصر.

لذلك، لم يكن موعد رئيس الحكومة سعد الحريري مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في قصر الأليزيه، اليوم الجمعة، موعدا عاديا، بل محكوما بوجوب إعادة تذكير رئيس حكومة لبنان، بعدد من المواقف الفرنسية:

أولا، لبنان نموذج في التعدد الديني والسياسي والثقافي، يجب الحفاظ عليه في المنطقة.

ثانيا، لفرنسا علاقات تاريخية مميزة مع لبنان، وهي تأمل بالحفاظ عليها وأن يكون لبنان بوابتها الى الشرق الأوسط، خصوصا بعد أن أحكمت القوى الدولية والإقليمية الخناق على معظم دول الإقليم.

ثالثا، لفرنسا مصلحة بالحفاظ على الإستقرار والتوازنات في لبنان، وهذا يعني عدم المس بالصيغة الحالية التي كلفت اللبنانيين حروبا وتضحيات كبيرة.

رابعا، لفرنسا قناعة بأنه كلما تصاعد التوتر في المنطقة، زاد الخوف على لبنان، والعكس صحيح، بدليل أن لبنان أكثر طرف مستفيد من جلوس الإيرانيين والأميركيين على طاولة الحوار وأكثر طرف متضرر من الإشتباك بين الإثنين.

خامسا، لا مصلحة لأي طرف إقليمي أو دولي بهز الإستقرار الذي ولّدته دينامية القرار 1701 منذ العام 2006 حتى يومنا هذا، لذلك، سعى الفرنسيون في أعقاب التوتر الأخير بين حزب الله وإسرائيل إلى محاولة إحتواء الموقف وإعادة تثبيت الستاتيكو المستمر منذ 13 سنة في جنوب الليطاني.

سادسا، لبنان سيكون أكبر مستفيد من التسوية السياسية في سوريا، وثمة مناخات تشي ببداية إنفتاح أوروبي على النظام في سوريا، بعناوين ومسميات مختلفة، وللفرنسيين حسابات متصلة بإعادة الإعمار، وهم يعتقدون أنه من المبكر الحديث عنها حاليا.

سابعا، لا يخفي الفرنسيون خشيتهم من تداعيات أي إهتزاز للإستقرار اللبناني على أوروبا، وهذه النقطة أثارها الموفدان أورليان لو شوفالييه وبيار دوكان، إذ قال الأخير ردا على إلحاح بعض الوزراء اللبنانيين على السؤال، بأن فرنسا لن تترك لبنان، حتى لو خالف بعض شروط “سيدر”، والسبب هو خشية الإتحاد الأوروبي من أن تؤدي الفوضى في لبنان إلى تحول أوروبا وجهة وحيدة للكتلة المليونية السورية والفلسطينية الموجودة في لبنان (تردد أن دوائر فرنسية تدقق في ظاهرة إقدام سفارات غربية عديدة في بيروت، على تقديم تسهيلات للاجئين الفلسطينيين في لبنان، مقابل التخلي عن بطاقة اللجوء)، وصولاً إلى مغادرة المئات منهم شهرياً بإتجاه أوروبا أو الولايات المتحدة وكندا وأستراليا.

ماذا عن الملف الإقتصادي؟

هنا تبدو نبرة الفرنسيين قاسية. النقطة الأولى، هم يعتبرون أن اللبنانيين أصحاب إختصاص في تضييع الوقت والفرص، والأمثلة كثيرة من باريس 1 إلى “سيدر” الذي عقد قبل حوالي السنة ونصف السنة، وكان مطلوبا أن تتشكل الحكومة سريعا بعد الإنتخابات النيابية وأن تقر موازنة تلحظ المخاطر الداهمة، لكن تأليف الحكومة تأخر أقل من سنة وجاءت موازنة العامين 2018 و2019 عادية و”محاسبجية” وتتضمن نوعا من التلاعب بالأرقام، فيما أبواب صرف الميزانية صارت واضحة للعيان. هناك أبواب تستهلك أقل من 90% بالمئة من أية ميزانية سنوية للدولة اللبنانية: الرواتب والأجور للموظفين والمتقاعدين، خدمة الدين العام، قطاع الكهرباء. أما باقي الموازنة (أكثر من 10% بقليل)، فهي كل ما تبقى للدولة لخلق فرص عمل ودورة إقتصادية، والخشية هي أن تقرر الحكومة التقشف في هذه النسبة، الأمر الذي من شأنه زيادة الإختناق الإقتصادي والبطالة وشل الدورة الإقتصادية.

النقطة الثانية، ثمة شكوى فرنسية مستديمة من عدم قيام اللبنانيين بالإصلاحات الهيكلية المطلوبة منهم بالسرعة المطلوبة. لا فائدة من تكرار دعوة رئيس حكومة لبنان للمستثمرين الفرنسيين وغير الفرنسيين للإستثمار في لبنان. السؤال هو الآتي: ما هو المطلوب من حكومة لبنان لتوفير بيئة قانونية وإدارية وسياسية وإستثمارية سليمة تشجع الإستثمار في لبنان؟ الجواب عند الفرنسيين أن لبنان لم يقم بكل ما هو مطلوب منه حتى الآن.

لم يلمس القطريون أي إهتمام رسمي لبناني بالعرض الذي قدموه للحكومة بتأمين بواخر عائمة للغاز لتشغيل معامل الكهرباء في البداوي وسلعاتا والزهراني خلال 4 أشهر

النقطة الثالثة، يريد الفرنسيون من لبنان إتخاذ قرارات حاسمة في قطاع الكهرباء الذي يستنزف الميزانية العامة منذ أكثر من عقدين من الزمن، وهم يرغبون بالإستثمار في هذا القطاع وخصوصا في معامل إنتاج الطاقة. الإصلاحات الهيكلية في قطاع الكهرباء تبدأ بتشكيل الهيئة الناظمة وتعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، وكذلك رفع التعرفة.

في هذه النقطة، ثمة مفارقة ملفتة للإنتباه، أن قطر أبلغت فرنسا أن وزير الطاقة القطري لشؤون الطاقة، الرئيس التنفيذي لشركة قطر للبترول المهندس سعد بن شريدة الكعبي الذي زار بيروت مؤخرا، لم يلمس أي إهتمام رسمي لبناني بالعرض الذي قدمه للحكومة بتأمين بواخر عائمة للغاز لتشغيل معامل الكهرباء (البداوي، سلعاتا، الزهراني)، خلال 4 أشهر، وبأسعار تراعي خزينة الدولة اللبنانية.

النقطة الرابعة، أعطى الفرنسيون إشارات واضحة إلى المؤسسات والصناديق المالية والإستثمارية الأوروبية بوجوب مساعدة المصرف المركزي اللبناني من أجل تأمين السيولة اللازمة لمواجهة الإستحقاقات المالية المقبلة.

النقطة الخامسة، تتصل بموضوع تسليح المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية بأسلحة وأعتدة وذخائر فرنسية، فالفرنسيون سيحاولون إعادة تعويم المنحة السعودية للجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، على أن تكون وجهة السلاح والذخائر فرنسية… في هذه النقطة، إستغرب الفرنسيون كيف أن الحكومة أعطت أولوية لعقود تسلح مع الإيطاليين خلافا لرغبة الفرنسيين بإستثمار بعض أموال “سيدر” مع شركات تسليح فرنسية.

النقطة السادسة، فرنسا مهتمة بقطاع الغاز وتعول على المشاركة في دورة التراخيص الثانية قبل نهاية العام الحالي، علما أن شركة توتال الفرنسية ستبدأ بالحفر الإستكشافي في البلوك رقم 4 قبالة شاطىء الصفرا في شمال بيروت، في شهر كانون الأول/ديسمبر 2019.

Avatar

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course