مصر: “ثورة” مصغّرة أم مناوشات “من أعلى”؟

Avatar18023/09/2019
احتجاجات صغيرة، ولكنها باتت نادرة منذ سنوات، شهدتها القاهرة وعدد من المدن المصرية استجابة لدعوات أطلقت عبر الانترنت للتظاهر ضد الفساد، طارحة تساؤلات حول خلفيات الحدث الذي يتداخل فيه الغضب الشعبي تجاه سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وما يدور خلف كواليس الحكم من صراعات.

فاجأت مصر الجميع مجدداً. قليل من الغضب تفجّر مساء أمس في الشارع، متدفقاً من استاد شهد مباراة لكرّة القدم بين فريقي الأهلي والزمالك، وسرعان ما امتد إلى الميادين، في القاهرة والاسكندرية والمحلة ومحافظات أخرى، طارحاً الكثير من التساؤلات التي لم تجد إجابات شافية، تحاول أن تفسّر حقيقة ما جرى، ولو بالقدر الضئيل.
السؤال المركزي، هو ببساطة: ما الذي حرّك الشارع مجدداً؟
ثمة من يرى أن الغضب المتراكم منذ سنوات، على خلفية السياسات المتبّعة من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، سواء في شقها الأمني – السياسي، المتمثل بشكل خاص في خنق المجال العام، أو في شقّها الاقتصادي، المتمثل في المعاناة الشديدة التي يستشعرها كل مصري ينتمي إلى الطبقة الوسطى وما دون، قد وجد في لحظة من اللحظات محفّزاً للتفجّر، ولو بالقدر المتواضع، غداة الحملة المشتعلة منذ أيام على مواقع التواصل الاجتماعي حول فساد الحكم، وآخرها فيديو “المقاول” محمد علي، وما تبعها من ردّ وُصف بـ”الاستفزازي” من قبل السيسي نفسه.
لكنّ ثمة من ينظر إلى ما حدث بما يتجاوز “المقاول” والقصور”، وهي أنّ ثمة صراعاً “من أعلى”، أي على مستوى الدولة المصرية نفسها، أو قل على مستوى الأجهزة الامنية – العسكريتارية، اتخذت على مدار السنوات الماضية شكل صراع خفي بين تلك المكوّنات الشريكة في الحكم، منذ سقوط نظام “الإخوان المسلمين” في العام 2013، والتي تؤكدها الكثير من الشواهد، ابتداءً من حركات العزل والتعيين داخل المؤسسة العسكرية، والتي طالت وزير الدفاع، وداخل الأجهزة الامنية، التي طفى على سطحها صراع حاد بين جهازي المخابرات العامة والمخابرات الحربية… وصولاً إلى ملاحظة مشتركة بين كل من راقب المشهد المصري في الساعات الأخيرة، عن قرب أو بعد، حول عدم تدخّل الأمن المصري لفض الاحتجاجات بالمستوى العنفي المعتاد، فضلا عن نشر فيديوهات لضباط يطلبون من العسكريين عدم التعرض للمتظاهرين نهائيا.
قد يكون من المبكر الذهاب إلى خلاصات حاسمة حول ما جرى، لكنّ ثمة ملاحظات أولية، يمكن الركون إليها لرسم “سكيتشات” المشهد المصري، في انتظار تطوّرات مستقبلية من شأنها أن تجعل الصورة أكثر وضوحاً.
أول “السكيتشات”، بحسب منطق الأمور، يمكن رسمه من خلال تسلسل الأحداث القريبة والبعيدة التي يمكن ربطها، ولو نظرياً، بما بأحداث العشرين من أيلول/سبتمبر.
يمكن الانطلاق من الاحداث العاصفة التي حدّدت الشكل الحالي لنظام الحكم في مصر، بعد إعلان الثالث من تموز العام 2013، الذي يؤرخ عملياً لنهاية عهد “الإخوان” على أثر الثورة الشعبية التي تقاطعت فيها مصالح الدولة العميقة، بكل أجهزتها المدنية والعسكرية والأمنية، مع طموحات المصريين المطالبين بالحرية والديموقراطية، الذين خيّب “الإخوان” آمالهم خلال فترة حكمهم التي لم تمتد عملياً أكثر من عام.
لم يكد حراك العام 2013، الذي بات يعرف بـ”ثورة 30 يونيو”، يحقق هدفه المركزي بـ”إسقاط حكم المرشد”، حتى اتضح أن المؤسسة العسكرية راغبة في احتكار الحكم. اتضح ذلك جلياً في تحييد الجناح المدني ضمن خطوات تدريجية، بدأت بتوجيه الضربة الأولى للفئات الأكثر ثورية (الاعتقالات التي طالت شباب الثورة تحت عنوان “قانون منع التظاهر”)، ومن ثم تحييد الفئات الأكثر براغماتية (يمكن تأريخ بداية هذه المرحلة بالإبعاد الطوعي لمحمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية المؤقت حينها، عن المشهد)، وبلغت ذروتها بترشيح وزير الدفاع  الفريق أول – ثمّ المشير – عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية.
في مرحلة لاحقة، ومع تثبيت السيسي أقدامه في الحكم، اخذت الأحداث المتلاحقة تظهر شكلاً من صراع الأجهزة داخل الجناح العسكري – الامني، حسمها السيسي تدريجياً، حين تمكن بداية من جعل المخابرات الحربية “الأولى بين متساويين”، وفق التعبير الكنسي الارثوذكسي، بين أجهزة الأمن الأخرى (أمن الدولة، المخابرات العامة)، ومن ثم جعل لها سلطة “بابوية” عليا، وفق التعبير الكنسي الكاثوليكي، وهو ما امتد أثره على القيادات العسكرية التي شملت تغييراتها وزير الدفاع، رئيس الأركان، ثم قائدي الجيش الميداني الثاني والثالث، بجانب استبعاد أيّة شخصية عسكرية، ولو متقاعدة، كان يمكن أن تنافس السيسي في انتخابات الرئاسة، على غرار الفريق سامي عنان والفريق احمد شفيق.
كل ذلك، يجعل من المنطقي أن يقارب كثرٌ من المراقبين أحداث العشرين من أيلول /سبتمبر، من زاوية “الصراع من أعلى”، وإن كان من الصعب تحديد معالمه بالنظر إلى الضباب الكثيف الذي يحوم حول العلاقات الداخلية والبينية في منظومة الحكم المصري الحالي.

يصعب تحديد معالم الصراع بين الأجهزة  بالنظر إلى الضباب الكثيف الذي يحوم حول العلاقات داخل منظومة الحكم

ولكنّ ثمة ملاحظة مثيرة للاهتمام، يمكن أن تجعل خيار “الصراع من أعلى” هو الأكثر ترجيحاً في تفسير ما جرى في شوارع مصر، فمع التسليم، منطقياً، بوجود حالة من الغضب في صفوف المصريين، اتخذ شكل تجمعات احتجاجية شبابية غير منظمة ظاهرياً، كان ملفتاً غياب وحدات الشرطة والجيش في الشوارع والميادين، قبل ساعات من موعد المباراة بين فريقي “الأهلي” و”الزمالك”، وهي من بين الفعاليات التي يحسب لها ألف حساب من الناحية الأمنية، لا بل أن الإجراءات الأمنية حول مراكز الشرطة والمنشآت العامة لم تخرج عن إطار الروتين المألوف.
وامتداداً لذلك، بدا مستغرباً عدم لجوء قوات الأمن لفض الاحتجاجات بالقوة المفرطة، التي اعتادت عليها في مثل هذه الحالات، أقلّه حتى الساعات الأولى من فجر اليوم السبت، حين ابلغ عن توقيف قرابة خمسين شخصاً بتهمة التجمهر خلافاً للقانون.
نظرية “الصراع من أعلى” يمكن تلمّسها أيضاً من خلال قراءة تحليلية لحالة الاعتراض ضمن بعض دوائر الحكم على بعض السياسات المتبعة من قبل السيسي وظلّه الأمني مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، الذي كان حتى وقت قريب مدير مكتبه الرئاسي، لجهة تثبيت دور الجهاز الامني وتفرّعاته السياسية، على غرار مؤتمر الشباب، على حساب أذرعة الدولة التقليدية، والتي بات ينظر إليها من قبل خصوم السيسي باعتبارها المرحلة الأخيرة من التصفيات التي بدأت منذ العام 2013، أو ربما اقتراب المرحلة الأخيرة من اصدار القوانين الآيلة إلى تكثيف السلطة السياسية في يده، من بوابة الاقتصاد، على غرار قوانين الضريبة العقارية والائتمان العقاري وما شابه.
بالنظر إلى كل ما سبق يمكن اعتبار ما جرى أقرب إلى صراع حكم، استغل غضب الناس، أو ربما أن هذا الغضب نجح في شق طريقه الطبيعي في مثل هذه الظروف القائمة.
في مطلق الأحوال، لا يمكن الذهاب بعيداً في التوقعات بشأن مستقبل الحكم في مصر، أو تعلية سقف هذه التوقعات على غرار ما تداوله بعض المحللين على الفضائيات، ممن امتزجت مقارباتهم بآمالهم. مع ذلك، ثمة مقياس وحيد يمكن أن يقود إلى استشراف الآتي، وهو حركة الناس، فإمّا أن تتكرر وتكبر حركة الاعتراض، وهي بلا قيادة فعلية حتى الآن، بما يؤشر إلى اشتداد الصراع، وإما أن تخمد، فيكون ذلك مؤشراً على أن المفاوضات خلف الأبواب المحصنة قد أنتجت بعض النتائج التي ستتضح معالمها عاجلاً أم آجلاً. هناك سؤال آخر، هل يستمر تعامل الأمن مع المحتجين، وفق نموذج العشرين من أيلول/سبتمبر أم سيكون شبيها بمحطات دموية؟

Avatar

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course