الجزائر: نموذج جيش سابق للدولة – 2 من 3
TOPSHOT - Algerian students shout slogans as they demonstrate with national flags outside the Main Post Office in the centre of the capital Algiers on March 10, 2019 against ailing Algerian President Abdelaziz Bouteflika's bid for a fifth term. (Photo by RYAD KRAMDI / AFP) (Photo credit should read RYAD KRAMDI/AFP/Getty Images)

برغم محاولة الجيش الجزائري الحد من تدفق المتظاهرين الآتين من خارج العاصمة، جاءت الجمعة الـ 31 لتؤكد زخم الشارع الجزائري، وذلك على مسافة حوالي الشهرين من موعد الإنتخابات الرئاسية التي حدد موعدها رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح في 12 كانون الأول/ديسمبر المقبل.

نجح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في إزاحة رموز المؤسسة العسكريّة الذين جاءوا به، وقَدّر بأنّ إحدى مهامهِ الأساسيّة هي التخلص من كل ما يمكنُ أن يُذكّرهُ بنكسة انسحاب المرشحين في ليلة الانتخابات سنة 1999، عندما شعر المرشحون الستة (أحمد طالب الابراهيمي، عبد الله  جاب الله، حسين آيت أحمد، مولود حمروش، مقداد سيفي، يوسف الخطيب) أو تبلّغوا بأنّ الانتخابات مفصّلة على مقاس الرئيس المُجمع عليه، برغم أنّ شعبية بوتفليقة وقتذاك كانت جارفة لأسباب عدة أهمها؛ امتثاله لشخصية هواري بومدين باعتباره رمزاً لبعض الجزائريين، سواءً في خطاباته أو في تاريخه السياسي، كونه جانحاً عن تلك الفترة أولاً، ومستلهماً أساليبها الخطابيّة في شتّى مظاهرها الثقافيّة والمعرفيّة تالياً.

وقد عانى بوتفليقة من جلباب بومدين كثيراً، ولم يستطع الخروج منهُ أو التفوّق على الصورة التي اشتغل على جعلها معبراً للوصول إلى الناس طيلة عمره السياسي.

وبرغم أنّ مأزق الانتخابات الرئاسيّة لسنة 1999 كان دستورياً خالصاً، إلا أنّ مفاعيله كانت سياسيّةً بامتياز، فقد انتقمَ بوتفليقة من الوجوه العسكريّة التي سيطرت على المشهد السياسي منذ انقلاب 1992 حتى جلبه وهندسة الانتخابات على مقاسه في 1999، ثم لاحقاً التفضّل عليه بذلك.

كانت النهاية الفعلية لشكل الحكم الكلاسيكي في الجزائر قد بدأت فعلاً عند إقالة رئيس الجمهوريّة لرئيس جهاز المخابرات محمـد مدين المعروف بـ “توفيق”، هذا الرجل الذي فقد أسنانه بعد أن انتصر عليه غريمهُ في 13 سبتمبر/أيلول 2015، وكانت الإقالة حدثاً كبيراً لكل الجزائريين، الذين اعتبروا هذا الجنرال بمثابة “الأسطورة” الذي استحال إلى نمرٍ من ورق في ظرف قياسي!

يُحسب للجنرال توفيق أنّه قوّى جهاز المخابرات منذ أن اعتلى رئاستهُ في خريف 1990، برغم أنّ هذا الجهاز شهد شيئاً من التفوّق العملي، عندما أسّسه عبد الحفيظ بوصوف في خريف 1954، وبلغَ ذروتهُ بالنظر إلى زمن العالم حالئذّ، حين كان مسعود زقار أحد ركائزه إبّان حكم العقيد هواري بومدين، وشهد نوعاً من التضعضع خلال عهدة قاصدي مرباح (1965-1978)، فقد كادت أن تنجح محاولة الانقلاب على حكم بومدين التي قادها الطاهر الزبيري (رئيس أركان الجيش 1963) مع السعيد عبيد (قائد الناحية العسكرية الأولى وقتذاك)، بل إنّها أفضت إلى إصابة الرئيس بومدين بجروح طفيفة. ومن وقتها، أوّلى بومدين اهتماماً بالغاً بالأمن العسكري أو المخابرات، المسمّاة في الجزائر بـ “دائرة الاستعلام والأمن” (Département du Renseignement et de la Sécurité)، المرموز لها اختصاراً بـ (DRS).
وتمّ الفصل، بصورة، ما بين الجيش والمخابرات، أو فلنقل تمّ الفرز بين جهازين متّصلين ببعضهما البعض، نتيجة حداثة الدولة وضعف تكوّنها واستحالة الفصل بين أجهزتها، لتداخل علاقات القرابة (Nepotism) بين رفاق السلاح بالأمس، واشتداد الصراع بين بعضهم البعض لأسباب عدّة، أهمها على الإطلاق؛ تساوي الرتب عسكرياً إبّان الكفاح واختلافها إدارياً وسياسياً بعد الاستقلال.

الجيش من البنيوي والتقني إلى السياسي والإيديولوجي

ثمة تضارب كبير حول عدد أفراد الجيش الشعبي الجزائري وغموض كثيف يكتنف الأسلحة التي يمتلكها. تقول بعض التقارير بأنّ الجيش الجزائري يمتلك أكثر من نصف مليون جندي جاهزٌ وبشكل فوري للقتال (يبلغ تعداده الإجمالي حوالي 715,000 جندي)،  أي أنّه الأول عربياً (24 عالمياً)، يليّه الجيش المصري بـ 450 ألف عنصر فوري الجهوزيّة، دون احتساب الاحتياط، بينما يقع ثانياً من ناحية العتاد العسكري (2017).

أما السلاح الجزائري، ففي غالبه من روسيا، وبعض السلاح يتمّ تصنيعهُ وطنياً. وتشير بعض التقارير المنشورة بأنّ الجيش الجزائري يمتلك غواصة “الثقب الأسود”، منظومة “كورنيت”، منظومة “بوك”، راجمة القنابل “فامبير”، 8 أنظمة دفاع جوي أس – 300، أس – 400 ترايمف و38 بطارية بانتسير-اس1، صواريخ سكود مداها 3000 كلم يتم تطويرها بالتعاون مع إيران يصل مداها إلى 5500 كلم (سكود B، سكود D)، صواريخ فروغ-7 بمدى 65 كلم وصواريخ (سكود – بي) بمدى 300 كلم، صواريخ براهموس المضادة للسفن والأهداف البرية، نظام الدفاع الجوي إس 300، وحدات من أنظمة إس-400 تريومف، صاروخ اسكندر-إم؛ وقد بلغت ميزانية السلاح بعامة حوالي الـ 20 مليار دولار سنة 2016 (موسوعة المعرفة).

هنالك تغيّر ثقافي تشهدهُ الجزائر بصورة جليّة، تغيّر بلبوسٍ إيديولوجي مكشوف، أولى ضحاياهُ؛ عزل الطبقة الفرنكوفونيّة ثقافياً، وحلول الطبقة المعرّبة مكانها مشهدياً على الأقل

لا يجد قادة الجيش الجزائري أيّ حرج في إبداء ميلهم العربي والقومي، وواضح استعمال اللغة العربيّة في المراسلات واستدعاءات التجنيد وطلبات المثول منذ القدم، وهذا التوجّه بات أشد وضوحاً في الفترة الأخيرة، عندما بدأ الجيش فعلياً بتكريس استعمال اللغة العربيّة وإدراج اللغة الإنجليزيّة كلغة ثالثة بعد اللغتين العربيّة والأمازيغيّة. وتراءى عِياناً؛ أنّ هنالك تغيّراً ثقافياً تشهدهُ الجزائر بصورة جليّة، تغيّراً بلبوسٍ إيديولوجي مكشوف، أولى ضحاياهُ؛ عزل الطبقة الفرنكوفونيّة ثقافياً، وحلول الطبقة المعرّبة مكانها مشهدياً على الأقل، ومحاولة استحداث طبقة إنغلوفونيّة، من شأنها خلق لوبي غير اللوبي الفرنكفوني المسيطر على دواليب السلطة في جزائر ما قبل حراك 22 شباط/فبراير 2019، بيد أن الثابت في كل هذا التغيّر العنيف، لا سيما الثقافي منهُ، ذلك الذي أثار حفيظة فرنسا؛ أنّ السياسة الخارجيّة لم تتغيّر قيد أنملة إلى الآن، ذاك أنّ هذه السياسة ومنذ فجر الاستقلال، يحدّد أسسها الجيش، إذ إنّ الجيش سابقٌ عن الدولة في الجزائر كما هو معروف، (وكذلك السياسة الخارجيّة فالعمل على تدويل القضية الجزائريّة وعزل فرنسا أممياً، جاء بالاستناد إلى بيان تشرين الثاني/نوفمبر 1954، ممّا يعني أن السياسة الخارجيّة في الجزائر يهنّدسها الجيش وهي أقدم من الدولة ومن باقي السياسات الأخرى بما فيها السياسات الداخليّة التنمويّة) بل إنّه ــ أيّ الجيش ــ هو الذي أنشأها (الدولة) في توليفة عكسيّة، برّرت وجود النظام العسكري واكسبتهُ كثافةً شعبيةً وقوّت حضوره القومي أكثر فأكثر.

(*) بسبب أهمية الموضوع الجزائري، سيكون لهذه المقالة جزء ثالث وأخير غداً الأحد.

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course