“اليانكي” يجتاح العالم.. كيف نحاصر هذا “الطوفان”؟

ثمة أحداث تتقاطع، من حيث الشكل أو المضمون مع غيرها، من دون وجود أي رابط مباشر بينهما. هذا ليس بالأمر المستغرب، فأحياناً اسقاط واقع على آخر يكون من باب التدليل أو القياس أو الاستدلال أو حتى الصُدف.

كثيرةٌ هي الأمثلة التي يمكن أن نركن إليها في هذا المجال. لكن، ولضرورة فتح بعض النقاشات حول ما يحدث من حولنا، القريب منه والبعيد، يصبح لزاماً أن نلاحق بعض التطورات، التي لطالما شكّلت علامات فارقة في تاريخنا الحديث، من حيث النتائج أو المسببات. وكان لها دوراً أساسياً في تغيير صورة العالم أو بعضها بشكل جذري، وتبقى تداعياتها تتلاحق مُحدثة فارقاً نوعياً بائناً في مصائر البشرية ودولها.

11 أيلول 2001

يكاد يكون هذا التاريخ من المحطات المفصلية المهمة في تاريخ العالم الحديث، إنْ بطبيعة الحدث أو بالتداعيات التي أنتجها. فالتوقف عند هذه المحطة يستوجب، بداية، وضع الإطار التاريخي لها؛ لقد جاءت تتويجاً لسلسلة أحداث عصفت بالعالم عقب مرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي وحلفه، والذي أدخل البشرية في عصر “الأحادية القطبية” بزعامة الولايات المتحدة الأميركية كقائدة منفردة لإدارة العالم. وللتذكير ومن باب التحوّط، فإن كل مرحلة من مراحل الصراع خلال التاريخ، تكون بدايتها هي نهاية أحد ما وبدء عصر آخر؛ سقوط “المعسكر الاشتراكي” كان ربحاً صافياً للفريق المنافس له خلال الحرب الباردة، ليصبح معه الخطاب السياسي السائد عند خصومه هو واحد والنهج أيضاً وصولاً إلى السلوك، وعُقدت الراية للولايات المتحدة الأميركية. اصطف العالم الغربي وراء السياسة الأميركية راضياً أو مكرهاً، لتبدأ معها عملية تصفية حقبة الحرب الباردة وإرث السوفيات، وبالتحديد في مناطق الصراعات الكبرى: الشرق الأوسط، أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وبعض مناطق أفريقيا.

ومع سقوط المعسكر الاشتراكي، انتهت، ولو من جانب واحد، فكرة الصراع الايديولوجي لتحلّ محلها أنماط مختلفة، ترجّحت بين صراع الحضارات ونهاية التاريخ.. والإثنيات والأعراق والطوائف والمذاهب.. وصولاً إلى ترتيب العالم وفق منطلقات جديدة واصطفافات متنوعة. وأيضاً، وبقوة الوقائع، على الفائز في هذه الحالة أن يصنع خصومه كي يسود ويحكم وبطريقة تسلطية وبقوة السلاح، العسكري منه والاقتصادي.

لقد جاءت أحداث 11 أيلول لتُطلق كل ما يحتويه صندوق “البندورا” من شرور حول العالم لتعمّ كل الساحات والقضايا. لقد فلت ذلك “اليانكي” من عقاله مستبيحاً كل شيء، واصطف الغرب، مكرهاً أو راضياً، وراء حمى الانتقام الأميركي، فاجتيحت الدول والأموال والأرواح والحدود.. وأصبحت “صفة الإرهاب” مرادفة لتلك الحروب وتهمة جاهزة ومعدّة سلفاً وغبّ الطلب، أين وكيف؟ لا يهمّ. لقد لفّت “بركاتها” طول الأرض وعرضها، لم تبق ولم تذر.

الحرب على الإرهاب

هذا المصطلح ساد في أجواء تلك الحقبة؛ هي وصفة جاهزة الاستعمال ومقاساتها تنطبق على كل الأحجام؛ حرب افغانستان، العراق، لبنان، فلسطين.. والحصار الاقتصادي على روسيا والصين وأميركا اللاتينية.. ودول عديدة، وصولاً إلى تحجيم دور أوروبا التي أصبحت تابعة، وأيضاً أنظمة تمتلك المال والنفوذ والخيرات.. كلها أصبحت في خدمة الحروب المزعومة والمفتعلة والمعدّة سابقاً. لقد كان الشعار دوماً “Juste un prétexte”، “فقط الذريعة” وبعدها لا يهمّ كيف ستكون النتائج.

لقد تمّ ترتيب المسرح العالمي بشكل عنيف وغير مسبوق، وبطريقة استُحضر جلّها من تقاليد القرون الوسطى من خلال فنون القهر والذل والضغط والتنكيل والحصار والتجويع.. فكانت مشاهد غوانتنامو أو أبو غريب أو أفغانستان.. وكيفية التعامل مع السكان والمواطنين، والذل والاعتقال.. هي مشاهد مروعة وعلى الهواء مباشرة. لم يخجل من ارتكبها، بل جاهر بها وعلى رؤوس الأشهاد. هذا بعض من شواهد منتقاة من عشرات مثلها، هي فقط للتدليل كيف أن “الديمقراطيات الغربية” – والتي كانت السلاح الأمضى للهجوم على السوفيات وحلفهم لتسقطهم – أصبحت تُترجم في المعتقلات وسوء المعاملة وصولاً الى الاحتلال والتقتيل والتجويع والحصار والعقوبات.

لقد شكّلت تلك الأحداث مدخلاً لإعادة تشكّل العالم ولتبدّل جوهري في كل القضايا والموقف منها. لقد صاغت الولايات المتحدة الأميركية العالم على نمط يتماشى مع قيادتها للبشرية كما لو أنها الخيار الأوحد المتاح للتعميم والسيادة. لقد تمّ ترتيب منطق الهيمنة وفق منظور سياسي وايديولوجي واقتصادي واحد لا شريك له، والذي هو نابع من مركز القرار في عاصمة الغرب الاستعماري، وعلى ذلك جرى ترتيب العالم وقيادته، والذي تُرجم في أكثر من ساحة وبعدة أوجه وأساليب.

لقد تمّ ترتيب المسرح العالمي بشكل عنيف وغير مسبوق، وبطريقة استُحضر جلّها من تقاليد القرون الوسطى من خلال فنون القهر والذل والضغط والتنكيل والحصار والتجويع.. فكانت مشاهد غوانتنامو أو أبو غريب أو أفغانستان.. وكيفية التعامل مع السكان والمواطنين، والذل والاعتقال.. هي مشاهد مروعة وعلى الهواء مباشرة. لم يخجل من ارتكبها، بل جاهر بها وعلى رؤوس الأشهاد

تبدل طبيعة الصراع

إن مُحدّدات الصراع في العالم متنوعة، وهي مواكبة لوجود الانسان؛ فمن الصراع من أجل البقاء وصولاً إلى الصراع من أجل الهيمنة والسيطرة، تاريخ من الدموع والدماء والحروب والقتل، خاضته البشرية بتنوع أجناسها وبكثرة همومها وأسبابها. فمن تلك الصراعات الابتدائية وصولاً إلى الصراع من أجل الهيمنة التي تمارسها إمبرياليات عالمية تجهد في تأبيد سلطتها، تاريخ من التبدلات والتحولات التي فرضت مصطلحاتها على الحياة السياسية وأسقطتها على مختلف المفاهيم. لكن، يبقى الصراع القائم على الخيارات الطبقية والسياسية واستكمالاً الاجتماعية هو الأكثر حضوراً: فبين المُستَغَل والمُستَغِل كانت، ومنذ بداية الانماط البكر للحياة الاجتماعية، من الأكثر حضوراً وتأثيراً في مختلف النواحي، وأيضاً الأكثر تحريكاً للرأي العام وتكوينه. لقد اصطفّت البشرية في ذلك الصراع وتوزعت على فسطاطين، “المتحكّم والمحكوم”، وهو التوصيف المكثّف للانقسام الطبقي أو الاجتماعي أو السياسي ومن الأكثر وضوحاً، بدولها وقواها ومنطلقات انقساماتها. وهي بالمناسبة ليست مرحلة زمنية معينة؛ فمنذ المشاعيات البدائية إلى عصر “النانو – تكنولوجي” لم يختف هذا النمط من الصراعات، بل كان يُطمس أو يلتبس لمصلحة أنماط أخرى بقدرة تحولات جيوسياسية وقوتها التي جهدت لتبديل كل من يضع الصراع في حقيقته كي يتحول إلى عناوين مختلفة كلياً عن مضمونها.

إقرأ على موقع 180  سوريا ... حروب عابرة للحدود

لقد أدت أحداث تسعينيات القرن الماضي والتي تُوّجت بانهيار الاتحاد السوفياتي إلى بروز تلك الأنماط، وكانت تهدف إلى حرف طبيعة الصراع نحو أشكال تخدم السردية الجديدة التي ورثت مخرجات الحرب الباردة لتعلن انتصارها، ولتُعيد صوغ العالم وفق مناظير مختلفة كلياً. لقد سقطت الصراعات الطبقية والايدولوجية والتحرر الوطني والتحرير وكسر الهيمنة وفك التبعية.. في فخ الدين والمذاهب والإثنيات والأعراق.. ليعاود معها نبش التاريخ واستخراج محطات تستنفز الغرائز وليس العقول. لقد سادت عقلية القبيلة على منطق الدولة فسقطت المفاهيم في فخ التأويل، والذي طالما أغفل الواضح لمصلحة التقدير فوقع العالم في منطق الفوضى والتقاتل والنفي والإلغاء، فغابت الصراعات المرتبطة بالواقع الاجتماعي بين الظالم والمظلوم أو بين المحتل وصاحب الأرض. وعليه أُعيد تشكيل العالم بطرق مختلفة، لتبدأ معها مرحلة مختلفة، إن بصراعاتها أو منطلقاتها أو قواها.

الأفق المفتوح

لم يتبق للعالم من أفق مفتوح إلّا ذاك المنطلق من الولايات المتحدة الأميركية، والمحمول على ثلاث ركائز: البنتاغون وما يمثله، هوليود وما تجسده، وماكدونالدز وما يعنيه. القضية هنا متعلقة بما وراء تلك الأسماء وما تعنيه. القوة والهيمنة والدعاية هي المرتكزات التي جعلت السيطرة ممكنة. هو ذلك المزيج بين السلطة والتسلط و”السلبطة”، والكذب والابتزاز. لقد قامت تلك الإمبراطورية على تلك الركائز وعاثت في الأرض قتلاً وتدميراً. لكن هل أُقفل الباب على ذلك المنطق؟

هو سؤال باتجاهات عدة؛ البشرية بطبيعتها لا تبقى في مكان ثابت، فمساراتها دوماً في تبدّل. وما يحكم العلاقات البينية بين المكونات لا يثبت بدوره عل منهج واحد. التبدّل هو من عوامل الحياة بشكل عام، لذلك لم تدم أي إمبراطورية في التاريخ، بل كانت تتلاشى هواء منثورا. وعليه، فإن مسارات الشعوب وحاجاتها وآمالها لا تحدها حدود وإن بان، في محطات عديدة، انسداد الأفق. هي مراحل متعرجة في مسارات مستقيمة، لكن في بعض الأوقات تكون التعرجات ناتجة من قصور في الفهم أو ضعف في الأداء ما يجعلها تؤخر الأمر لكن لا تلغيه.

نبض الشعوب لا يهدأ ولا يستتب على صراط واحد؛ فما يفعله الشعبان الفلسطيني واللبناني هو الذي فعله الفيتنامي والكوبي والإفريقي وبقية العالم، فمستقبل الشعوب هو حبيس صدورها تطلقه عندما تريد وإن تراءى للبعض خمولها، فساعة الجدّ هي على توقيت أصحاب الحق وليس على مسارات الأقوى أو مصالحهم مهما كبُر جبروتهم.

“الدب الداشر”!

هو توصيف، من باب الاستعارة بالمعنى، للتدليل على واقع معيوش بشكل واضح؛ لفد فلت “الدب الداشر” من عقاله، فعاث في الأرض تخريباً. لقد تفنن في أساليبه: الحصار والتجويع والتدمير والتقتيل ومنع الدواء وتقنين الغذاء.. هي جرائم تُحاكم عليها كل الشرائع والقوانين، التلوّث وفقدان الماء والحماية وصولاً إلى تدمير المستشفيات وما عليها ومن فيها.. هي نماذج بسيطة لفعل إجرامي كبير. كل هذا يحدث وعلى الهواء مباشرة وتحت أعين العالم وسمعه.

كل الموبقات تُرتكب وما يُسمى “العالم الحر” يُساند بأنظمته القاتل والمجرم ويجاهر بموقفه. لقد سقطت “أسطورة” حقوق الإنسان بين أرجل جنود الاحتلال وتحت جنازير دباباتهم. لم يستح الغرب الاستعماري بما تفعله ربيبته، بسلاحه وأمواله وحمايته وعماه على جرائمهم. كيف سيستحون وهم كانوا قبله فاعلين الشيء نفسه. من إرث الذبح على لون البشرة مروراً بالاستعمار والاستبداد وبصماتهم البائنة على وجوه ملايين الضحايا حول العالم، واستكمالاً بالمحارق النووية والبيولوجية والكيميائية وأسلحة الدمار الشامل.

إن الفتك بالحياة بكل أشكالها وبكل الوسائل المتاحة هي سياسة القوي المسيطر، وعليه يجب أن يكون القول واضحاً كي يُبنى عليه الفعل الضروري. لم تعد أسطورة العالم الحر تجد لها مرادفاً إلا التنكيل، وكذبة الديمقراطية إلّا التدليل، وحقوق الإنسان إلّا التقتيل. هذه الثلاثية المستمرة فصولاً منذ التسعينيات الماضية وحتى يومنا هذا. تنتقل من بلد إلى آخر، بعدتها وعديدها وشاغليها. “التهمة غب الطلب” متى طلبتها وجدتها. فهل من سبيل لحجر هذا “الداشر”؟

بكل تأكيد؛ فتاريخ الشعوب القائم على تقديم القضايا الكبرى كالتحرر والتحرير والتغيير ومواجهة مكر الرأسمالية واستبدادها يزخر بدلائل كانت السدّ الذي حجز الطوفان: من أميركا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط كانت الشعوب تقاوم وتقاتل، كانت فلسطين وكان لبنان كما فيتنام وكوبا وأنغولا ولائحة تطول لتغطي الكرة الرضية.. هي شعوب رفضت الهيمنة وكسرت الاحتلال وثأرت لنفسها. هي التي حجرت على “الدب الداشر” وألزمته حدوده، وها هو الشعب الفلسطيني واللبناني، ومن ورائهم كل أحرار العالم، يواجهون وإن كانت الأثمان التي دُفعت غالية جداً، والندوب التي أحدثتها في الجسد بائنة، إلّا أن المسار الذي يعطي تلك الشعوب حريتها وآمالها وتطلعاتها لا تكون إلّا بالكلفة الغالية.

Print Friendly, PDF & Email
حسن خليل

كاتب، أكاديمي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  تحليل إسرائيلي: هدنة غزة.. فرصة رئاسية في لبنان!