حزب الله و”نهائية لبنان”.. بين الخطاب والواقع

قال الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، خلال تشييع السيدين الشهيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، "إننا نؤمن في حزب الله أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، ونحن من أبنائه". تصريحٌ يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية، حول رؤية الحزب لمستقبل الكيان اللبناني، ومدى انسجام هذا الخطاب مع ممارسات الحزب وسياسته الداخلية وتطلعاته الإقليمية وارتباطه الوثيق بالجمهورية الإسلامية في إيران، عقائدياً ومادياً.

أولًا؛ مفهوم “نهائية لبنان” في الخطاب السياسي:

لطالما كان مفهوم “نهائية لبنان” محورًا أساسيًا في النقاشات السياسية اللبنانية، لا سيما منذ إقرار “اتفاق الطائف” الذي نص على أن لبنان هو وطن نهائي لجميع أبنائه. غير أن هذا المفهوم لم يكن دائمًا محل إجماع، إذ أن بعض القوى، ومنها حزب الله، كانت تُتهم بأنها تنظر إلى لبنان كجزء من محور إقليمي أوسع، وليس ككيان مستقل بذاته.

ثانيًا؛ إرث نصرالله وتأثير الصدر:

لا يمكن فهم خطاب حزب الله حول نهائية لبنان كوطن لجميع أبنائه دون التطرق إلى الإرث الفكري والسياسي للسيد الشهيد حسن نصرالله، الذي تأثر بشكل كبير برؤية الإمام السيد موسى الصدر حول الكيان اللبناني واحترام تنوعه. فالإمام الصدر كان من أبرز المدافعين عن صيغة العيش المشترك، ودعا إلى دولة تحفظ حقوق جميع مكوناتها، وهو نهج استمر حزب الله في تبنيه برغم التحديات الداخلية والخارجية.

كما أن السيد نصرالله لم يكن مجرد قائد سياسي أو عسكري، بل كان رمزًا لهيبة الخطاب السياسي وبلاغته، وتمتع بكاريزما استثنائية جعلته يحظى بالاحترام حتى لدى خصومه وأعدائه. أحد أهم عناصر هذه الهيبة كان صدقه في تقديم المعلومات ومخاطبة الرأي العام، مما منح خطابه مصداقية قلّ نظيرها عند عدوّه وصديقه في آن معًا. من هنا، فإن القيادة الجديدة يجب أن تستلهم من هذا الإرث، بحيث تكون اليد الممدودة نحو الخصوم بشأن نهائية الكيان اللبناني دعوة صادقة، على غرار ما كان يقدمه السيد نصرالله، بعيدًا من الحسابات التكتيكية.

هذا التصريح الصادر عن الشيخ قاسم ليس بجديد، لكنه قد يعكس رغبة القيادة الجديدة للحزب في مدّ اليد إلى الأطراف الأخرى. فهل ستلقى هذه المبادرة تجاوبًا، أم أن القوى السياسية الأخرى ستظل حبيسة مواقفها التقليدية؟ وكيف يمكن لهذا التوجه أن يؤثر على مستقبل التحالفات الداخلية والخارجية للحزب؟

ثالثًا؛ بين الخطاب والممارسة:

برغم تأكيد الشيخ نعيم قاسم على التزام الحزب بوطنيته، إلا أن الممارسات الفعلية تعكس تعقيدًا أكبر. فحزب الله، من خلال ارتباطه العضوي بإيران، وسياساته العسكرية والاقتصادية المستقلة عن الدولة اللبنانية، يثير تساؤلات لدى خصومه حول مدى إيمانه الحقيقي بنهائية لبنان كوطن لجميع أبنائه. فكيف يمكن التوفيق بين خطاب الوطنية والممارسات التي تتجاوز حدود الدولة؟

رابعًا؛ الانعكاسات على الصيغة اللبنانية:

إذا كان لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، فهل يعني ذلك القبول بصيغة سياسية جديدة تضمن شراكة متوازنة بين جميع مكوناته، أم أن الخطاب يبقى مجرد تطمين ظرفي يهدف إلى درء المخاوف الداخلية والخارجية؟ وما تأثير هذه الرؤية على مستقبل التعددية الطائفية وصيغة الحكم في لبنان؟

خامسًا؛ بين الخصوم قبل الأصدقاء والحلفاء:

هذا التصريح الصادر عن الشيخ قاسم ليس بجديد، لكنه قد يعكس رغبة القيادة الجديدة للحزب في مدّ اليد إلى الأطراف الأخرى. فهل ستلقى هذه المبادرة تجاوبًا، أم أن القوى السياسية الأخرى ستظل حبيسة مواقفها التقليدية؟ وكيف يمكن لهذا التوجه أن يؤثر على مستقبل التحالفات الداخلية والخارجية للحزب؟ إن الردود التي ستأتي من الخصوم قبل الحلفاء قد تكون مؤشرًا حاسمًا لما يمكن أن يحدث لاحقًا.

سادسًا؛ الخروقات الإسرائيلية:

لم يمر التشييع من دون استفزاز إسرائيلي واضح، حيث خرقت الطائرات الإسرائيلية الأجواء اللبنانية، وحلّقت على علو منخفض جدًا فوق الحشود المشاركة، في رسالة واضحة بعدم احترام السيادة اللبنانية وعدم اكتراثها بالاتفاقات الدولية أو حتى العهد الرئاسي الجديد في لبنان. هذا السلوك يطرح تساؤلات جدية حول ضرورة تقوية الجيش اللبناني، وتحديدًا سلاح الجو، ليكون قادرًا على التصدي لمثل هذه الانتهاكات، أو أن المقاومة تبقى الحل والإيمان الراسخ لدى اللبنانيين، للدفاع عن أنفسهم وأرضهم في ظل غياب الردع الرسمي الفعّال.

سابعًا؛ الهوية اللبنانية:

الهوية اللبنانية لطالما كانت مزيجًا من تناقضات سياسية وطائفية وإقليمية، ولكن ينبغي أن تكون ركيزتها الأولى الانتماء إلى لبنان، فوق كل الاعتبارات الإقليمية والدولية. غير أن الواقع الحالي يعكس ابتعاد جميع المكونات السياسية عن هذا المفهوم، حيث يغلب الانحياز إلى المحاور الخارجية على حساب المصالح الوطنية.

إن التشيّع لا يُلخّص هوية اللبناني الشيعي، تمامًا كما أن المارونية لا تُلخّص هوية اللبناني المسيحي. الهوية الوطنية يجب أن تتجاوز البُعد الطائفي لتكون هوية جامعة، كما أشار الكاتب والمؤرخ إرنست رينان إلى أن بناء أي أمة يتطلب التركيز على ما يجمع، ونسيان أو تناسي كل ما يفرّق، حتى يتم تشكيل هوية مشتركة تضمن الاستقرار والانتماء المشترك.

ثامنًا؛ خلاصة:

إن تحقيق مفهوم نهائية لبنان يمر عبر تبني رؤية جديدة تتجاوز الاصطفافات الحادة، وتعتمد على مبدأ “لا تدخل في الإقليم، حياد إيجابي، ومقاومة لبنانية سياسية وعسكرية” تضم جميع الأطياف، بحيث يكون الدفاع عن لبنان مسؤولية وطنية شاملة، وليس محصورًا في فئة أو طائفة بعينها.

إقرأ على موقع 180  بوتين وشي.. شراكة حتى اسقاط نظام القطب الواحد

ويفرض الحديث عن “نهائية لبنان” كوطن لجميع أبنائه نقاشًا أعمق حول مستقبل هذا الكيان في ظل الاصطفافات الداخلية والخارجية. فهل نحن أمام تحوّل حقيقي في خطاب حزب الله، أم أن الأمر لا يتجاوز كونه تكتيكًا سياسيًا في مرحلة مفصلية؟

يبقى المستقبل كفيلًا بتوضيح ما إذا كان هذا الإعلان جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد، أم مجرد خطاب استهلاكي يُعاد إنتاجه عند الحاجة كما يؤكد خصوم الحزب.

(*) بإمكان القارئ الاستفادة من مقالٍ مفصّلٍ سبق لنا ونشرناه باللغة الفرنسية يتناول الهويات المتناقضة في لبنان: Les nations à l’épreuve des identités

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  مع المقاومة أم ضدها.. هذه حرب بقاء لبنان أو اندثاره