

مثال الذي حصل، في الأسابيع الفائتة، مع السّلطة التّنفيذيّة في لبنان، فاقعٌ واقعاً. بل هو فاقعٌ جدّاً: دولة أجنبيّة استعماريّة، بالتّعاون مع دولة اقليميّة متحالفة تاريخيّاً معها، يضغطان على أركان الدّولة في لبنان بهدف “سحب سلاح” المقاومة، والمتواجد في ساح القتال والنّضال والمواجهة منذ خمسين سنة أقلّه بأشكال متعدّدة ومتنوّعة نسبيّاً.
يُحاول أغلب أركان الدّولة افهام المبعوث الأميركيّ والأمير العربيّ – معاً – بأنّه لا بدّ من بعض الحوار الدّاخليّ. ثمّ، يقدّمون بعض التّعديلات والمقترحات والملاحظات في ما يخصّ “ورقة أميركيّة”، تُشبه ورقة املاءات مُباشرة وإلى حدّ كبير. ثمّ، يحاول بعضهم تقديم لائحة من النّقاط التي من شأنها، بحسب هذا البعض إذن، تقريب وجهات النّظر وإلى حدّ مُعيّن.
يُكرّرون أنّ “إسرائيل” لم تطبّق التزاماتها في حدّها الأدنى.
يُذكّرون بأنّ “إسرائيل” هي المُعتدي تاريخيّاً وحاليّاً، وفي الأعمّ الأغلب.
يُنبّهون إلى أنّ لبنان، وأهل القرى الحدوديّة بشكل خاصّ، لم ينالوا حقوقهم.
يتساءلون: هل من العقلانيّ والواقعيّ أن نصطدم، كدولة وكسلطة تنفيذيّة بشكل خاصّ، بمكوّن أساسيّ في البلد خصوصاً في ظلّ التّحدّيات المتأتّية من الأحداث السّوريّة الأخيرة تحديداً؟
يُعلنون، هنا وهناك، أنّهم – وبرّغم كلّ الضغوطات – في صدد “بناء الدّولة”، دولة المواطنة والقانون والعدل والمؤسّسات والنّموّ والازدهار.
يُحاولون تجميل الصّورة قليلاً، أو الفصل بين ما يحدث في الدّاخل وبين ما يأتي من الخارج.
ولكنّ “المفاجأة” تأتي لتضرب كلّ الصّورة واقعاً، خصوصاً أمام كلّ مراقب موضوعيّ ووطنيّ:
(١) فالقوّة الاستعماريّة الغربيّة لا تُريد أن تسمع شيئاً، ولا حليفها الاقليميّ؛
(٢) ويقولان بالتّالي، لأركان سلطتنا التّنفيذيّة، عمليّاً: نفّذوا فوراً… وإلّا سترون منّا ما لا يُعجبكم (نتحدّث عن جلسات الحكومة الشّهيرة بشكل خاصّ)!
فنُنفّذ، طائعين عمليّاً، وننسى كلّ ما سبق ذكره حول حقوق لبنان، وحقوق المناطق الحدوديّة، وعدم التزام العدوّ، وعدم وجود أيّ مشروع “ردعيّ” جدّيّ وبديل، وحول خطورة الاصطدام مع مكوّن أساسيّ في البلد، وحول خطورة تفجّر الكيان اللّبنانيّ برمّته.. إلى آخر القائمة.
عزيزي القارئ، لنكن موضوعيّين، بعيداً عن الشّعارات والبروباغندا: في الأعمّ الأغلب، نفّذنا في هذا المثال، طائعين.. ما يُريده المستعمر وحليفه أو صديقه، لا ما هو في مصلحتنا وفي مصلحة شعبنا ومؤسّساتنا.
أمّا لو أنّنا لم نُنفّذ؛ أو لو أنّنا لن نُنفّذ مستقبلاً.. فالتّهديد والوعد والوعيد والعذاب الشّديد!
إذن، عزيزي القارئ: هذا مثال واضح أمامك. مثال واقعيّ، ملموس. هل من الجدّيّ حديث البعض عن “بناء دولة” تحت هيمنة الاستعمار وحلفائه؟ أيّ “دولة” سنبني تحت هيمنة كهذه؟
بالرّغم من أنّني أتبنّى “خياراً عمليّاً هجيناً” كما أشرت، ولكن، صدّقني: المشكلة “عويصة” كما نقول بالعامّيّة، على المستوى العمليّ كما على المستوى المفاهيميّ.
***
بالعودة إلى هذا الخيار أو المفهوم “الهجين” إذن، وبهدف تسهيل عمليّة الفهم العامّ للإشكالية المركزيّة المطروحة، فما الذي يُمكن القيام به، ضمن مثال الأزمة اللّبنانيّة الحاليّة: (١) فلا نكون عبيداً للإرادة الخارجيّة تماماً؛ و(٢) لا نكون في موقع المعرِّضِ بلدَه للحرب على الدّوام، وللضّغط، وللحصار الأليم؟ لنتوقّف عند هذا المثال الرّاهن، حقّاً. ولنفكّر سويّاً، ولنتحاور.
المعضلة الأولى؛ هل نسحب “السّلاح المقاوِم أوّلاً”؟ أي، قبل التّأكّد من انسحاب العدوّ وتطبيقه لالتزاماته، أقلّه في ما يعني اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة أواخر السّنة الماضية؟ كيف نطلب من لبنان ككلّ، ومن شريحة لها تجربة طويلة مع هذا العدوّ بشكل خاصّ، أن “يسحبا السّلاح” الذي تطلب “إسرائيل” نفسها سحبه من خلال الوسيط الأميركيّ.. وذلك قبل أن تتفضّل حضرتها وتطبّق الحدّ الأدنى من التزاماتها وواجباتها؟
لا يلزم أركان سلطتنا التّنفيذيّة، ولا يلزم قيادة جيشنا الحبيب الموكلة الآن تقديم خطّة إلى الحكومة.. لا يلزمهم “آينشتاين” سياسيّ ودبلوماسيّ برأيي ليجدوا حلّاً أو مخرجاً مناسباً لهذه المعضلة. ومن الواضح بالنّسبة إليّ: أنّ عنوان حلّ هذه الأخيرة هو في اعتماد خطّة وطنيّة قائمة على “مراحل مشروطة” بتنفيذ العدوّ لتعهّداته ولالتزاماته بشكل مَلموس ومُثبت ومُوثّق من قبل الجانبَين..
المعضلة الثّانية؛ هل يُمكن أن ننادي بتطبيق “حصريّة السّلاح” فوراً؟ أي، قبل تقديم وتنفيذ خطّة جدّيّة واستراتيجيّة ومُقنعة لتسليح الجيش اللّبنانيّ؟ لن أتحدّث هنا عن “استراتيجيّة أمن وطنيّ” ولا حتّى عن “استراتيجيّة دفاع وطنيّ” – بالرّغم من اقتناعي بضرورتهما – وسأكتفي بذكر “تسليح الجيش” في هذا المقام.. وأقصد: التّسليح الاستراتيجيّ، والمُقنع بالحدّ الأدنى المُوصِل إلى نوع من الاجماع الوطنيّ.. كما بدأت بالإشارة.
لنكن مَوضوعيّين ومُنصفين مع بعضنا البعض: هل يُمكن اشهار “حصريّة السّلاح” كحقّ واقعيّ للدّولة، من دون تقديم وتنفيذ “بديل” حقيقيّ؟ وهل منّا من سمع أو قرأ عن بنود وتفاصيل ومراحل هذا البَديل المُبين.. خصوصاً منذ بداية العهد الرّئاسيّ الحاليّ؟
المعضلة الثّالثة؛ باختصار أيضاً، كيف نطلب سحب سلاحٍ مُرتبط إلى حدّ بعيد، شئنا أم أبينا، بمكوّن مُعيّن في لبنان، بينما: (١) يكثر التّهديد الدّوليّ والاقليميّ – بشكل متسارع – بتهجير جماعيّ جنوب اللّيطانيّ وبحلول تُشبه حلول غزّة عموماً؛ (٢) تتصاعد التّوتّرات الإثنيّة والطّائفيّة والمذهبيّة في سوريا وفي المنطقة، لا سيّما في ضوء اعتبار عدد من مكوّنات سوريا تحديداً أنّها قد تعرّضت وتتعرّض لتعدّيات فظيعة. هذه مُعضلة أساسيّة أيضاً، وهي تتلاقى في المفاتيح والمخارج مع المعضلَتَين السّابقَتَين في واقع الأمور.
وكما ترى عزيزي القارئ، اشكاليّة “بناء الدّولة VS التّحرّر الوطنيّ” صعبة وعميقة جدّاً. ولكن، ولو كان ذلك مع التّبسيط والاختصار: من يُريد أن يحافظ على الحدّ الأدنى من حرّيّة قراره الوطنيّ، ومن استقلاله، ومن سيادته، من دون أن يدخل – بالضّرورة – في سيناريو كارثيّ مُطلق.. يُمكنه – شبه دائماً – الوصول إلى حلول ومخارج.
ولكن، للأسف، يبدو أنّنا في الحالة اللّبنانيّة الرّاهنة.. أمام حكومة تتوهّم، حتّى الآن، أنّ المبعوث الاستعماريّ الجديد، أو المبعوث الأميريّ المتحالف معه، هما من يعرفان مصالحنا الوطنيّة أكثر منّا عمليّاً.. وهما من سيَبنيان “الدّولة” هذه، والتي باتت صورتها تكادُ تُشبه هذا البيت الرّحبانيّ (أو العامليّ) الذي غنّته فيروز الكُبرى:
أيُّ وهمٍ أنتَ عشْتُ بهِ؟
كُنْتَ في البالِ.. ولم تَكُنِ!