روج آفا… حلم أكراد سوريا الذي يتبدد

منذ مطلع القرن الماضي، يسعى الأكراد، ليس في الشرق الأوسط وحسب بل في العالم بأسره من أجل قيام دولة كردية، أسوة بدول كثيرة في العالم نشأت على أساس قومي، ولكن الوهم الذي تعاظم غداة ما يسمى "الربيع العربي" سرعان ما تهاوى لأسباب دولية وإقليمية. 

في صيف العام 2012، اضطر الجيش السوري إلى سحب كامل وحداته العسكرية من المناطق ذات الغالبية الكردية في الشمال والشمال الشرقي للبلاد من أجل تعزيز مواقعه في المدن الكبرى ولا سيما في حلب والعاصمة دمشق، التي كانت مهددة الى حد بعيد من قبل المجموعات المسلحة، وقد حصل هذا الانسحاب بتنسيق كامل مع المليشيات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي(PYD)، النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني، ألد أعداء تركيا وعدد من الاحزاب والقوى الأخرى الأقل أهمية.

شكل هذا الحدث نقطة تحول هامة في تكون الحالة الكردية السورية، فقد انصرف هؤلاء مباشرة لتنظيم انفسهم انطلاقا من مبدأ أن الفرصة قد سنحت لاحياء حلم قديم بإقامة دولتهم المتعارف عليها كرديا “غرب كردستان” أو “روج آفا” بحسب الترجمة الكردية، وكان المفترق الاساس في هذا المسار هو المواجهة العنيفة التي جرت بين المقاتلين الاكراد وتنظيم “داعش” الارهابي في مدينة عين عرب “كوباني” منتصف عام 2013، واثبت فيها الاكراد انهم مقاتلون اشداء، تمكنوا من دفع التنظيم الى الانسحاب من المدينة مطلع العام 2015.

هذا الانتصار حوّل الاكراد الى رقم صعب في المشهد السوري العام، فانطلقوا لتعزيز نفوذهم ضمن استراتيجية قيام الدولة الكردية، ما دفع بمئات الآلاف من اكراد العراق وايران وتركيا (500 الف) الحالمين بالعيش ضمن دولتهم القومية للالتحاق بهم، ووجد مناصرو حزب العمال الكردستاني من مقارهم في جبال قنديل شمال العراق فرصة للخروج الى النور، فتدفق الى شمال سوريا آلاف المقاتلين، وحظي هؤلاء بدعم عسكري ولوجستي روسي مباشر واميركي غير مباشر عبر مناطق الاكراد في شمال العراق، فحولوا ميليشاتهم من مجرد مجموعات مقاتلة باسلحة فردية متواضعة، الى جيش منظم يصل تعداد جنوده الاصلين الى أكثر من 35 الفا ويرتفع هذا العدد ليبلغ اكثر من 60 الفا باضافة المقاتلين غير الاساسيين والمقاتلين العرب الذين التحقوا بقوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

شعر الاكراد في هذه المرحلة بفائض قوة لا يسمح لهم بأقل من خيار الدولة المستقلة، فكان أن تراجعت الاتصالات مع دمشق، وخفت تأثير روسيا على قرارهم لصالح التأثير الاميركي الواسع.

وعلى المستوى الكردي الداخلي واستنادا الى لعبة توزيعٍ للأدوار يتقنها الاكراد، أٌزيح محمد صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي، المعروف بعلاقته الوثيقة مع دمشق وموسكو، عن الواجهة لصالح التيار المتشدد الذي يقوده مظلوم عبدي الملقب بمظلوم كوباني، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، ومرجعية هذا التيار تقيم في جبال قنديل شمال العراق ورجلها القوي جميل بايك.

مرحلة الخيبات

حظي الأكراد بتنافس أميركي ــ روسي لاستمالتهم، وكانت روسيا السباقة لتقديم الدعم العسكري واللوجستي لهم، وعملت على تنظيم حوار بينهم وبين دمشق من أجل تنظيم مرحلة ما بعد انتهاء الأزمة في سوريا، وطالبوا مرارا الامم المتحدة بضرورة إشراكهم في مفاوضات جنيف، لكن هذه الدعوة كانت تسقط دائما بسبب الرفض التركي، ومع إنخراط روسيا في الحرب السورية مباشرة في مطلع خريف العام 2015، ارتفع مستوى الدعم العسكري للأكراد، وخوفا من أن يسقطوا في حضن الاميركيين الذين بدأوا بإغداق المعونات العسكرية واللوجستية والمالية عليهم، قدمت روسيا هدية دبلوماسية قيمة لدولة “روج آفا” عبر فتح ممثلية لها في موسكو، فكانت أول دولة تعترف بدولة “غرب كردستان”.

لكن شهر العسل مع الروس انتهى مطلع العام 2018 مع بدء الهجوم التركي على مدينة عفرين، فإتهم الأكراد موسكو بالتخلي عنهم لصالح علاقتها مع تركيا وبأنها منحت الضوء الأخضر لرجب طيب أردوغان الذي شن حملة عسكرية قضت على واحدة من أهم ركائز قيام الدولة الكردية، أما الروس، فيؤكدون أن ما حصل هو عكس ذلك تماما، ويأخذون على القيادات الكردية انها لم تتلق الرسالة الروسية بشكل واضح في عفرين.

وعندما ايقن الروس ان تركيا مصرة على انهاء التواجد الكردي في عفرين وتحويل المدينة والقرى المحيطة بها الى ملجأ لإيواء عشرات الآلاف من المسلحين والعائلات الفارة من مناطق الغوطة الشرقية ومن الجنوب السوري بعد هزيمة المجموعات المسلحة هناك، طلبوا من الأكراد قطع الطريق على الخطة التركية، عبر تسليم المدينة الى الجيش السوري، أو على الأقل رفع العلم السوري الرسمي فوق الادارات الرسمية وفوق المواقع العسكرية، معتبرين أن هذه الخطوة قد تجمد الاندفاعة التركية.

وبحسب ما يؤكد الروس، فإن الاكراد رفضوا هذا الاقتراح معتقدين أن الولايات المتحدة قادرة على الضغط على تركيا لمنع هجومها، ففضلوا المواجهة في معركة “خاسرة سلفا”، وهنا سقطوا، بحسب التوصيف الروسي ضحية وهم “قدرة الولايات المتحدة على منع الهجوم التركي”.

بعد معركة عفرين، ابتعد الأكراد عن موسكو، وحصروا علاقتهم بالأميركيين وشكلوا معا تحالفا في معركة دامت أكثر من أربعة أشهر (من 6 حزيران/يونيو 2017 حتى 17 تشرين الأول/اكتوبر 2017)، لطرد تنظيم “داعش” من مدينة الرقة، عاصمة الخلافة الداعشية، وتعزز الحلف في المرحلة التالية لسقوط الرقة الى أن اعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية العام 2018 نيته سحب قواته من شمال وشمال شرق سوريا، فسيطر الاحباط على الاكراد الذين وصفوا القرار الاميركي بـأنه “طعنة في الظهر وخيانة لدماء الآلاف الذين قتلوا في مواجهات مع تنظيم داعش”، خصوصا وان الاعلان الاميركي تزامن مع استعدادات تركية عسكرية للدخول الى شرق الفرات.

وفور الاعلان الاميركي، وجه الأكراد بوصلتهم نحو روسيا، فأعادوا الحرارة سريعا الى خط الاتصال مع موسكو، التي طالبت “بنقل الاراضي التي كانت تسيطر عليها الولايات المتحدة الى الحكومة السورية”، ونصحت ببدء حوار جدي مع دمشق “للاتفاق معها على طريقة لإدارة المناطق الشمالية”.

وبالفعل، انتقل وفد كردي رفيع من مجلس سوريا اليدمقراطية برئاسة الهام احمد، الرئيسة التنفيذية للمجلس، الى دمشق وجرت لقاءات متعددة بحثت بآلية التنظيم الاداري للمناطق الكردية وكيفية تسلم دمشق زمام الامور هناك.

وفي موازاة هذه اللقاءات والاتصالات مع دمشق وموسكو، نشط ممثلو حزب الاتحاد الديمقراطي باتجاه العواصم الاوروبية وتحديدا باريس التي قامت بدور فعال باقناع واشنطن بالعدول عن قرار الانسحاب، وتمكن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بإقناع ترامب بإن الانسحاب الاميركي سيفتح الطريق امام تحالف روسيا – ايران – النظام السوري للسيطرة على كافة الاراضي السورية، ما يعني توسع الدور الايراني في المنطقة، وقد ساهمت اسرائيل الى جانب فرنسا بالضغط على الادارة الاميركية من اجل وقف الانسحاب، وفي بيان لنتنياهو بعد تبلغه القرار من وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو قال ان الانسحاب الأميركي من سوريا “درامي بالنسبة لإسرائيل”، وبحسب وسائل الاعلام الاسرائيلية، فإن نتنياهو ضغط كثيرًا على الرئيس الأميركي طيلة العام 2018 من أجل بقاء القوات الأميركية في سوريا.

نجحت كل هذه الضغوط بدفع ترامب الى العدول عن قراره، بل أكثر من ذلك، فقد وضع خطة معاكسة تماما للخطط السابقة، فربط من جهة انسحاب القوات الاميركية من سوريا بإنهاء الوجود الايراني بشكل تام، ومن جهة ثانية، بدأ بتعزيز نفوذ القوات الكردية التي قررت فور تبلغها التطمينات ببقاء القوات الاميركية، التنصل من كل التزاماتها السابقة مع موسكو ودمشق، لتعود إلى حلم اقامة اقليم كردي مستقل، إلا أن الخطة الترامبية تبددت مرة جديدة، مع إعلان البيت الأبيض أنه يدعم عملية عسكرية تركية في شمال سوريا، ولن يشارك فيها.

نكسة عفرين

يعلم الأكراد علم اليقين ان قيام الدولة الكردية بات مستحيلا بعد سقوط عفرين والتغيير الديمغرافي الذي فرضته تركيا هناك عبر طرد القسم الأكبر من السكان الاكراد (90% منهم تقريبا) واستبدالهم بعائلات عربية من عائلات المسلحين الذين فروا من جنوب ووسط سوريا وتحديدا من الغوطة الشرقية بعد سيطرة الجيش السوري عليها، وبالمنطق الديموغرافي فإن دولة “روج آفا” التي تشكل 25% من اراضي سوريا، قائمة على ثلاث ركائز لا يمكن فصلها، وسقوط واحدة من هذه الركائز يعني سقوط الدولة بشكل كامل، هذه الركائز هي: عفرين، كوباني او عين عرب والجزيرة السورية.

وتبقى نكسة عفرين الى حد بعيد أهون الأخطار بالنسبة لمستقبل الأقليم الكردي المستقل، لأن الضربة القاضية لهذا الحلم ستأتي من خلف الحدود مع اعلان تركيا التوصل سابقاً الى تفاهم مع الولايات المتحدة على انشاء المنطقة الآمنة شرق الفرات بطول 410 كيلومترات وبعمق 40 كيلومترا، ما يعني عمليا ان 90 في المئة من اقليم غرب كردستان سيكون ضمن المنطقة التركية.

الآن، تتجدد آمال الأتراك بإقامة منطقة آمنة، برغم وجود عقبات كثيرة أبرزها عدم الحماسة الاميركية لها، وثانيها، تراجع قدرة تركيا المالية على تمويل مشروع انشاء بلدات وبنية تحتية ومساكن لاعادة ملايين اللاجئين السوريين الموجودين حاليا في الاراضي التركية، وقد طالب اردوغان خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والايراني حسن روحاني في انقرة في 16 ايلول/ سبتمبر الماضي، الاتحاد الأوروبي بالمساهمة بتمويل إنشاء هذه المنطقة لنقل اللاجئين اليها، لكن الاتحاد الاوروبي لم يصدر أي رد فعل على هذا الطلب.

والمعروف ان العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي تمر حاليا في أسوأ مراحلها بسبب الخلاف على التنقيب عن النفط من قبل انقرة في المياه الاقليمية القبرصية، كما أن الأميركيين أبلغوا الأتراك أن التنقيب غير الشرعي في المنطقة الإقتصادية القبرصية “غير مقبول”، وذلك على مسافة ساعات قليلة من تطورات الشمال السوري.

لكن اردوغان، المعروف بحنكته السياسية وقدرته على اقتناص الفرص وصولا إلى فرض شروطه في شرق سوريا، يجد نفسه اليوم أمام معطيات مختلفة في ضوء المواقف الأميركية والروسية والإيرانية من هذه العملية.

في هذه الحالة (فرض المنطقة الآمنة)، سيضطر الاكراد، كما جرى تماما في عفرين، الى الفرار من مدنهم، ولكن هذه المرة سيلجأون الى مناطق ذات غالبية عربية في جنوب الجزيرة السورية، حيث القرار لعشائر عربية عريقة ذات نفوذ قوي يمتد أحيانا من سوريا الى العراق كعشيرة “شمر” وعشيرة “الجبور”، وهذه العشائر تحافظ في الوقت الحالي، وبغياب الدولة المركزية على علاقات في مختلف الاتجاهات ومع معظم القوى المؤثرة بالأزمة، من روسيا الى السعودية الى الولايات المتحدة وتركيا وتنسق جيدا مع دمشق ومع المعارضة (أحمد الجربا، رئيس الائتلاف المعارض السابق ينتمي لعشيرة شمر)، والمعروف ان هذه العشائر ترفض رفضا تاما مشروع الاقليم الكردي

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course