الفينيقيون والمصريون بين جبيل وصحيفة “الأهرام “

في «الجبتانا» أو أسفار التكوين المصرية للكاهن المصري مانيتون السمنودي (270 ق.م)، أن سلسلة أبناء الآلهة تبدأ بإيزيس وأوزيريس، وبعد زواجهما المقدّس طافا في الأقاليم المصرية، وفي إقليم منديس التقى أوزيريس بعدد من كبار تجّار مدينة جبيل وفينيقيا، وعلم أوزيريس أن هؤلاء البحّارة اعتادوا التجارة مع منديس ومدن مصرية أخرى، وبعد تبادل الإعجاب بالمنتوجات والمصنوعات المصرية والفينيقية قرر أوزيريس زيارة مدينة جبيل والساحل الفينيقي.

قد يُصرف النظر عن التدقيق في وقائع هذا اللقاء بين أوّل الملوك المصريين المتحدرين من سلالة سماوية وبين جماعة فينيقية، لكن حين تدخل هذه الواقعة عالم الأساطير، فإنها تكون قد عكست ثقافة شعبية عميقة الغور في بطون الزمان. وإذا ما جرى الأخذ بمقولة مرسيا إلياد في «مظاهر الأسطورة»، فإن الرجوع إلى أوليات فهمها يفضي إلى اعتبارها تاريخًا حقيقيًا دخلت عناصر قدسية في تصانيفه ونصوصه ومروياته الأدبية والشعرية مع مرور الدهور والعصور. وبهذا المعنى، فما تقوله «الجبتانا» لا يخرج عن جادة الثقافة المصرية المتناقلة عبر الأجيال القديمة حول العمق التاريخي للعلاقة بين المصريين القدماء والفينيقيين، وهي علاقة غير محددة بزمن ومجهولة البداية.

وفي «الجبتانا» أيضًا: في ذات صباح، وفي آخر أيام السنة المصرية، أبحرت سفينة أوزيريس وإيزيس نحو مدينة جبيل الفينيقية، ومعها سفن أخرى. وما إن اقتربت السفن المصرية من مرفأ جبيل حتى اقتربت منها سفن فينيقية وزوارق تحمل أعلامًا ملوّنة، وتقدّم حاكم جبيل لاستقبال أول رحلة مصرية يقودها أوزيريس، الذي لا يتكبر أن يكون ابنًا لعشتار ومردوك كما جاء في «الجبتانا».
يُفهم من هذا النص أن المصريين القدماء كانوا يحترمون عبادات غيرهم من الأقوام ويبجّلون مقدساتهم، وتلك ذروة التسامح ورفعة الأخلاق. وكذلك كانت مجريات الأحوال مع كهنة مدينتي صور وجبيل الذين انحنوا لأوزيريس أثناء استضافته على مأدبة وفي ولائم ومضافات أخرى. وإذ طال مكوث أوزيريس ومرافقوه في فينيقيا، فقد زاروا مدن بيروت وصيدا وصور وطرابلس وأرواد. ومنهم — على ما تقول «الجبتانا» — تعلّم الفينيقيون الكتابة على أوراق البردي والنظام الكتابي المصري القديم، إلى أن ابتكر الفينيقيون الأبجدية المعروفة. والمهم في هذا الأمر أنه يستحضر أسس العلاقة حول الحرف والكتابة بين الفينيقيين والمصريين الممتدة من مرحلة أوراق البردي المصرية إلى مرحلة الألفبائية الفينيقية التي غدت نظامًا أبجديًا لغالبية لغات العالم، وصولًا إلى مرحلة صحيفة «الأهرام» في الربع الأخير من القرن التاسع عشر للميلاد.

وما بين أوراق البردي وأوراق «الأهرام» تقلبت وقائع الأحوال والأزمان، إلا أن الثابت فيها مراوحة العلاقة بين لبنان ومصر على حالها، فيما الحرف والكتابة حافظا على تلك العلاقة. ولكي لا يُصار مرة أخرى إلى استدعاء التاريخ البعيد، فإن الإضاءة على التحالف الذي ربط القائدَ المصري إبراهيم باشا، نجل محمد علي الكبير، وأميرَ لبنان بشير الشهابي، تستحق البناء عليها. وإذ جرى الاستشهاد بثلاثة لبنانيين حول الصلات التي ربطت محمد علي باشا والأمير بشير، تستقر النتيجة على قناعة مفادها أن فتوحات إبراهيم باشا لبلاد الشام عام 1831 ما كان لها أن تلقى نجاحًا لولا التحالف الذي قام بين الباشا والأمير. وهذا ما يقرره المؤرخ أسد رستم في مجلة «المقتطف» المصرية ـ اللبنانية، في سلسلة بحثية منشورة بين مارس/آذار وأغسطس/آب 1925.

وفي محاضرة ألقاها اللبناني المتمصر إبراهيم أبو سمرا غانم في الثاني من فبراير/شباط 1932، ونشرتها مجلة «المشرق» البيروتية، جاء: «إن إبراهيم باشا حين كان يحاصر عكا بعث إلى الأمير بشير شهاب، والي لبنان وسيده الأكبر، يبشره بقدومه ويطلب منه أن يوافيه حيث هو، فلبّى الأمير الطلب وجمع رجال لبنان وجاء بهم إلى معسكر المصريين، فاستُقبل بمزيد من الفرح والابتهاج. ولا يُخفى أن نجدة الأمير ورجاله اللبنانيين لإبراهيم باشا جاءت معززة لجانبه ومسهلة لفتوحاته في داخلية بلاد الأناضول. وقبل أن يتم الاستيلاء على عكا، زحف الجيش المصري وأحلافه اللبنانيون فاحتلوا صور وصيدا وطرابلس».

إن الاستناد إلى هذين الرأيين مردّه إلى سببين: فأسد رستم، المؤرخ المعروف، يتصدر طليعة الباحثين والمنقبين في المحفوظات الملكية المصرية، وإبراهيم أبو سمرا غانم نقل عن أبيه وآخرين ممن عايشوا الحملة المصرية على بلاد الشام أن العودة إلى تلك الحملة تؤدي إلى استدعاء ثلاثة محاصيل إيجابية برغم هزيمة إبراهيم باشا لاحقًا؛ ويتمثل المحصول الأول بالهجرة اللبنانية الواسعة إلى مصر، والثاني بذهاب الطلاب اللبنانيين إلى الصروح المصرية لتلقي العلوم المختلفة التي كان محمد علي باشا قد أفرد لها اهتمامًا رفيعًا، والثالث عنوانه وتفصيله التلاقح المصري ـ اللبناني الذي أنتج بيئة ثقافية وفكرية وإعلامية غير مسبوقة، ومن تجلياته إصدار صحيفة «الأهرام».

يقول إبراهيم أبو سمرا غانم: «أولت الحكومة المصرية لبنان فضلًا عظيمًا بقبولها بعض الشبان في مدرسة قصر العيني الطبية على نفقتها، ولما عرفت الحكومة المصرية مزايا اللبنانيين فتحت لهم أبوابها على مصاريعها، فانتشروا في أنحاء القطر كافة، يتاجرون ويفيدون ويستفيدون بعلومهم ومعارفهم وخبرتهم، فأسسوا المحال التجارية وأنشؤوا المجلات والجرائد الخطيرة».

أما اللبناني الثالث فهو داود بركات، رئيس تحرير «الأهرام» بين الأعوام 1901 و1933. وفي مقالة يعود تاريخها إلى 8 ديسمبر/كانون الأول 1927 كتب أن حب اللبنانيين للمصريين «متوارث من عهد محمد علي والأمير بشير، وقد أفضى تحالفهما السياسي إلى تحالف شعبيهما الأدبي والعلمي، ورابطة العلم والأدب فوق رابطة القرابة والنسب. فقد ظل 25 طالبًا لبنانيًا يتلقون العلم في مصر مجانًا من عهد محمد علي حتى الاحتلال الإنكليزي، وظل العلماء اللبنانيون يخدمون مصر حتى توافر لمصر علماؤها من أبنائها». وفي مقالة أخرى (8 شباط/فبراير 1928) يتساءل: «ألم تكن النهضة العلمية التي ظهرت في سوريا عام 1860 وليدة النهضة العلمية المصرية على عهد محمد علي؟ ألم تكن من اللبنانيين والسوريين البعثات العلمية إلى مصر بعدما أنشأ محمد علي مدارس الطب والهندسة والألسن والعلوم؟»

إقرأ على موقع 180  لبنان بين كورونا والبطالة.. دولة "سيري فعين الله ترعاك"

في تلك الأجواء، صدرت «الأهرام»، حيث التمازج والتخالط والاستيعاب والتحابب، لتشكّل لسان الحال المصرية ـ اللبنانية، وبصورة أكثر شمولية مصرية ـ شامية، كأنها تستعيد التاريخ الذي مضى بين المصريين القدماء والفينيقيين؛ إذ إنهم لما التقوا بزغت الأبجدية، ولما التقوا مرة ثانية ظهرت «الأهرام».

أخيرًا، قد يكون من المناسب إيراد ما ينقله الروائي المصري يوسف القعيد في كتابه «عبد الناصر والمثقفون والثقافة» عن رئيس تحرير «الأهرام» الأسبق الراحل محمد حسنين هيكل، إذ يقول الأخير إن جمال عبد الناصر كان يعتبر أن التفاعل والتلاقي بين بيروت والقاهرة يُحدث معجزة. أليست الأبجدية معجزة.. وكذلك صحيفة «الأهرام»؟

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  محرقة غزة والضفة.. تنسف الأساطير المؤسسة لإسرائيل!