أميركا في لبنان.. من الاحتواء إلى الإدارة الصارمة للتوازنات

تُبيّن التغطيات الإعلامية التي تلت اجتماع مارالاغو في 29 كانون الأول/ديسمبر 2025 بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تحوّل في المقاربة الأميركية للملف اللبناني، من إدارة قائمة على الاحتواء المرحلي وامتصاص الأزمات، إلى مقاربة أكثر صرامة تربط أي دعم أو وساطة بشروط تنفيذية واضحة، وتتعامل مع لبنان بوصفه ساحة اختبار للردع الإقليمي، لا مجرد ملف إنساني أو مالي.

ووفق ما عكسته هذه التغطيات، يتقدّم منطق الالتزام مقابل المساندة على منطق المساعدة لمنع الانهيار، بحيث تُعاد صياغة الأولويات حول ضبط المسار الأمني اللبناني جنوبًا، وتشديد أدوات الضغط السياسي والمالي، واعتماد حزمة إجراءات متزامنة، بدل الاكتفاء برسائل متفرقة أو مبادرات ظرفية.

وفي هذا الإطار، تشير المعطيات إلى وجود اتصالات حثيثة خلف الكواليس تشارك فيها الولايات المتحدة وقطر، وبقنوات غير مباشرة مع إيران وحزب الله، قد تفضي إلى تفعيل المبادرة المصرية المطروحة بعناوين مثل “احتواء السلاح” أو “تجميد السلاح” شمال نهر الليطاني. ويتّضح هنا أن المقاربة الأميركية الفعلية تختلف جذريًا عمّا يروّجه الإعلام الخليجي وبعض المنابر اللبنانية من مناخات تصعيد وتهويل، إذ إن هذه السرديات لا تعكس حقيقة ما يجري على مستوى التفاوض.

وعلى هذا الأساس، ينسجم السلوك الأميركي مع نهج لطالما حكم سياساته في المنطقة، يقوم على التفاوض مع الطرف الأقوى على الأرض، لا مع الطرف الأضعف سياسيًا أو إعلاميًا. ووفق هذه الرؤية، ترى واشنطن أن إسرائيل استنفدت جزءًا كبيرًا من قدرتها العسكرية خلال العام المنصرم، وحقّقت ما سعت إليه في إطار إضعاف محور المقاومة عبر اغتيال قادة من الصف الأول في لبنان، وترسيخ الهيمنة على النظام في سوريا، واحتلال مساحات جغرافية واسعة توازي عمليًا مساحة لبنان، ما يجعل المرحلة التالية محكومة بإدارة النتائج، لا بتوسيع الحرب أو الذهاب إلى مغامرات مفتوحة.

هناك شريحة تعاملت مع الوطن كرهان خاسر لا يهم إن احترق، طالما أن الحريق يصيب خصومهم أولًا. لم يرَ هؤلاء في لبنان بلدًا يجب إنقاذه، بل ساحة يجب كسرها، ولم ينظروا إلى التوازنات الدقيقة بوصفها ضمانة للاستقرار، بل عائقًا أمام شهواتهم السياسية. لذلك، سيبقون معزولين عن مسار الأحداث، فيما تتقدّم الوقائع بعيدًا عن صراخهم، وتفرض معادلات لا مكان فيها لمن اختار العمى الطوعي والعداء المفتوح لمكوّن كامل من هذا البلد

لذلك، ترى الإدارة الأميركية، ولا سيما الدوائر المعنية مباشرة بالملف اللبناني، أن طرح نزع السلاح، كما عبّر عنه المبعوث الأميركي توماس براك في أكثر من مناسبة، هو خيار غير قابل للتحقق، وخصوصًا بالقوة. ويُشكّل هذا الموقف مؤشرًا واضحًا إلى أن الواقعية السياسية باتت تتقدّم على الرغبات والأوهام التي ما زال يروّج لها بعض الأطراف اللبنانية والخليجية، ممن يصرّون على مقاربة موازين القوى بمنطق التمنّي لا بمنطق الوقائع الميدانية، فيما تبدو واشنطن اليوم أكثر ميلًا إلى إدارة التوازنات ومنع الانفجار الشامل، بدل الانخراط في رهانات قصوى أثبتت التجربة عدم قابليتها للتنفيذ.

وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة الأميركية، عبر وسائط فاعلة على المستوى السياسي اللبناني، إلى الوصول إلى اتفاق ينهي حالة التوتر القائمة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، تمامًا كما جرى في ملف الترسيم البحري، ولكن هذه المرة عبر الترسيم البري، وصولًا إلى تثبيت خطوط واضحة والحصول على ضمانات من كلا الطرفين بـ”عدم الاعتداء”. ووفق الرؤية الأميركية، فإن هذا المسار لا يخدم طرفًا على حساب آخر، بل يحقق مصلحة متبادلة للطرفين، تقوم على تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لا يرغب بها أحد.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا الملف أو الاتفاق يُطبخ على نار هادئة، بعيدًا عن ضوضاء الإعلام، وبالتالي يحتاج إلى الكثير من الوقت كي تنضج وتتّضح تفاصيله، ولا سيما أن هناك نقاطًا معقّدة يجري العمل على حلّها، وتتطلّب قدرًا عاليًا من الرويّة والدراية والهدوء.

وفي هذا المسار، لا بد من التوقف عند ظاهرة “المراهقين السياسيين” الذين لطالما كانوا يراهنون على توجيه ضربة عسكرية كبيرة للبنان، ذلك أن الخيبة تنتظر هؤلاء ممن لم يتركوا مجالًا للعودة، ولا فسحة لرأب الصدع الذي أشعلوه حدّ الثمالة، واختاروا عن سابق تصوّر وتصميم إقفال كل أبواب المراجعة الوطنية لمصلحة خطاب الكراهية والتحريض.

ولا يمكن تجاهل حقيقة أن شريحة من هؤلاء في الداخل اللبناني، ممن راهنوا بلا خجل على ضربة كبرى تطال لبنان برمّته، سيجدون أنفسهم أمام خيبة ثقيلة لا لبس فيها. فقد بنوا حساباتهم على أوهام القوة الخارجية، وعلى سرديات التحريض والكراهية، معتقدين أن الانفجار الكبير سيكون فرصة لتصفية حسابات داخلية، أو لإعادة تشكيل البلد على أنقاض طائفة كاملة. لكن الوقائع، كما في كل مرة، خذلتهم، وستخذلهم مجددًا.

لقد اختاروا الاصطفاف في الخانة الأسهل أخلاقيًا والأخطر وطنيًا: خانة الشماتة والتحريض، وبثّ السموم في الفضاء السياسي والاجتماعي، حتى بات خطابهم أقرب إلى نزعة انتقامية عمياء، لا مشروع لها سوى الكراهية. لم يتركوا مجالًا للعودة، ولم يفتحوا نافذة واحدة لرأب الصدع الوطني، بل أوغلوا في تعميق الانقسام حتى الثمالة، وأقفلوا عمدًا كل مسارات العقل والحوار والمراجعة.

إقرأ على موقع 180  الزعيم والطائفة: دور الشعب اللبناني في إنتاج أزماته

والأخطر من ذلك، أن هذه الشريحة تعاملت مع الوطن كرهان خاسر لا يهم إن احترق، طالما أن الحريق يصيب خصومهم أولًا. لم يرَ هؤلاء في لبنان بلدًا يجب إنقاذه، بل ساحة يجب كسرها، ولم ينظروا إلى التوازنات الدقيقة بوصفها ضمانة للاستقرار، بل عائقًا أمام شهواتهم السياسية. لذلك، سيبقون معزولين عن مسار الأحداث، فيما تتقدّم الوقائع بعيدًا عن صراخهم، وتفرض معادلات لا مكان فيها لمن اختار العمى الطوعي والعداء المفتوح لمكوّن كامل من هذا البلد..

Print Friendly, PDF & Email
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حريقا المرفأ وأسواق بيروت.. معلّم اللحام ليس المتهم الأول!