زيارة بايدن للمنطقة.. فاقدُ الشيء لا يُعطيه!

يعتقد مراقبون ومتابعون للمشهد السياسي في المشرق العربي أن زيارة الرئيس الأميركي جوزيف بايدن المرتقبة إلى المنطقة في منتصف هذا الشهر قد تؤدّي إلى نتائج كبيرة تغيّر في المعادلات التي فرضها الميدان لمصلحة محور المقاومة.

من تلك النتائج “المصالحة” بين الرئيس الأميركي وولي العهد في بلاد الحرمين التي ستكون مبنية على صفقة تؤكّد موافقة الإدارة الأميركية على تنصيب ولي العهد ملكا مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني والتخلّي عن منظمة “أوبك +” وزيادة انتاج النفط والغاز لحل مشكلة اوروبا. وإضافة إلى ذلك هناك كلام عن ابرام اتفاقات امنية عسكرية تضم دول الخليج والكيان الصهيوني في مواجهة “الخطر الإيراني” كخطوة تهدئ خاطر هذه الدول إذا ما أقدمت الولايات المتحدة على ابرام الاتفاق النووي مع إيران. وهذه “القناعة” عند بعض الإعلاميين العرب مبنية على “تسريبات” من الإدارة الأميركية لتهيئة الرأي العام العربي على الخطوات التي قد يقدم عليها ولي العهد في بلاد الحرمين.

في الحقيقة لدينا تساؤلات عدّة حول أهداف الزيارة وحول النتائج المرتقبة.

بالنسبة للأهداف هناك توقّعات بأن الإدارة الأميركية لديها تصوّر واضح لما تريده ولما هو مطلوب من قبل دول المنطقة. غير أن الواقع يشير إلى أن الهدف الأوّل والأخير لكافة سياسات الإدارات الأميركية المتتالية هو ضمان أمن الكيان وإن كان على حساب مصالح الشعوب في المنطقة وإن كان أيضا على حساب مصالح الدول التي تعتبر نفسها حليفة للولايات المتحدة. أما الأهداف الأخرى المنسوبة للإدارة الحالية كزيادة الإنتاج النفطي والغازي أو الانخراط في الحصار السياسي والاقتصادي على روسيا وربما الصين فهذه افتراضات لا تستند إلى قدرة فعلية لتحقيقها أو لإجبار الدول العربية المستهدفة على تنفيذها. هذه الإدارة من أخطر الإدارات التي حكمت الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية حيث مستوى الحماقة وسوء التقدير لموازين القوّة في العالم وحتى لقدراتها الذاتية جعلتها تراكم الإخفاقات تلو الإخفاقات. فزمرة المحافظين الجدد تسيطر بشكل مطلق على السياسة الخارجية ويتحالف معها المتدخلون الليبراليون من بقايا ولاية باراك أوباما وبالتالي لا عائق امامهم في اتخاذ قرارات دون الاهتمام بعواقبها.

استطلاعات الراي العام تشير إلى أن تسونامي جمهوري قد يصل إلى الكونغرس الأميركي وهناك احتمالات جدّية بمحاكمة كل من الرئيس الأميركي ونائب الرئيس كمالا هاريس وتنصيب رئيس مجلس النوّاب من الحزب الجمهوري

لكن هل تستطيع زيارة بايدن إلى المنطقة تحقيق كل ذلك؟

من يقرأ موازين القوّى في العالم وفي الإقليم يسجّل تراجع قدرات الولايات المتحدة بشكل عام وخاصة في الإقليم بعد الانسحاب من أفغانستان. كما أن الفشل في إدارة المواجهة مع روسيا والعقوبات التي حاولت فرضها عليها تدلّ على عدم تقدير دقيق لقدرة روسيا على الصمود بل حتى على التفوّق. من جهة أخرى، استطاعت روسيا أن تتفاهم مع دول الخليج على توفير الاستقرار لأسعار النفط وإبقائها على مستويات عالية تدرّ العوائد الكبيرة للدول المنتجة. فهل ستقبل دول الخليج التضحية بتفاهم كان لمصلحتها وأن ترضخ لرغبات الولايات المتحدة التي لن تعطيها أي شيء؟

أما على الصعيد الأمني، فالحديث عن اتفاقات عسكرية وأمنية كإنشاء أحلاف عسكرية وسياسية هناك تساؤلات حول جدواها. فبعد إخفاق الأطلسي في أوكرانيا هل هناك ثقة بأن الحلف الجديد المرتقب سيكون أكثر فعّالية؟ الكيان الصهيوني قد يكون العمود الفقري لذلك التحالف ولكن عدم قدرتها على حسم الصراع مع الفصائل الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وعدم قدرته على تغيير موازين القوّى في سوريا، وعدم قدرته على التغلّب على المقاومة في لبنان، فماذا يمكن أن ينتج عنه؟

الأداء العسكري للدول العربية التي خاضت العدوان على اليمن لا يدل على إمكانية النجاح في تحالف مع قوّة برهنت عجزها في حسم الأمور، فما هي القيمة المضافة لذلك التحالف؟

من جهة أخرى، هناك من يسأل عمّا يمكن أن يقدّمه الرئيس الأميركي لـ”حلفائه” في المنطقة وهو يواجه حالة داخلية في غاية الصعوبة فالإدارة الحالية على أبواب انتخابات قد تطيح بالأكثرية النيابية في مجلس النوّاب والسيطرة النسبية في مجلس الشيوخ. استطلاعات الراي العام تشير إلى أن تسونامي جمهوري قد يصل إلى الكونغرس الأميركي وهناك احتمالات جدّية بمحاكمة كل من الرئيس الأميركي ونائب الرئيس كمالا هاريس وتنصيب رئيس مجلس النوّاب من الحزب الجمهوري. الانقلاب الدستوري من الاحتمالات الجدية ما يفقد أي مصداقية لأي التزام يقدّمه الرئيس الأميركي لـ”حلفائه”. وبالنسبة لبلاد الحرمين هناك رهان على عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ما يجعل تقديم “تنازلات” للرئيس الأميركي بايدن أمرا دون جدوى. إضافة إلى كل ذلك فما سبق هذه الزيارة هو فشل الدبلوماسية الأميركية مرّة اخرى في إقناع وزراء الخارجية لمجموعة العشرين في التنديد بالموقف الروسي وعزل روسيا فهل تستطيع إقناع الدول الخليجية بما عجزت عن تحقيقه مع دول العشرين علما أن بلاد الحرمين من ضمن تلك المجموعة؟

هناك تساؤل حول إمكانية الرئيس الأميركي تغطية جريمتين: جريمة قتل جمال الخاشقجي وجريمة اغتيال الشهيدة شيرين أبو عاقلة. هل يستطيع الرئيس الأميركي تبرير جريمة بشعة والسكوت عن اغتيال إعلامية مميّزة؟ وإذا كان خطاب الإدارة عن القيم والاحكام فما هي قيمة روح الشهيدة شيرين وروح المغدور جمال وما هو حكم الإدارة الأميركية

بالمقابل، فإن التفاهمات التي عقدت بين دول الجزيرة العربية وكل من الصين وروسيا على الصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي أهم بكثير مما يستطيع تقديمه الأميركي. يبقى للأميركي ورقة ابتزاز يستطيع لعبها مرّة واحدة فقط وهي التهديد بمصادرة الأموال الخليجية في المصارف الأميركية والأوروبية. لكن هذا يعني نهاية النظام المصرفي والمالي الدولي وتقديم هدية مجّانية للنظام المصرفي الاوراسي الناشئ. أضف إلى كل ذلك فإن مسار الأمور بأوكرانيا ينذر بتحوّلات كبيرة في موازين القوّى بين المحور الاوراسي والولايات المتحدة والاطلسي. قيادات دول الخليج تنظر إلى تلك الأحداث وقد تستخلص العبر. لن تقطع العلاقة مع الغرب ولكن ليس من المؤكّد انها ستكون مرتبطة بالغرب كما كانت بل بدأت بتنويع علاقاتها السياسية والاقتصادية وتنويع مصادر تسليحها. وليس بجعبة الرئيس ما يمكن تعديل هذه المراجعة التي بدأت منذ ما قبل الأزمة الأوكرانية التي كرّست مسار تلك المراجعة.

إقرأ على موقع 180  قمتا جدة وطهران.. هُنا يُصنع مستقبل العالم!

يبقى مسألة التطبيع أو المزيد من ذلك. هناك دولتان خليجيتان أقامتا علاقات رسمية مع الكيان وهناك عدد من الدول تقيم علاقات “تحت الطاولة” دون خطو الخطوة الأخيرة لإقامة علاقات رسمية. السؤال لماذا لم تقدم هذه الدول حتى الآن على تلك الخطوة؟ دولة عُمان التي استقبلت رئيس وزراء الكيان السابق أعلنت أنها لن تقدم على تلك الخطوة والسؤال لماذا؟

في رأينا العلاقات مع الكيان هي لإرضاء واشنطن ولكن إذا لم تعد واشنطن ورقة رابحة فلماذا مسايرة الكيان وما يجلب من غضب شعبي في المنطقة والوطن العربي والعالم الاسلامي؟ الاعلام الصهيوني هو الذي يلهث وراء التطبيع ما يدلّ على ان الحاجة صهيونية للتطبيع أكثر مما هي حاجة خليجية. المبادرة لم تعد صهيونية بمقدار ما هي تحت “رحمة” القرار الخليجي! وحتى إذا حصل الكيان على المزيد من التسهيلات كالطيران فوق الجزيرة فماذا يغيّر ذلك في المعادلة الاستراتيجية؟ وهل تعتقد حكومات هذه الدول أن الكيان بمقدوره توفير الحماية من الجمهورية الإسلامية في إيران وهو أعجز من أن يدخل قطاع غزّة أو حتى مخيّم جنين؟ وهو الواقف على “رجل ونص” بانتظار رد المقاومة اللبنانية؟

وأخيراً هناك تساؤل حول إمكانية الرئيس الأميركي تغطية جريمتين: جريمة قتل جمال الخاشقجي وجريمة اغتيال الشهيدة شيرين أبو عاقلة. هل يستطيع الرئيس الأميركي تبرير جريمة بشعة والسكوت عن اغتيال إعلامية مميّزة؟ وإذا كان خطاب الإدارة عن القيم والاحكام فما هي قيمة روح الشهيدة شيرين وروح المغدور جمال وما هو حكم الإدارة الأميركية؟

Print Friendly, PDF & Email
زياد حافظ

باحث؛ كاتب إقتصادي ـ سياسي؛ والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  نكبة الترسيم البحري.. المحتملة