اميركا اللاتينية Archives - 180Post

14_11_epstein-files-trump-Kopie.jpg

في رواية «الفهد» للكاتب الإيطالي خوسيه توماس دي لامبيدوزا، يقول أحد أبطالها «تانكريدي»: «إذا أردنا أن تظل الأشياء كما هي، علينا أن نغيّر كل شيء». تختصر هذه المقولة فلسفة النخبة الأرستقراطية في صقلية خلال مرحلة توحيد إيطاليا، وتعني التغيير الشكلي المحسوب الذي يمنع التغيير الجذري الحقيقي. واليوم، في الرأسمالية الحديثة، تُطبَّق هذه النظرية بعد كل حدث كبير لإيهام الجمهور أن الأمور تتغير بتغيّر الأشخاص والمؤسسات، بينما تعيد البنية القديمة في كل مرة إنتاج ذاتها في صيغ أكثر ضراوة وتوحشًا.

800-16.jpg

يقول لنا التاريخ إنه لا يمكن لأي دولة عظمى في العالم أن تبقى عظمى وقوية إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، لا يذكر تاريخنا المكتوب أنّ دولةً واحدة تمكّنت من إدارة هذا العالم المعقّد، بتفاصيله الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، بمفردها كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية. سواء أكنت معجبًا بالنموذج الأميركي أم لا، وبغضّ النظر عن السياسات الأميركية التي تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح الدول الأخرى أو مع معتقداتنا، تظلّ الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في تاريخ البشرية التي تمتلك انتشارًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا في مختلف بقاع الأرض ومحيطاتها.

800-17.jpg

في فلسفة هيغل، لا يتقدّم التاريخ عبر التوافق الهادئ، بل عبر الصراع والتناقض. الوعي لا يُحقّق ذاته إلا من خلال مواجهة الآخر، ومن هنا تأتي جدليّة السيّد والعبد، حيث تنشأ الهيمنة بوصفها محاولة فرض الاعتراف بالقوّة. السيّد لا يُصبح سيّدًا لأنّه أخلاقي أو عادل، بل لأنّه امتلك الجرأة والاستعداد للمخاطرة وفرض نفسه. هذا المنطق يُنتج سيادة مؤقّتة، لأنَّ السيّد في النهاية يعتمد على العبد في الاعتراف والعمل معًا، بينما العبد يُطوّر وعيه عبر العمل والمعاناة.

800-10.jpg

لم يكن خطف أو اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثًا استثنائيًا أو انزلاقًا عابرًا في الخطاب السياسي الأميركي، بل استعادة صريحة لمنطق تاريخي حكم ويحكم علاقة واشنطن بأميركا اللاتينية منذ أكثر من قرن.

IMG_7779.jpeg

أبعد من فنزويلا. تلك هي المسألة. لا جديدَ في مناقشةِ بِنيةِ الرأسماليّةِ الإمبرياليَّةِ بنموذجِها الوحشيِّ الأميركيِّ الراهن. كلُّ الرأسماليَّاتِ متناظِرةٌ. كلَّما اِشتدَّتْ أزَماتُها تلجأ إلى أمريْنِ متلازميْنِ: الحربِ والنهبِ. تُرافِقُهُما أيديولوجيا الدعايةِ والكذِبِ المنظَّمِ. هذا ما أثبَتَتْهُ الأحداثُ منذ القرنِ الثامنَ عشَرَ على الأقلِّ كي لا نعودَ إلى الوراءِ كثيراً.

386.-TRUMP-11-01.jpg
منى فرحمنى فرح09/01/2026

في مؤتمره الصحفي الذي أعقب عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (السبت)، لم يكتفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتبرير العملية من زاوية أمنية أو سياسية، بل لجأ إلى استدعاء التاريخ، معلناً ما وصفه بـتحديث ما يُعرف بــ"عقيدة مونرو"، ومطلقاً عليه تسميته الخاصة "عقيدة دونرو"(*). هذا الاستخدام للغة لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل إطاراً سياسياً واستراتيجياً لعملية غير مسبوقة، أعادت طرح أسئلة قديمة-جديدة حول حدود النفوذ والهيمنة الأميركية في أميركا اللاتينية (وفي العالم أجمع)، والفارق بين النجاح التكتيكي السريع والكلفة الاستراتيجية طويلة الأمد.

Oil-Flag.jpg

تأتي العملية العسكرية–الأمنية الأميركية المفاجئة، التي انتهت بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، بمثابة صدمة سياسية كبرى على الصعيد الدولي؛ لا على المستوى السياسي فحسب، بل أيضًا من حيث الخرق الفاضح والكلي للمبادئ والقواعد والقوانين الدولية، ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة الناظمة للعلاقات بين الدول.

IMG_8247.jpeg

هناك أوجهُ شبهٍ كثيرة بين مسارات دول أميركا اللاتينيّة والدول العربيّة. فقد عرفت كلتا المنطقتين استعماراً خارجيّاً مباشراً، ونشأت في كلتيهما حركات تحرّر وطنيّة جمعت بين السياسة والمقاومة المسلّحة لنيل الاستقلال. كما واجهت دول المنطقتين تحدّيات بناء الهويّة الوطنيّة بعد الاستقلال، وعانت بلدانُهما تدخّلاتٍ خارجيّة، ولا سيّما أنّ اقتصاداتها ظلّت تعتمد أساساً على الموارد الطبيعيّة، من نفطٍ خامّ ومنتجاتٍ زراعيّة. وبقيت التنمية الاقتصاديّة في الحالتين غير متوازنة، مع فجواتٍ اجتماعيّة واسعة. وشهدت المنطقتان عدم استقرارٍ سياسيّ، وانقلاباتٍ عسكريّة، وصراعاتٍ متعدّدة وما زالت.

IMG_0356.jpeg

في الساعات الأولى من صباح 3 كانون الثاني/يناير 2026، بدت كراكاس كما لو أنها مدينة أُقحِمت فجأة في حرب ليست لها. طائرات حربية تشق السماء، انفجارات متتابعة، أعمدة دخان تتصاعد من أطراف العاصمة ووسطها. بعدها، جاء الصوت من واشنطن: أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة نفذت ضربات جوية وصاروخية واسعة على فنزويلا، وأنّ نيكولاس مادورو، الرجل الذي تحدّى السياسة الأميركية لعقد كامل، أصبح الآن في قبضة الأميركيين وينقل جوًا إلى مكان احتجاز “لمحاكمته بتهم الاتجار بالمخدرات”، ليتبين لاحقاً أنه أصبح في أحد مراكز الاعتقال في مدينة نيويورك.