مع انهيار أحد قطبي النظام الدولي الذي نشأ غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، طُويت صفحة التوازن الثنائي الذي حكم العلاقات الدولية لعقود، حيث كانت الصراعات، برغم عنفها، محكومة بخطوط تماسّ واضحة. في تلك اللحظة، بدا التاريخ وكأنه ينحني أمام منتصرٍ واحد، وراجت فكرة أن الليبرالية الغربية والرأسمالية قد بلغتا شكلهما النهائي، وأن العالم دخل عصرًا بلا بدائل.
غير أنّ ما تلا ذلك لم يكن عصر سلام، بل طورًا جديدًا من الاضطراب. فغياب القطب السوفياتي لم يُنهِ الصراع، بل غيّر طبيعته. تحوّلت المواجهة من صراع أيديولوجي مباشر إلى هيمنة شاملة، تمارس قوتها عبر الاقتصاد، والتكنولوجيا، والإعلام، والمؤسسات الدولية. هنا ظهرت العولمة بوصفها الإطار الجديد للعالم: وعدًا بالانفتاح، وتدفّق السلع، وحرية الأسواق، لكنها في العمق كانت إعادة توزيع غير عادلة للقوة، حيث يربح القليلون ويُدفع الكثيرون إلى الهامش.
كلُّ هيمنة تبلغ ذروتها تبدأ بالاهتزاز. فحين يتّسع الشرخ بين ما يُقال وما يُعاش، وبين الوعود والواقع، ينفتح السؤال من جديد: هل يمكن تخيّل عالم خارج هذه الصيغة؟ ربما لا نملك الإجابة الآن، لكن مجرّد طرح السؤال هو بداية مقاومة، وبداية استعادة للمعنى في زمن السقوط
ومع العولمة، لم تعد الهيمنة بحاجة إلى جيوش دائمة. صار السوق أكثر فاعلية من السلاح، والدَّين أكثر إحكامًا من الاحتلال، والصورة أكثر نفوذًا من الخطاب السياسي. لم تُغزَ الدول الضعيفة دائمًا، بل أُنهِكت اقتصاديًا، وأُعيد تشكيل خياراتها من الخارج، تحت عناوين «الإصلاح» و«التحديث» و«الاندماج في الاقتصاد العالمي». وهكذا تراجعت فكرة السيادة، وصارت الدولة الوطنية طرفًا ثانويًا أمام الشركات العابرة للقارات والمؤسسات المالية الكبرى.
ما نشهده اليوم من حروب وانهيارات ليس انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمٍ طويل. فحين تُقاس القيمة بالربح، ويُختزل الإنسان في كونه مستهلكًا أو رقمًا في سوق العمل، يصبح العنف قابلًا للتسويق، وتغدو المأساة حدثًا عابرًا في دورة الأخبار. نرى مدنًا تُدمَّر، وشعوبًا تُهجَّر، ثم يُعاد توصيف الكارثة بلغة تقنية باردة: «نزاع»، «تصعيد»، «إعادة تموضع». هنا يسقط المعنى قبل أن يسقط النظام.
السياسة في هذا العالم لم تعد تسعى إلى العدالة، بل إلى تكريس شريعة الغاب. السياسة تُشرعن العنف حين يخدم السوق، وتدين الضحية إن عطّلت تدفّق المصالح. أمّا الفلسفة، فتقف مذهولة أمام هذا التحالف بين القوة والمال، حيث يُكافَأ التوحّش إن كان فعّالًا، ويُهمَّش الضمير إن كان مكلفًا. في هذا السياق، يصبح الصمت موقفًا، والحياد خيارًا أخلاقيًا مشكوكًا فيه.
هنا يبرز دور الأدب والفكر، لا بوصفهما ترفًا ثقافيًا، بل فعلَ مقاومة. فالكتابة، حين ترفض اللغة الجاهزة، وتعيد تسمية الأشياء بأسمائها، تكشف زيف الخطاب السائد. ليست مهمتها تقديم حلول اقتصادية أو سياسية، بل حماية ما تبقّى من الإنسان في قلب هذا الانهيار المنظَّم.
ما يبدو اليوم ليس انتصارًا للرأسمالية، بل تعرّية لها. فالنظام الذي وُعِد بأنه سيجلب الرفاه والاستقرار، بات يُنتج فوارق أكثر حدّة، وأزمات أكثر تكرارًا، وعالمًا أقلّ رحمة. إنها رأسمالية لم تعد تحتاج إلى تبرير أخلاقي، لأنها تحكم كأمرٍ واقع، كقانون طبيعي لا يُناقَش.
ما نعيشه اليوم ليس نهاية العالم، بل نهاية وهمٍ طويل. الوهم بأن السوق قادر على تنظيم الحياة، وبأن القوة حين تُترك بلا قيد ستقود تلقائيًا إلى الاستقرار. ما يتهاوى ليس النظام فقط، بل اللغة التي برّرته، والمفاهيم التي زيّنت اختلاله، والوعود التي استُهلكت حتى فرغت من معناها.
في هذا الفراغ، لا تظهر البدائل دفعة واحدة، ولا تتشكّل الملامح الكبرى للتغيير بسرعة. لكن التاريخ لا يتحرّك بالقفزات فقط، بل بالشقوق الصغيرة التي تتسع بصمت. كل احتجاج، كل نصٍّ يرفض التكيّف مع القبح، كل سؤال يُطرَح خارج منطق الربح، هو إعلان غير مكتمل عن إمكان آخر.
قد لا يكون السؤال اليوم كيف نسقط هذا النظام، بل كيف نمنع أنفسنا من التشبّه به. كيف نحافظ على القدرة على الغضب، وعلى التعاطف، وعلى الشكّ في كل ما يُقدَّم بوصفه حتميًا. ففي عالم يُدار كآلة، تصبح الإنسانية فعل مقاومة بحدّ ذاته.
ربما لا نملك خريطة واضحة لما سيأتي، لكن ما نملكه هو الوعي بأن ما كان يُقدَّم كقدرٍ نهائي ليس إلا مرحلة. والمرحلة، مهما طال أمدها، لا تملك آخر الكلمة. آخر الكلمة تُكتب دائمًا من خارج منطق الهيمنة، حين يصرّ الإنسان على أن يكون أكثر من رقم، وأكثر من مستهلك، وأكثر من تفصيلٍ هامشي في سردية السوق.
في هذا العالم، يُقاس النجاح بالقدرة على الاستهلاك، وتُقاس القيمة بالسرعة، ويُنظر إلى الإنسان بوصفه أداة قابلة للاستبدال. إنها سيطرة متوحّشة، لا لأنها شريرة بالضرورة، بل لأنها بلا ذاكرة، وبلا مساءلة، وبلا حسٍّ إنساني.
في المحصلة، كلُّ هيمنة تبلغ ذروتها تبدأ بالاهتزاز. فحين يتّسع الشرخ بين ما يُقال وما يُعاش، وبين الوعود والواقع، ينفتح السؤال من جديد: هل يمكن تخيّل عالم خارج هذه الصيغة؟
ربما لا نملك الإجابة الآن، لكن مجرّد طرح السؤال هو بداية مقاومة، وبداية استعادة للمعنى في زمن السقوط.
