في الاختِلاف

أثار فيلم "السّت" زوبعةً من الجَّدل العنيف بين الناس؛ مَن شاهدوه ومَن اكتفوا بالسَّماع عنه، مَن تخصَّصوا في النقد السينمائيّ ومن اندرجوا تحت بند المُتلقي العادي. البعضُ لم يرَ في العمل سوى إساءةً دامغة تستدعي الانتفاض، وبعضٌ آخر تحدَّث عن مُعالجة فنية رائعة تستحِق الإشادةَ والثناء، وبين الفريقين تاه التقييمُ المتأني الرَّزين، واختلت موازينُ الانحياز المَوضُوعي، وتحوَّل الخلافُ في وجهاتِ النظر إلى اتهامٍ مباشر.

تقول الحكمةُ العربية: “لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع”، والمعنى أن تعدُّد الاتجاهات والتفضيلات قد يؤدي إلى ترويج الشيء ونقيضه في آن، ويصنع براحًا واسعًا للتجريب والابتكار. الأزياءُ مثالٌ واضح، أنواع وأشكالٌ لا حصر لها، تجد جميعها الزبونَ المناسب الذي يرغب فيها ويسعى وراءها. الطعامُ مثال آخر، والاختراعات التي تُستَحدَث كل يوم ضمن طائفة الحلويات والمخبوزات وغيرها؛ تجد من يصطف في طابور طويل ليتذوقها ومن يُخصّص من وقته الثمين ليصل إليها ويبتاعها؛ برغم أن ثمَّة من يَسخَر منها ويأنف تناولها ويفضل عليها التقليدي المُجرَّب الذي يتمتع بالبساطة ووضوح المذاق.

 ***

يعتمد استقبالُ المَرء لما حوله من مؤثرات وأحداث على طبيعة شخصيته وصفاته؛ ميله للتشاؤم أو الاستبشار، قدرته على رؤية الجوانب الإيجابية أو تمركزه حول السلبيات، قدرته على طرح الأسئلة أو اكتفائه بما تلقى من معطيات. يعتمد كذلك على مفردات البيئة التي تحيط به وعلى خبراته وخلفيته الثقافية والتعليمية وعلاقاته وحصيلته المعرفية بوجه عام. على هذا، قد يتباين الرفقاء بل والأخوة في نوعية اختياراتهم وأفعالهم، والمثل يقول: “صوابعك مش زي بعضها”؛ أيّ منها القصير والطويل والعريض برغم أن كفًّا واحدةً تضمُّها جميعًا. في الرؤساء الذين حكموا الولايات المتحدة نموذج دال؛ هؤلاء المنتمون للحزب الديموقراطيّ يُفترَض أن يسيروا على مبادئ واضحة وأسُس معلومة، وهؤلاء القادمين من الحِزب الجُمهوري؛ يُفترَض أيضًا أنهم ملتزمون بتعاليم وخطط مُحدَّدة؛ لكن التجربة العملية تثبت وجود فوارق شاسِعة بين أداء الرؤساء من أعضاء الحزب الواحد؛ فوارق تنعكس لضخامتها على العالم بأسره، وتُعيد بعض الأحيان تشكيله.

***

يقول المأثور العربيّ: “هبَّت الريح فملَّاح شكى ومَلَّاح شكر”. الظرفُ واحد، والأجواءُ واحدة، والحِرفة أيضًا؛ لكن صاحبَ القارب الأول يخشى العاصفةَ ويظنُّ فيها الشَّر، بينما الثاني يأمل أن تدفعَه وتساعدَه وتهوّن عليه الجهد. الشَّكوى والشُّكر نقيضان، والقولة تُوجِز المشاعرَ المتفاوتة التي قد تعتري البشرَ إزاءَ الحدث نفسه، و يُذكَر في هذا السياق بيتُ الشعر الذي أنشده أبو الطيّب المتنبي: “بذا قضَت الأيامُ ما بين أهلِها / مصائبُ قَومٍ عند قَومٍ فوائد”.

***

لا يوجد دليلٌ وحيد مُفَصَّل يجب أن يتبعَه الناسُ في تأدية أعمالِهم، وتحقيق أغراضِهم، وتناولهم لأمور حيواتِهم؛ إذ “كلّ شيخ وله طريقة”، وما من داعي أبدًا لتوحيد الطُّرق ودَمجها أو اختزالها؛ بل الأجدى تَرك الحريةَ لمن شاء أن يستكشفَ سُبُلًا غير مَطروقة، أو يسعى لفتح أبواب مُوصَدة؛ لعله يصبح أولًا في ارتياد أفاق جديدة، وينجز ما لم يتأتَ إنجازُه عبر الأدوات والآليات المعروفة.

***

الاختلاف أمرٌ بشريٌّ وطبيعيٌّ تفرضه السَّليقة؛ لكنه قد يغدو بعض المرات عملًا عمديًا مدبرًا. يُقال “خالِف تُعرَف” والمراد أن ما يجذبُ الانتباه هو الشيءُ الشاذ عن مُحيطه، أما ما تماثل وتشابهت صِفاته؛ فيمُر به المرءُ دون أن يلحظه، فإذا أراد الواحد أن يلفت النظر؛ أتى بما يجافي المألوف ويخرج على المعتاد والأمثلة كثيرة؛ أتفهها شخصٌ يقود دراجة نارية ذات صوت عالي يصُمُّ الآذانَ ويُفزِع الناسَ في بيوتهم. الدَّراجة غير مُصمَّمة لتصنع مثل هذه الضوضاء؛ إنما يتم العبثُ بأجزائها لتصبح أداة للتظاهُر والتباهي، وكذلك لمضايقة الآخرين. سلوكيات عدة تمضي على هذا المنوال، يرغب أصحابها في أن يكونوا محط الاهتمام ومركز الكون، وكثيرًا ما يتسببون في أضرار بالغة للمجموع؛ خاصة ما كانوا في موضع سُلطة.

***

إذا كان الاختلافُ سنة الحياة وناموسها، فإن التلاقي في الصفات والميول وجهٌ آخر؛ وارد ومُحبَّب، يقارب بين الناس ويعزز الودَّ والتفاهم. يُقال عن التشابُه الذي يَجمع أشخاصًا بغير سابق مَعرفة: “الطيورُ على أشكالِها تقع”، وفي الأمثال الشعبية نجد: “ما جمَّع إلا أما وفَّق”، ومن الأقوال الطريفة في هذا الإطار: “اتلم المَتعوس على خايب الرجا“، والإشارة تستدعي البسمة إلى الشفاه إذ التلاقي على أرضية الفشل وسوء الحظ أمر جائزٌ مُتكرر، ويمضي المأثور الديني بالتوازي مُقررًا أن “الأرواح جنود مُجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكَر منها اختلف”.

***

يتداول اللسانُ الشعبيُّ في الإطار ذاته قولةً موسيقية لها وَقع راقص، والعادة أن نستخدمها ما تناغم شيئان أو شخصان، وظهر بينهما تجانسٌ واضح، نقول في هذه الحال: “كلَّ شيللو يشبهللو”، وضمُّ الكلمات في الكتابة تدليلٌ على كيفية نطقها، أما أصلها فكالتالي: “كل شيء له ما يشبهه”، وقد درجنا على اختصار كلامنا بما يسهل الوصول للمراد وييسر عملية التسجيل والحفظ في الذاكرة.

***

اختلافُ الرأي لا يُفسد للود قضية، وقبول النقدِ من شِيم العقلاءِ والحكماء، أما الغَضب ومحاولة فرض توجهات بعينها على الآخرين فكِبر وغرور؛ ينمَّان عن فقدانِ الثقةِ بالنَّفس وضِيق الصَّدر، والحقُّ أن الأنظمةَ السياسيَّة ما استقرَّت أركانُها ودعائمُها وسَرى العدلُ بين أرجائها؛ فتحت المجالات أمام مختلف الأطياف للتعبير عن رؤاها ومعتقداتها، أما إن ضعفت وهانت وساد فسدتُها شرفاءَها؛ توحَّشت إزاء معارضيها ونكَّلت بهم ولم يعد من أدواتِها إلا القهر؛ عنوانًا للحكْم ووسيلةً للبقاء.

إقرأ على موقع 180  المَنْجَى 

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  واشنطن وطهران.. صراع الإرادات