لم تعد منطقة الشرق الأوسط، ولا العالم، كما كانا قبل "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. تاريخٌ لم يكن عابرًا، بل شكّل لحظة كاشفة لانهيار قواعد قديمة، وبداية تشكّل نظام دولي وإقليمي جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ بلا مواربة.
لم تعد منطقة الشرق الأوسط، ولا العالم، كما كانا قبل "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. تاريخٌ لم يكن عابرًا، بل شكّل لحظة كاشفة لانهيار قواعد قديمة، وبداية تشكّل نظام دولي وإقليمي جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ بلا مواربة.
نشرت جريدة «واشنطن بوست» الأميركية مقالًا للكتّاب ليو ساندز، وكيت برادي، وإلين فرانسيس، وتوبي راجي، يوضحون فيه أن العلاقات بين واشنطن وأوروبا تواجه أزمة دبلوماسية حادة، إثر تهديد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية لإجبار الدنمارك على بيع إقليم غرينلاند، وهو ما قوبل برفض أوروبي موحّد وتحذيرات من «انحدار خطير» يهدد وحدة حلف الناتو. وبينما تدرس بروكسل خيارات الرد الاقتصادي، يبقى التوتر سيد الموقف وسط انقسام داخلي في واشنطن حول قانونية وجدوى هذا الاستحواذ القسري.
هل بدأ يتسلل الذعر إلى الدوائر المقرّبة من دونالد ترامب؟ هل يُنذر مثل هكذا حراك، ببداية نهاية عهده؟ هل تُعدّ مطالب ترامب المتصاعدة بشأن غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية متزايدة على عدد من حلفائه الأوروبيين، إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي، مقامرةً يائسة؟ أسئلة تجوب أجواء الساحة السياسية الأميركية، وكذلك في أحاديث الأميركيين، ولا أجوبة حاسمة حتى الآن.
في صباح بارد على شاشات وول ستريت، تبدو القصة كأنّها إعادة عرض لفيلم قديم، ضجيج سياسي، تهديدات جمركية، ثم تسوية في اللحظة الأخيرة. المتعاملون الذين عاصروا 2019 يتذكرون كيف قفز اسم غرينلاند إلى العناوين ثم تراجع إلى الهامش، وكيف تعاملت الأسواق مع الأمر كفقاعة كلامية أخرى في قاموس التفاوض الخشن. كثيرون، اليوم، يشعرون بالسيناريو ذاته، “مساومة تجارية” على طريقة دونالد ترامب، سقف مرتفع ثم هبوط منظم، وربما صورة تذكارية لصفقة ما.
أزمة جزيرة غرينلاند، وهي للمناسبة أكبر الجزر في العالم وتقع بين المحيط المتجمّد الشمالي والمحيط الأطلسي، غطّت على الأزمة التي انفجرت بالأمس «في البيت الأطلسي» بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والدول الأوروبية الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى.
باتت جزيرة غرينلاند، التي لطالما بدت هامشية في خرائط العالم، في قلب أحد أهم الصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. لماذا؟
حرب أم لا حرب؟ احتواء محتمل بالتفاوض أم مواجهة مفتوحة بالسلاح؟ السيناريوهات كلها مطروحة بالقدر نفسه. لا يمكن ترجيح سيناريو، أو استبعاد آخر. تتضارب السيناريوهات المحتملة من لحظة إلى أخرى. إنها طبيعة شخصية الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» في إدارته للأزمات الدولية.
«أمريكا تتخلى عن حلفائها… ولا تتورع عن خرق القانون الدولي». كان ذلك تصريحًا للرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، عبّر فيه عن خشيته من تبعات ما بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» على التحالف الغربي، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في الأيام التي تلت اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير الجاري، هناك سؤالٌ محيّرٌ لا يحظى بإجابة شافية حتى الآن: لماذا اكتفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحييد رأس النظام فقط، وأبقى على النظام نفسه؟
أبعد من فنزويلا. تلك هي المسألة. لا جديدَ في مناقشةِ بِنيةِ الرأسماليّةِ الإمبرياليَّةِ بنموذجِها الوحشيِّ الأميركيِّ الراهن. كلُّ الرأسماليَّاتِ متناظِرةٌ. كلَّما اِشتدَّتْ أزَماتُها تلجأ إلى أمريْنِ متلازميْنِ: الحربِ والنهبِ. تُرافِقُهُما أيديولوجيا الدعايةِ والكذِبِ المنظَّمِ. هذا ما أثبَتَتْهُ الأحداثُ منذ القرنِ الثامنَ عشَرَ على الأقلِّ كي لا نعودَ إلى الوراءِ كثيراً.