من يُقرّر في لبنان: الدولة، الطوائف أم الخارج؟

من يراقب مسار صناعة القرار السياسي في لبنان يكتشف سريعًا أن السؤال الأهم ليس: ماذا تُقرّر السلطة؟ بل: أين، وكيف، ومن يُقرّر باسم السلطة؟ فخلافًا لما هو سائد في الديموقراطيات الراسخة، حيث تُصاغ القرارات داخل مؤسسات منتخبة وفق قواعد واضحة ومعروفة سلفًا، تبدو القواعد في الحالة اللبنانية مائعة، تتبدل بتبدل موازين القوى الداخلية والإقليمية، وتختلط فيها حسابات الطوائف بحسابات العواصم الخارجية.

يُعرَف النظام اللبناني في الأدبيات السياسية بأنه نظام «توافقي» يقوم على تقاسم السلطة طائفيًا، كما كرّسه اتفاق الطائف عام 1989. وقد أعاد الاتفاق توزيع المقاعد النيابية والسلطة التنفيذية بين المسيحيين والمسلمين بالتساوي، ونقل مركز الثقل من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا. غير أن هذا التقاسم، الذي يُفترض أن يحمي التعددية، أرسى في الوقت نفسه بنية سياسية تجعل أي قرار كبير رهينة توافق زعماء الطوائف، أكثر مما هو نتاج عمل مؤسسات دستورية تعمل وفق منطق الأغلبية والأقلية كما في الأنظمة البرلمانية الكلاسيكية.

وتُظهر أبحاثٌ متخصصة في «هندسة الطائفية» في لبنان أن الهوية الطائفية لم تبقَ مجرد انتماء ديني أو ثقافي، بل جرى تحويلها تدريجيًا إلى أساس قانوني ومؤسساتي للتمثيل السياسي والموارد، عبر حصص محددة في البرلمان والإدارة والقضاء والجيش. ويضم لبنان اليوم 18 طائفة معترفًا بها رسميًا، لكل منها مؤسساتها الدينية ومحاكمها الخاصة في الأحوال الشخصية، ما يعمق الحاجة إلى آليات تقاسم معقدة ويجعل أي تعديل في التوازن بين هذه الجماعات مسألة شديدة الحساسية سياسيًا واجتماعيًا.

لكن الإشكالية لا تتوقف عند حدود «تقاسم» السلطة، بل تمتد إلى طبيعة القوى التي تمثل هذه الطوائف. وبحسب دراسات عن «اقتصاديات الطائفية» و«نظام الزعامة»، يقوم النظام فعليًا على شبكة من الزعماء المحليين الذين يديرون دوائر انتخابية ومناطق نفوذ، ويوزعون الخدمات والوظائف على أساس الولاء السياسي والطائفي، لا على أساس المساواة بين المواطنين. في هذا السياق، تصبح المؤسسات الدستورية – من برلمان وحكومة – أقرب إلى مسرح تُترجم عليه تسويات أُبرمت مسبقًا بين الزعماء، أكثر مما هي فضاء فعلي لصناعة القرار الحر والمستقل.

تتبدى أزمة القرار السياسي في لبنان على أنها ليست مجرد خلل في أداء حكومة أو برلمان، بل نتاج تراكب ثلاث دوائر متداخلة: بنية دستورية توافقية تُقنِّن الطائفية، واقتصاد سياسي للزعامة والزبائنية يختزل الدولة في شبكات نفوذ، ومسرح إقليمي ودولي يستخدم لبنان ساحة لتصفية حسابات. وبين هذه الدوائر، يضيع صوت المؤسسة الدستورية، ويغدو القرار حصيلة مساومات معقدة، تُصاغ في أماكن متعددة، وتُعلَن في بيروت باسم الدولة اللبنانية

هنا تتضح الفجوة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية. على الورق، يملك البرلمان سلطة التشريع والرقابة والمحاسبة، وتتمتع الحكومة بصلاحيات واسعة في إدارة الدولة. لكن عمليًا، تتقدم «التسويات» غير المكتوبة: اجتماعات مغلقة بين رؤساء كتل طائفية؛ طاولات حوار تُطلق عندما تعجز المؤسسات عن الحسم؛ «فيتوات» متبادلة تعرقل تشكيل الحكومات أو انتخاب الرؤساء لأشهر وربما لسنوات. وهكذا، يصبح العُرف غير المكتوب – مثل ضرورة حصول أي حكومة على رضا القوى الطائفية الكبرى كافة – أقوى من النصوص الدستورية الواضحة.

ولا يمكن فصل صناعة القرار في لبنان عن البعد الخارجي. حتى الاتفاق المؤسس للمرحلة التي أعقبت الحرب الأهلية، أي اتفاق الطائف، وُلد خارج البلاد، في مدينة الطائف السعودية، بوساطة إقليمية وبرعاية دولية، ثم طُبِّق لسنوات طويلة تحت الوصاية السورية المباشرة. وقد تحوّل هذا النموذج، الذي يجمع بين تسوية داخلية وإخراج إقليمي ودولي، إلى نمط يتكرر في محطات مفصلية لاحقة، كما في اتفاق الدوحة عام 2008، وكما في انتخاب رئيس الجمهورية الحالي وتعيين رئيس الحكومة، قبل أن تعود الصيغ المتفق عليها لتُترجم في البرلمان أو الحكومة.

في السياق نفسه، بات لبنان ساحة تنافس بين محاور إقليمية، في مقدمتها إيران والسعودية، لكل منهما حلفاؤه المحليون الذين يوفرون له نفوذًا داخل المعادلة اللبنانية. فإيران بنت حضورها أساسًا عبر دعم حزب الله وحلفائه، فيما اعتمدت السعودية لعقود شبكة علاقات مع قوى سنية ومسيحية مختلفة. ومع انخراط قوى دولية أخرى، كالولايات المتحدة وفرنسا، في تفاصيل تشكيل الحكومات وترسيم الحدود وتسويات الأمن والاقتصاد، أصبح البحث عن قرار سياسي «محض لبناني» في الملفات الكبرى مهمة صعبة للغاية.

هذا التداخل بين الطائفي والإقليمي، بين الداخلي والخارجي، ينعكس مباشرة على آليات اتخاذ القرار. فكل طائفة رئيسية تكاد ترتبط، رمزيًا أو سياسيًا، بمحور خارجي يمنحها دعمًا ماليًا وسياسيًا، ويمنح نفسه في المقابل حق التأثير في خياراتها داخل الدولة. وعندما تتصادم المحاور الإقليمية أو الدولية حول ملف ما – من السلاح إلى السياسة الخارجية مرورًا بالتعيينات – يترجم الخلاف شللًا في المؤسسات، أو تسويات هشة لا تعالج جوهر الأزمة بقدر ما تؤجل انفجارها.

مع ذلك، لا يتفق الباحثون على قراءة واحدة لهذا الواقع. بعضهم يرى أن النظام التوافقي، برغم عيوبه، ساهم في منع عودة الحرب الأهلية، لأنه يفرض مشاركة جميع الطوائف في القرار بدل إقصاء أي منها، وأن التدخل الخارجي، على إشكاليته، أدى أحيانًا إلى فرض تسويات عجزت النخب المحلية عن إنتاجها. في المقابل، يشدد آخرون على أن غياب قواعد واضحة وشفافة لصناعة القرار، وتركها لمعادلات القوة الطائفية والإقليمية، أضعف مفهوم المواطنة، وعمّق الفساد، وأفقد المواطنين الثقة بجدوى المشاركة السياسية.

إقرأ على موقع 180  اللامركزية VS الزبائنية.. "سيرة وإنفتحت"

في المحصلة، تتبدى أزمة القرار السياسي في لبنان على أنها ليست مجرد خلل في أداء حكومة أو برلمان، بل نتاج تراكب ثلاث دوائر متداخلة: بنية دستورية توافقية تُقنِّن الطائفية، واقتصاد سياسي للزعامة والزبائنية يختزل الدولة في شبكات نفوذ، ومسرح إقليمي ودولي يستخدم لبنان ساحة لتصفية حسابات. وبين هذه الدوائر، يضيع صوت المؤسسة الدستورية، ويغدو القرار حصيلة مساومات معقدة، تُصاغ في أماكن متعددة، وتُعلَن في بيروت باسم الدولة اللبنانية. ويبقى التحدي في كيفية الانتقال التدريجي نحو قواعد أكثر وضوحًا وشفافية، تعيد الاعتبار للمؤسسات، وتحد من التأثير الخارجي، من دون تفجير حساسيات طائفية جديدة أو تهديد السلم الأهلي.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  لا رئيس لبنانياً.. مرفوضاً أو مفروضاً