جرَت وقائع مُؤسفة بمدارس عدَّة، اعتدى فيها الطلابُ وبعض المرات ذووهم على مُعلم أو مُعلمة. الأسبابُ مُتنوعة والنتائجُ مُهينةٌ مُزعِجة، وقد توارت الحِكمةُ القديمةُ التي ظنناها أبدًا راسخة: “من علَّمني حرفًا صِرت له عبدًا” وباتت في حكم المُنقرِضات؛ بل وحلَّت محلَّها المناقضاتُ؛ فمَن علمني حرفًا أهنته كي لا يكون له علي فضلٌ، أو ضربته كي يُعطيني الدرجة. يُبجل الصينيون مُعلميهم، ويبذلون لهم مَوفورَ الاحترام؛ بل ويرفعونهم إلى مَرتبة القداسة، والفوارق بيننا وبينهم؛ مجتمعًا وأمةً، لا تحتاج شرحًا ولا استفاضة.
***
قد يسأل الواحد عما خفيَ عليه من أمور؛ دون أن يحملَ دافعًا واضحًا للتساؤل؛ فإن استفسر الناسُ عن سببِ السؤال؛ أجابهم مُحرجًا: للعِلم بالشيء. المعرفةُ بذاتها هدفٌ لا مجرَّد وسيلة، و”العلم بالشيء” يعكس فضولًا خالصًا ورغبةً حقيقية في الحصولِ على المَعلومة، وقديمًا أنشد الشاعر: “تعلَّم إذا ما كنت لستُ بعالمٍ.. فما العِلمُ إلا عِند أهلِ التعلُّم.. تعلَّم فإن العِلمَ أزينَ للفتى.. من الحلَّة الحَسناء عِند التكَلُّم“.
***
ضِمن مُستويات المَعرفة الأربعة؛ وَصَفَ الخليلُ بن أحمد نوعَين من البشر فقال: “رَجلٌ يدري ويَدري أنه يَدري؛ فذلك عالمٌ فاتبعوه، ورَجلٌ لا يَدري ويَدري أنه لا يَدري؛ فذلك مُسترشِد فارشِدوه“. كلا الرجلان صاحبُ فضل، الأول ينشر العِلمَ والثاني يَطلبه، أما النوعان الثالث والرابع، فأحمقٌ غافلٌ لا يدري بجهله، أو عالمٌ غافلٌ أيضًا لا يدري بعِلمه؛ وكلاهما لا ينتفع ولا ينفع الآخرين، وإذا قيل إن مُجالسةَ الجاهلِ مرضٌ للعالِم؛ فالقولة مَشروطة؛ إذ جاهلٌ مشتاقٌ للتعلُّم قد يفتح أبوابًا منسيَّة ويثير بتساؤلاته أفكارًا تستحقُّ البحث.
***
“زلةُ العالِم مَضروبٌ بها الطَّبل، وزلَّة الجاهلِ يُخفيها الجَّهل“، والحالُ ما طابت الظروف واعتدلت الأجواءُ أن يكون العالِمُ محطَّ الأنظار، يُشار له بالبنان ويُسمع لكلمته صَدى وتُحدِث قولتُه أثرًا؛ فإن أخفقَ، أوقع دويًا يَصُمُّ الأسماع، أما الجاهل؛ فالقاعدة أن يخطئ وأن يأتي حديثُه مَحضَ غثاء دون أن يستشعر الناسُ أزمةً؛ إذ لا ينتظرون منه ما يشفي حيرتَهم ويرأبُ صدوعَهم ويُضيء طريقهم.
***
في زمن ولَّى كانت للحاكِم حاشيةٌ من أهلِ العلم والمَعرفة، يأنس منهم للرأي ويشورهم في أمور الدولة؛ مغانِمِها وحروبِها، مستقبلها وخُططها وسياساتها، يدرك ولا شك أن لدرايته حدودًا وجوانبَ نقصان، وأن حضور العارفين في مَجلسه إضافة أكيدة؛ ومن هذا المُنطلق وُلِدَ المأثور السَّديد: “خير الأمراءِ من يُجالسُ العلمَاءَ، وشرُّ العلماءِ من يُجالس الأمَراءَ“. غالبُ أمراء اليوم لا يحبون أن يقربوا إليهم العلماء؛ إذ هم كاشفون لعوراتهم المخيفة، كابحون لأهوائهم المفزعة، والحقُّ أن العلماءَ الأصلاءَ يأنفون بدورهم مُجالسة الأمراء على تلك الشاكلة؛ إذ يتمتع معظمهم بجهل فادح وصلف وغرور عظيمين، والحال أن اجتماعَ الطرفين في هذا السياق غير ذي جدوى، وتنائيهما خيرٌ وأسلم.
***
لا يجب أن تثني المشقةُ طالبَ المعرفة ولا أن يقعده التقدُّم في العمر عنها؛ والمأثورات التي نتناقلها بصيغة الأمر تقول: “اطلبوا العِلمَ ولو في الصّين“، و”اطلبوا العِلمَ من المَهد إلى اللحد“، أما تلك التي توصي بالتبكير في تعليم الأولاد فعلى رأسها: “التعليم في الصّغَر كالنَّقش على الحَجر“.
***
في معارضة لافتة لشعر أحمد شوقي القائل: “قِف للمُعلِّم وفِه التَّبجيلا/ كاد المُعلمُ أن يكونَ رسولًا“؛ تداول الناسُ على وسائل التواصل بيتًا يقول: قِف للمُلثم وفِه التَّبجيلا.. رَفضَ المُلثمُ أن يعيشَ ذليلا؛ والمَقصود بطلُ المقاومة الفلسطينية، وصوتُها الصادح الذي ارتقى بعدما أدى دورًا عظيمًا وخلف آخرين على الدَّرب ذاته، وإذ يدعُ البيتُ لاحترامه؛ فالوقوفُ في حضرته أقلّ القليل.
***
إذا سأل الواحد سؤالًا وجاءته الإجابة: “عِلمي عِلمك“، فقد اجتمع السائل والمسؤول كلاهما على الجَّهل بالأمر. بعضُ الناس يفضلون استخدام تعبير: “العِلم عند الله” عوضًا عن الإقرار بغياب المعلومة عن أذهانهم، وفي الأحوال كلها؛ يبقى الالتزام بعدم إعطاء جواب غير صحيح أمرًا مقدرًا، والمأثور في هذا الشأن حاسِم: “مَن قال لا أعلم فقد أفتى“. عرفت واحدًا من كبار الأطباء الذين احتفظوا بقدرتِهم على التَّشخيص بأقل قَدرٍ من الاختباراتِ المَعملية، وبالاعتماد على مهارة المُلاحظة وطرح الأسئلة المناسبة ثم الكشف الدقيق. بعد انتهاء الفحص والاطلاع على تاريخ المريضة؛ طلب بعض التحاليل لاستبعاد أمراضٍ مُحدَّدة، وفي الزيارة التالية أخبرها: “الصراحة لا أعرف سبب شكواك“. كانت تلك واقعة نادرة أصادف فيها مَن لم يأخذه اعتزازه بذاته؛ فيمنعه من إعلان جهله، ولم يتمكن منه الغرور؛ فيدفعه لاختراع حجج وذرائع، وتفسيراتٍ لا أصل لها من الصحة.
***
إذا كان “باب النجَّار مخلَّع” كما يقرُّ المثلُ الشعبيُّ الأصيل، فبيتُ الشّعر الفصيح يزيد القولَ مكيالًا، ويؤنبُ النجَّارَ على خيبتِه وإهماله. يقول شاعر العَصر الأمويّ المُتوكل الليثي:
“يا أيها الرَّجلُ المُعلمُ غيرَه هلَّا لنفسِك كان ذا التعليمُ
تصِفُ الدواءَ لذي السِقام وذي الضنا كي ما يصحُّ به وأنت سقيمُ”.
درجنا على تقديم النُّصح للآخرين؛ بينما نعاني العللَ التي تفتُّ في أجسامنا وتنخَر عظامنا، نراها لديهم ولا نراها في عقر دارِنا، نعرّض بهم؛ بينما نستحقُّ من قبلهم اللومَ والتأنيب.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
