ما هو “سر” مواقف اللبنانيين سيمون كرم ورودولف هيكل!

ليس صدفة أن تأتي تصريحات سفير لبنان الأسبق في واشنطن، سيمون كرم، مندوب لبنان المدني في "لجنة الميكانيزم"، وبيان السفارة الأميركية في بيروت لجهة تفعيل عمل اللجنة المذكورة، وتحديد أربعة مواعيد لها حتى شهر أيار/مايو المقبل، في يوم واحد، في أعقاب اجتماع سفيري الولايات المتحدة في بيروت وتل أبيب، ميشال عيسى ومايك هاكابي، في عمّان، على وقع قرع طبول الحرب على إيران.. ولبنان.
بدت المواقف المُسربة عن لسان السفير سيمون كرم مؤخراً وكأنها صادرة عن مراقب أو محلل سياسي أجنبي، يُحاول أن يكون “موضوعيا”، ويريد أن يُوصّف الوضع في لبنان، ويُشير إلى مسؤولية إسرائيل و”حزب الله” على السواء، مع تأكيده على موقفه المعارض للحزب ولكل أدبياته وصولاً إلى إبراز استعداده للتطبيع، خصوصاً عندما أبدى استعداده لزيارة تل أبيب من أجل التفاوض لكن من دون تحديد ماهية وأهداف التفاوض. وهذا ما يُذكرنا بالزيارات المكوكية للمفاوضين، اللبنانيين والإسرائيليين، بين شاطىء خلدة وكريات شمونة في العامين 1982 و1983 والتي نتج عنها اتفاق 17 أيار/مايو الشهير.
وفي كشفه عن طرح جديد سوف يُقدّمه للجنة الميكانيزم، يُصبح السؤال، عن أي طرح يتحدث مندوب لبنان، ولماذا الآن؟ ولماذا لم يقدمه في الاجتماعين اللذين حضرهما أواخر السنة الماضية. مع العلم ان مهمته معروفة ومحصورة بتنفيذ مضمون اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أي وقف النار وتحرير الأسرى وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب.
وثمة سؤال مهم يختص بأصول التفاوض، بحيث تعتبر السرية والغموض ألفباء التفاوض. فهل من مصلحة الجهة المفاوضة ان يُصرّح مندوبها عن مسار التفاوض، وأن يستقبل أسراب الصحافيين ويجول على سياسيين ورجال دين. وما هي المصلحة اللبنانية في ذلك؟ هل رأيتم او سمعتم المفاوض الإسرائيلي ينطق ببنت شفة عمّا يجري من نقاشات في “لجنة الميكانيزم” في مقر قوات “اليونيفيل” في الناقورة؟
كان الحري بسيمون كرم أن يقتدي بخطاب رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام وقيادة الجيش اللبناني بالتأكيد على انجاز الجزء الأكبر من مهمة جنوب النهر في انتظار أن يستكمل المتبقي فور انجاز الإنسحاب الإسرائيلي، غير أنه إرتأى مخالفة رأي معظم أهل الدولة بحديثه عن عدم تعاون حزب الله مع الجيش اللبناني في منطقة جنوب نهر الليطاني؛ وهو الأمر الذي استدعى رداً ولو متأخراً من رئيس هيئة الإعلام في “حزب الله” النائب إبراهيم الموسوي اتهم فيه كرم بتجاوز صلاحياته واطلاق تصريحات تتناقض وموقف أهل الحكم، وصولاً إلى التحذير من انزلاق السلطة اللبنانية إلى فخ تعيين دبلوماسي مدني رئيساً للوفد اللبناني إلى لجنة الميكانيزم بوصفه “خطيئة ثانية لا تقل خطورة عن خطيئة قرار حصرية السلاح في ظل استمرار الاحتلال الصهيوني لأراض لبنانية ومواصلته الاعتداءات اليومية على السيادة والشعب والوطن”.
وبدا واضحاً أن أحد أهداف رد الموسوي حشر كرم في الزاوية، لا سيما وأن تصريحاته غير مسجلة بل كانت عبارة عن دردشة صحافية، وبالتالي ترك الباب مفتوحاً أمام ممثل لبنان في اللجنة لأجل نفي ما تم تعميمه عن لسانه.
وهنا ثمة ملاحظتان على الهامش:
الأولى؛ ها هو قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل ومن قلب العاصمة الأميركية، ورداً على سؤال النائب الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عما إذا كان يعتبر حزب الله “منظمة إرهابية”، أجابه «لا، ليس في سياق لبنان”، وعندها قرر غراهام انهاء الاجتماع مع هيكل، حسب توضيحه من خلال منصة “إكس” فور انتهاء الاجتماع بين الإثنين، وأضاف: «طالما استمر هذا الموقف من جانب القوات المسلحة اللبنانية، فلا أظن أننا نملك شريكاً موثوقاً به».
الثانية؛ ها هو قائد منطقة جنوب نهر الليطاني، ورئيس الوفد التفاوضي السابق (قبل كرم) العميد نيكولا ثابت، لا يتردد في التعبير عن آرائه في الأروقة المغلقة، برغم أن أكثرية اللبنانيين لا يعرفون شكله، ولم يسمعوا صوته، ولم يزر أحداً من السياسيين أو حتى رئيس الجمهورية علانية، برغم طول مدة شغله رئاسة الوفد اللبناني، قياساً بالمدة التي شغلها السفير كرم، والتي اقتصرت على اجتماعين يتيمين. وقد يأتي من يرد بأنه ثمة فرق بين كرم من جهة وهيكل وثابت من جهة ثانية، فالأول مدني والثانيان عسكريان. هذه الذريعة لا تكفي، فقد سبق لضباط أن تولوا مسؤوليات وكانوا يصرّحون وفقاً لما يخدم مهمتهم والمصلحة الوطنية العليا لبلدهم. مع العلم ان ثابت بات خبيراً في التفاوض مع الإسرائيلي في الوقت الذي تقتصر تجربة كرم بالتفاوض على بضعة أسابيع.
أما فيما خص بيان السفارة الأميركية الأخير، في أعقاب اجتماع السفيرين الأميركي في لبنان ميشال عيسى والأميركي في إسرائيل مايك هاكابي في الأردن، فإنه يستدعي طرح عدة أسئلة، من حيث المكان والتوقيت والمضمون: لماذا في الأردن. ولماذا أصل الاجتماع مع هاكابي؟ هل لأن عيسى غير مؤهل كفاية لإدارة الملف اللبناني، وعليه الاستعانة بأحد صقور إدارة البيت الأبيض، المولجين بالدفاع عن الكيان، والأكثر صهيونية من الإسرائيليين أنفسهم. ولماذا عدلت واشنطن عن قرارها في إنهاء عمل “الميكانيزم” واستبدالها بلقاءات وزارية بين لبنان وإسرائيل وبرعاية أميركية على الطريقة السورية، واستبعاد أي دور للدولة الفرنسية التوّاقة لأن يبقى لها مرقد عنزة في الربوع اللبنانية. والتي تدأب في السعي لإيجاد صيغة ما للإبقاء على قواتها في جنوب لبنان مع قوات أوروبية أخرى، بعد انتهاء عمل قوات “اليونيفيل” في نهاية العام الجاري. ولماذا هذه الليونة الاميركية في الملف اللبناني؟ وماذا إذا أقدمت إسرائيل في المقبل من الأيام، على إنجاز خطوة ما بخصوص تطبيق أحد بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية، المعلن عنه في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. لناحية الانسحاب من إحدى النقاط الخمس المحتلة او إطلاق عدد من الأسرى اللبنانيين القابعين في سجون الاحتلال.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  ١٧ تشرين.. تنذكر وتنعاد
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "التحالف السوري الإيراني".. ومعادلة "رابح/رابح"