تكشف نقاشاتنا دومًا عن اختلاف في رؤيتنا وتناقض في قراءاتنا، وهو أمر ليس بجديد. فمنذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم عام 2016، تخلصت مناقشاتنا من قلق كبير لدى الجار الأكاديمي، الذي يرى بلاده تتجه، بلا أدنى شك، نحو نظام سياسي استبدادي فاشي، في حين أرى أنا أن أمريكا ما زالت محصنة ضد الاستبداد والفاشية لأسباب عديدة، حتى لو وصل إلى الحكم مرتين شخص يحلم بالفاشية مثل ترامب.
***
وبعيدًا عن الخلافات الأكاديمية المتعلقة بتعريف الاستبداد أو الفاشية، اتفقنا على تبسيط المفهوم واختصاره في وجود حكومة مستبدة، وحريات سياسية قليلة، وسيطرة قوية على أجهزة التواصل والإعلام، مع جماهير تثيرها النزعة القومية. ومنذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض لفترة حكم ثانية، يرى الجار أن احتمال وجود نظام سياسي مستبد في واشنطن ارتفع بشدة ليصل إلى أكثر من 50%. ويرى كذلك أن سيطرة ترامب شبه المطلقة على الحزب الجمهوري، وتمتع الحزب بأغلبية – وإن كانت بسيطة – في مجلسي الشيوخ والنواب، مع وجود محكمة دستورية تميل إلى المواقف والسياسات المحافظة، يُسهل مهمة ترامب، الذي يريد أن يحكم كملك لا كرئيس، بل يكرر في مناسبات كثيرة رغبته في مخالفة الدستور والترشح لفترة حكم ثالثة.
ويعتقد الجار أن الاستقطاب السياسي بين الجمهوريين والديموقراطيين يسهل من مهمة ترامب في التأسيس لنظام استبدادي فاشي. ويرى أيضًا أن طبيعة الأحزاب السياسية في أمريكا كانت تقليديًا ضعيفة، إلا أن حالة الاستقطاب الحادة منحتها قوة لم تُخطط لها ولم تكن مستحقة بهذا القدر. وأصبح للحزب نفوذ كبير على نمط تصويت أعضائه في الكونجرس، الذين باتوا يخشون على مقاعدهم حال معارضتهم لسياسات ترامب، الذي يمكنه معاقبة الأعضاء مباشرة بالهجوم عليهم وطلب التصويت ضدهم من قاعدته الشعبية المتزايدة في دوائرهم الانتخابية الجمهورية. ويرى الجار الأكاديمي أن ترامب هو التعبير الصريح عن أمراض الديموقراطية الأمريكية التي لم تطور نفسها، بل تدهورت خلال نصف القرن الأخير. ويرى أنه قد آن الأوان لأن يصبح النقد الذاتي للديموقراطية الأمريكية ذا طبيعة عملية تسمح بخروج بديل ثالث ينافس الحزبين الرئيسيين.
***
وعلى الرغم من موافقتي العامة على ما ذكره الجار الأكاديمي، فإنني لا أخشى بعدُ من التأسيس للاستبداد أو الفاشية داخل أمريكا. فارتبط نجاح النظم الفاشية الاستبدادية تاريخيًا بسيطرة شبه مطلقة على وسائل الإعلام، حيث تُسكت الأصوات والآراء المعارضة، فلا يبقى إلا صوت الحكومة. وتدل خبرة السنوات والأشهر الأخيرة على استحالة تحقيق هذه الفرضية في الولايات المتحدة. كذلك تُصعّب طبيعة النظام الفيدرالي الأمريكي من سيطرة المركز (أي من يسيطر على واشنطن) على بقية الأطراف. ولا يستطيع ترامب أن يُطوّع النخبة الثقافية أو الأكاديمية أو الفنية أو التكنولوجية، كما كان الحال في الفاشية الإيطالية أو الألمانية في ثلاثينيات القرن الماضي. ومن حسن حظ أمريكا أن نخبتها، التي تمثل مراكز صناعة القوة الحقيقية، منتشرة بطول وعرض ولايات الاتحاد الأمريكي، وتقود هذه المراكز قافلة التقدم الأمريكي بعيدًا عما يحدث في واشنطن.
إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود تواطؤ كبير بين كبريات شركات التكنولوجيا وإدارة ترامب ورغباتها الاستبدادية. فقد اصطف كبار ممثلي شركات التكنولوجيا، في مشهد لافت للأنظار، خلف ترامب في خطاب تنصيبه الثاني يوم 20 كانون الثاني/يناير 2025. ويهدف هؤلاء إلى الضغط من أجل إلغاء القيود الحكومية، وتسهيل النشر السريع للتقنيات المتطورة التي قد تحل محل العديد من مهام العمال ذوي الياقات الزرقاء، وتقليص الدور الحكومي والقيود التنظيمية بصورة عامة. ومن جانبه، يطاوع ترامب هؤلاء اعتقادًا منه بإمكانية استغلالهم في خططه المستقبلية.
***
أكرر لجاري الأكاديمي أن عقد ترامب الرئاسي سينتهي تمام الساعة الثانية عشرة ظهر يوم 20 كانون الثاني/يناير 2029، وأنه سيكون رئيسًا سابقًا بعد ذلك. وأذكره بأنه عقب الحرب العالمية الثانية عرفت أمريكا لسنوات ظاهرة المكارثية، التي انتشر معها خطاب الخوف والكراهية والشعبوية القومية. إلا أن المكارثية فشلت بسبب وجود سياسيين وصحافيين وأكاديميين وفنانين امتلكوا شجاعة كافية للنقد والمقاومة. وما تراه أمريكا اليوم أقل وطأة من تجربة المكارثية. لكن يبقى أن ترامب يمثل حالة شعبوية مختلفة في طبيعتها ونطاقها، وتزداد خطورتها بفعل التطور الهائل في قدرات الأدوات التكنولوجية الحديثة. ومع ذلك، فهي تمثل – في أحد جوانبها – حركة احتجاج شرعية (لدى بعض ناخبي ترامب) راغبة في إصلاح سياسي لديموقراطية أمريكية لم تُجدّد نفسها ولا أفكارها خلال نصف القرن الأخير.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
