من تونس إلى لبنان.. عندما يكبر الحلم

لقد فتننا لبنان دائما، وحيّرنا بقوّته وهشاشته في آن، وظللنا مشدودين لمتابعة أحواله، حتّى في أشدّ أوقاته عبثا.

في مسيرة الحياة، نكتشف كل بلد بطريقة مختلفة. إقتحم لبنان علينا صبانا الباكر ونحن في شبه عزلة في بادية القيروان. نكاد لا  نعرف في أيّ دولة كنّا نعيش. لم يكن هناك سرّ في الأمر: ذلك البلد الصّغير بحجمه كان له ظلّ سنديانة. كانت الكتب الأولى الّتي وقعت بين يديّ لأتهجّى منها عناوينها أو بعض السّطور تنتهي كلّها تقريبا بعبارة “طبع في بيروت – لبنان”. خلت في تلك المرحلة أنّ تلك الجملة تميمة توضع في ثنايا كلّ كتاب. ولمّا كبرت قليلا، تعلّمت أنّ بيروت كانت خيمة ثقافة العرب وعاصمة صناعة كتابهم. وإصطبغت ذكرياتي الأولى بصوت فيروز السّاحر وهو يصدح من راديو جدّي القديم معلنا “بأيدينا سنعيد بهاء القدس”! ثمّ كبرنا و كان اللّقاء مع “نبي” جبران خليل جبران  و”سبعون” ميخائيل نعيمة… بعدها، تناهت إلينا أخبار بطعم مرّ لحرب شرّيرة بين الإخوة اللبنانيين، ثمّ أخبار الغزو الإسرائيلي  الغاشم وأخيرا ملاحم التّحرير (2000).

كنّا ننظر بغبطة إلى ذلك البلد الصّغير الّذي يتوجّه فيه النّاس لقِبْلات شتّى ويصلّون  بأكثر من لغة. كنّا نعلم أنّه يلزم ألف عام وكثير من سياقات التّاريخ وصدف الجغرافيا لإيجاد مثل تلك الفسيفساء الآسرة الجمال، لأنّ ثقافة بلد، أيّ بلد، تُنجز على مهل كحجر تصقله الرّياح. كنّا نتساءل ونحن نرنو إلى ذلك البلد الصّغير الكبير: هل يعلم هؤلاء بأيّ عين يراهم العرب الآخرون؟

قبل تسع سنوات، ثار التّونسيّون، وطردوا ديكتاتورا تسلّل للحكم  في ليلة ظلماء،  ثمّ إنخرطوا في مسار طويل، ما يزال في بدايته، من أجل بناء مجتمع ديموقراطي حقيقيّ. لا شكّ أنّهم تغلّبوا على تحدّيات كثيرة، و لكن لا يزال أمامهم الكثير. لا شيء أشعرني بالفخر كتونسي أكثر من الحبر الأزرق على سبّابتي اليسرى وأنا أغادر مكتب الإقتراع بعد الإدلاء بصوتي في إنتخابات حرّة ونزيهة. أنا فخور بما أنجزه أبناء وطني لأنفسهم وللعرب عموما، لكنّني أرى في ما يجري في لبنان حالياً ما يمكن ان يحمل لهم بشارة أكبر.

عن بعد، نتابع بشغف وتحفّز ما يجري في ساحات لبنان، حيث تجمّعت أعداد هائلة من المواطنين مطالبة بشكل سلمي برحيل نظام المحاصصة الطّائفي الفاسد الّذي تحكّم في مصائرهم لعقود. تسمّي الصّحافة هناك ما يجري حراكاً لأنّ لا أحد يريد المجازفة بتسميته ثورة، وهو لا يزال في بداياته، ومفتوحا على احتمالات شتى. لكن ما نراه هو ثورة وقد عمّد باسمه من السّاعات الأولى. لا يهمّ ماذا ستكون النّتيجة الآنية، وماذا سيحدث خلال أسبوع أو أكثر، لأنّ الُمنجَز الأهمّ هو أنّ حجرا ثقيلا قد أُلقي في البركة الآسنة للطائفيّة القميئة في ذلك البلد الجميل، وأنّ الغد لن يكون مثل الأمس. هي ثورة لأنّ ذلك العدد الهائل من الشّباب والصّبايا قرّروا كسر أبواب سجنهم الّذي إجتهد وكلاء الطّوائف في حبسهم فيه طوال العقود الماضية. قد يتقلص عدد المتظاهرين هنا وقد يزيد هناك، لكن ما زرع سيثمر ما هو أينع وأقوى.

لقد دشّن التّونسيّون زمنا جديدا عام 2011 عندما حرّكوا السّواكن في عالم العرب الرّاكد.  ولكنّني أعتقد أنّ مستقبل هؤلاء الحقيقي يوجد في مآلات الثّورة اللّبنانيّة

لقد أصيبت تلك الملايين بداء التّوق إلى المواطنة الكاملة ورفض التّصنيف الهوياتي القاتل، وستعود به إلى مدنها وقراها،  فبأيّ مصل سيداوونها منه يا ترى؟

لقد دشّن التّونسيّون زمنا جديدا عام 2011 عندما حرّكوا السّواكن في عالم العرب الرّاكد.  ولكنّني أعتقد أنّ مستقبل هؤلاء الحقيقي يوجد في مآلات الثّورة اللّبنانيّة. أجزم أنّه من ثورة – حراك لبنان ستولد إمكانيّة مجتمع عربيّ ديموقراطيّ ثريّ بتعدّده ومتدثّر بلحاف وحيد: لحاف المواطنة الّذي يتسع للجميع.

في تونس، كان علينا أن ننتصر على دكتاتور وأجهزته القمعيّة. أمّا في لبنان،  فعليهم أن ينتصروا في معركة أصعب بأشواط: الانتصار على ذواتهم وعلى الحواجز النّفسيّة الّتي اجتهد تجّار الطّائفيّة في إقامتها بين مكوّنات المجتمع.  عليهم أن ينتصروا في المعركة ضدّ الارتياب من الآخر والتقوقع الهوياتي المريض الّذي سكن النّفوس على مدى عقود وقرون طويلة.

اختبار لبنان هو اختبار لكلّ فضائنا العربي لأنّ في كلّ دولة منه، من المغرب على المحيط إلى العراق في أقصى الخليج، تنوعّا دينيّا أو عرقيّا. فاذا نجح لبنان – و ظنّنا أنّه سينجح – فسيكون في ذلك جواب بنعم كبيرة عن السّؤال الّذي ظلّ دائما يتردّد حول قدرة المجتمعات العربيّة على بناء دولة المواطنة المتعالية على الانتماءات الفرعيّة، بشكل نابع من وعي مواطني ومن اختيار حرّ وليس من توازن أضداد يفرضه نظام شموليّ.

من لبنان نأمل ونتوقّع أن يولد مجتمع عربيّ جديد يضع كلّ منجزات وخصوصيّات كلّ مكوّنات هذا البلد العرقيّة والدّينيّة في سلّة واحدة : سلّة حضارة الوطن وثقافته الجامعة. سيولد مجتمع جديد لا يكون فيه ديدن كلّ مكوّن عرقي أو ديني هو “التمدّد” للسّيطرة على الفضاءات المنافسة بل الحرص الصّادق على تواصل السّمفونيّة الجماعيّة والشّعور الجذل بتملّك كلّ المنجز الحضاري المتنوّع والانتماء اليه.

في نفس السّاحات الّتي شهدت أبشع تقاتل طائفي نشاهد صور التّلاقي المواطني العابر لكلّ الإنتماءات والإصطفافات، وفي ذات الأماكن الّتي كانت تمزّقها حواجز الفرز على الهويّة يموج بحر من الشّباب والصّبايا تحت علم واحد: علم الوطن الجامع

لا شكّ أنّ لثورة لبنان رمزيّة كبيرة كذلك لكلّ الّذين يؤمنون بحتميّة تجاوز الشّعوب لمحنها وحروب الإخوة فيها، ففي نفس السّاحات الّتي شهدت أبشع تقاتل طائفي نشاهد صور التّلاقي المواطني العابر لكلّ الإنتماءات والإصطفافات، وفي ذات الأماكن الّتي كانت تمزّقها حواجز الفرز على الهويّة يموج بحر من الشّباب والصّبايا تحت علم واحد: علم الوطن الجامع.

لبنان الصّغير بمساحته يظلّ كبيرا بمنجزاته وبتأثيره في محيطه العربي ومرّة أخرى نجد أنفسنا  -كعرب ـ  نستقرئ مستقبلنا من خلال ما يحدث على أرضه. ومهما تكن المآلات القريبة للحراك الحالي، فإنّ الغد سيكون أجمل وسيقرّبنا من الدّولة العربيّة الديّموقراطيّة القائمة على مبدأ المواطنة الكاملة بلا أدنى تمييز.

هذا ما يراه عربي مثلي لم تطأ قدماه أرض لبنان يوما وإن كانت دائما قريبة من وجدانه كسائر أقطار الأمّة الأخرى. ولكن لا يجب أن يغيب عن البال أنّ التحدّي الأكبر الّذي سيتعيّن على الشّعب اللّبناني أن يواجهه هو الوضع الجيوسياسي الخاصّ لبلده في المنطقة كنقطة تقاطع ومواجهة لمصالح قوى إقليميّة ودوليّة شتّى.

تذكّرني ضبابيّة الصّورة وجسامة الأخطار بحزننا وحيرتنا ونحن نشاهد على شاشة التّلفاز الدبّابات الإسرائيليّة تجتاح لبنان في العام 1982. تساءلنا بيأس وقتذاك عن الكيفيّة الّتي سيتمكّن بها ذلك الشّعب، المنهك والمدمّر بحرب أهليّة طاحنة، من أن يطرد من أرضه قوّة احتلال بتلك السّطوة والجبروت كانت ترفدها قوى استعماريّة عظمى. لم نستطع ساعتها أن نرى أو نتخيّل أيّ سياق ممكن لذلك ولكن بعد أقلّ من عقدين شاهدنا، على شاشة نفس التّلفاز، تلك القوّة وهي تهرب تحت جنح الظّلام تحت وقع ضربات المقاومين من ذلك الشّعب اللبناني البطل.

 إنّ للشّعوب قدرة جبّارة على نحت مصائرها بشكل يفوق الخيال و الشّعب اللّبناني صنع المستحيل أكثر من مرّة في تاريخه وسيثبت أنّه قادر على أن يرفع التحدّي مرّة أخرى ويشقّ لنفسه طريقا يؤسّس لدولة ديموقراطيّة متقدّمة تحفظ لبلده عناصر قوته وتدعّمها وتعطي أملا في غد أجمل لكلّ شعوب المنطقة.

المجد للبنان ولشعبه.

(*) أستاذ مادة الرياضيات بجامعة ليل، فرنسا

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course