المُسمَّى وفداً مُفاوضاً، يستندُ إلى نظرية أميركيةٍ بأهداف إسرائيلية وضعتها واشنطن للسلطة اللبنانية التي قالت لها نعم، ونعم، ونعم. الوفد “المُغاوِضُ” و”المقاوِضُ” حفظ الدرس جيداً، فغضَّ النظر، وقوَّضَ ما تبقى من بنيانٍ وطني، ولم ينبسْ ببنتِ شَفة عندما قال الأميركيون والإسرائيليون على لسان وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو: “إن للبنانَ وإسرائيلَ والولاياتِ المتحدةِ عدواً واحداً هو حزبُ الله”. وهكذا أعلنوا حلفاً ثلاثياً بمَسحةٍ إبراهيمية تستتر حالياً خلف الكلمات، ووراء صمت السلطة اللبنانية، لكنَّها ستظهر لاحقاً؛ فالإجراءات الإسرائيلية التي تتمُّ على الأرض بين جنوب لبنان وجنوب سوريا تقود حكماً إلى ذلك، ما لم تتمكَّن المقاومة من كسر هذه المعادلات.
ربَّما لا يحتاجُ الأطراف الثلاثة، في ما يسمَّى بـِ”المفاوضات” إلى جلسةٍ جديدة في الثاني والعشرين من حزيران/يونيو الحالي، كما أعلنوا. قد تكون الحاجة محصورةً في لعبة الإخراج، أما السلطة اللبنانية فقد أعطتْ عملياً لا كلامياً كلَّ ما تُريدُه واشنطن وتل أبيب. وارتضت أن تكون ضبابيَّةً كي لا تصاب بالإحراج أمام الرأي العام الذي يكتشف ساعة بساعة أن السلطة لا تريد أن تعترف بعجزها عن التمسك بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، وأنَّ ما تقوله هو مجرَّدُ لعبة مخادعةٍ تحت عنوان: “لا خيار لدينا إلا المفاوضات” ولو من دون الحدِّ الأدنى من أوراق القوة سواء عبر المقاومة أو عبر الحوار الداخلي. هذا الحوار أصبح الآن صعباَ بعد تقصير السلطة، وربَّما فات عليه الوقت، فانتشرتِ الدعَوات الانقسامية مثلما ينتشر الفطرُ في البراري الهشَّة. ولا شكَّ في أنَّ هذه الوضعية تهدِّدُ لبنان وجوداً ووحدةً وهويَّةً ومصيراً، وتَسوقُه سَوْقاً إلى المسار الإيراهيمي.
ستكتشف السلطة اللبنانية لاحقاً أنها غطست في مستنقع إيراهيمي موحلٍ يصعب عليها الخروج منه حتى لو أرادت، فبماذا ستردُّ مثلاً عندما يُطلب منها رسم السياسات الخارجية والداخلية وفقاً للمسار الإيراهمي وهي قدَّمت كل شيء، ولم تحصل على شيء؟ إنها في مأزقٍ كبير، فإما تستمرُّ في التخبُّط في المستنقع المذكور، وإمَّا تسقط بسبب مغامراتها التي أبعدتْها عن غالبيَّة اللبنانيين. وفي الحالين سيدفع لبنان ثمناً غالياً من وحدتِه وسلامة أراضيه
الخطورةُ الكبرى هي أنَّ السلطة اللبنانية تعرف حقائق المسار الإبراهيمي، وبالرغم من ذلك ارتضتْ واندفعت إلى “مفاوضات” فارغة إلَّا من الإملاءات الأميركية باسم إسرائيل. هذا المشروعُ يريد تهويد منطقة “الشرق الأوسط”، وتحويل الأسطورة الدينية إلى فعل سياسي يخدم التحالف الرأسمالي الصهيوني.وإذا كانت إيران اليوم هي العقبة أمامه، فإنَّ الصراع معه سيستمرُّ أجيالاً، وسيتوسَّعُ، وسيأخذ أبعاداً تتجاوز منطقتنا إلى العالم، وعندئذ سيكون مكمن سقوطه.
عندما نتحدَّث عن الأسطورة الدينية الإبراهيمية، فإنَّ المقصود بدقة، هو الأسلوبُ التخييلي التزييفي الذي يعتمدُهُ الفكر الصهيوني في استغلال شخصية “إبراهيم” عبر وعدٍ مزعوم اخترعه حاخامات التلمود. يقول “الوعد” إنَّ “الربَّ أعطى هذه الأرض إلى نسل إبراهيم”. ومن هنا بالضبط ينظر الصهاينة إلى أنفسهم بوصفهم “أصحابَ” الأرض لا مغتصبين، يمتلكونها مع ثرواتها التي تشكل أساس تحالفهم بصورة متواصلة مع الرأسمالية والاستعمار منذ القرن الثامن عشر في المراحل التاريخية الحديثة.
إنها عملية تزوير متشعِّبة تخلط الدين بالتاريخ، وتسقط عليهما الفعل االسياسي، مع الإشارة إلى أنَّ النص الديني قد يكون مقدَّساً لدى جماعةٍ معيَّنةٍ، لكنَّه بالتأكيد ليس تاريخاً. وعند هذا المفترق تظهر الحقائق الآتية:
- المسار الإبراهيمي الذي يتحدَّث عنه الكيان الإسرائيلي والإدارة الأميركية لا يستهدف جنوب لبنان فحسْبُ، بل كلَّ لبنان، وكلَّ جنوب سوريا وصولا إلى مداخل دمشق حيث هو الآن، وانتهاء بالحدود مع العراق ورسم الخط “الأصفر” الكبير من قمم الجولان وجبل الشيخ إلى سواحل الناقورة والليطاني.
- السلطة اللبنانية لم تعلن عن استعدادِها للانخراط في المسار الإبراهيمي، لكنْ ما يجري على مستوى مضمون “المفاوضات”، والاتفاقات الأمنية التي حصلت، والقبول بالتنسيق الأمني، وبإنشاء “مناطق تجريبية”، وميوعة الموقف إزاء مسألة الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الاعتراض على مقولةِ “أن للبنان وإسرائيل والولايات المتحدة عدوَّاً واحداً هو حزب الله”، يصبُّ كلُّه في المسار الإبراهيمي.
- لا يكتفي الكيان الإسرائيلي بالسطو على الجغرافيا، بل يريد السطو أيضاً على التاريخ. وهذا واضحٌ في تزوير سيرة إبراهيم المختلف عليها أصلاً بين المؤرخين. إبراهيم لم يكن يهودياً، وتفصل سبعة قرون على الأقل بينه وبين موسى (من القرن 19 إلى القرن12 ق.م) فلا رابط زمنياً ولا رابط روحياً حقيقياً. أمَّا أرباب الفكر الصهيوني فقد اخترعوا روابط لا أساس لها، كي يروجوا اليوم لما يسمونه بـِ”الديانة الإبراهيمية” التي يُرادً منها القضاءُ على الإسلام والمسيحية معاً، وكي يُلْبِسُوا الاستعمار ثوباً دينياً تحت عنوان”إبراهيم”.
ستكتشف السلطة اللبنانية لاحقاً أنها غطست في مستنقع إيراهيمي موحلٍ يصعب عليها الخروج منه حتى لو أرادت، فبماذا ستردُّ مثلاً عندما يُطلب منها رسم السياسات الخارجية والداخلية وفقاً للمسار الإيراهمي وهي قدَّمت كل شيء، ولم تحصل على شيء؟
إنها في مأزقٍ كبير، فإما تستمرُّ في التخبُّط في المستنقع المذكور، وإمَّا تسقط بسبب مغامراتها التي أبعدتْها عن غالبيَّة اللبنانيين. وفي الحالين سيدفع لبنان ثمناً غالياً من وحدتِه وسلامة أراضيه.
