الإنتفاضة والمقاومة.. والدولة الجديدة

يطرح الوضع الذي وصلنا إليه الكثير من الإشكاليات المتصلة بعلاقة الهبة الشعبية اللبنانية غير المسبوقة بالمقاومة.

هل ستنجح الإنتفاضة اللبنانية في تحقيق أهدافها المتمثلة في القضاء على الدولة الزبائنية الطائفية الفاسدة، التي تحكمها طبقة “أوليغارشية” استفادت من منظومة الفساد وغياب المحاسبة (الشفافة وغير الانتقائية) لمراكمة ثرواتها على حساب مصالح الطبقات الوسطى والفقيرة؟

سؤال يطرحه على نفسه اليوم كل لبناني يحلم ببناء دولة العدالة الاجتماعية، دولة الحكم الرشيد، دولة حقوق الإنسان والمساواة وتكافؤ الفرص والانفتاح على الآخر، دولة ديمقراطية قادرة على الإصلاح الفعلي، وعلى استعادة كل الأموال المنهوبة بالأفعال لا بالأقوال. ثمة سؤال آخر يطرحه على نفسه ويضعه ضمن حساباته الطرف الأقوى في المعادلة السياسية اللبنانية، أي حزب الله، وهو سؤال يتمثل في معرفة ماذا لو انتصرت هذه الإنتفاضة؟

هل ستشكّل الدولة الجديدة خطراً على سلاح حزب الله، ما يعني في القاموس اللبناني، خطراً على المقاومة ضد إسرائيل؟ تساؤل كهذا يعكس هاجساً عميقاً لدى جمهور لبناني واسع، يخطئ المنتفضون إذا أرادوا تجاهله. ويرتكبون خطيئة كبرى إنْ لم يناقشوه ويبحثوا في ضرورة إنتاج إجابة عليه.

البحث عن الجواب يتطلب أولاً طرح سؤال معاكس: هل استمرار الدولة الريعية والزبائنية والفاسدة يحمي المقاومة أم يمثّل خطراً فعلياً ودائماً عليها؟

هنا، باتت الكرة أيضاً في ملعب حزب الله وجمهوره وهم مطالبون بالتفكير جدياً بهذه الإشكالية، ذلك أن ثمة مؤشرات، تتأتى من خلال مواقف وسلوكيات حزب الله، تفيد أن هذا الأخير يتولى حماية هذه المنظومة السياسية الاقتصادية التي بات استمرارها يتناقض مع مصالح الطبقات الوسطى والفقيرة التي تمثل الغالبية الكبرى من اللبنانيين. وما انطلاقة الانتفاضة وانتشارها في عموم الأراضي اللبنانية إلا بمثابة انفجار لهذا التناقض. لذلك لن تنفع كل محاولات إخمادها عبر شيطنتها والمبالغة في تضخيم حجم التدخلات الخارجية فيها.

لا بد أن يكون حزب الله مدركاً إذاً، شأنه شأن جميع القوى السياسية، أن لا أحد يستطيع إسقاط معادلة “14 و8 آذار” على هذه الانتفاضة الشعبية

لا بد أن يكون حزب الله مدركاً إذاً، شأنه شأن جميع القوى السياسية، أن لا أحد يستطيع إسقاط معادلة “14 و8 آذار” على هذه الانتفاضة الشعبية. لأن سلاح حزب الله ليس موضوع هذا الحراك. وإذا كان الحزب مستهدفاً فذلك لأنه يضع نفسه في موقع الشراكة مع سلطة سياسية فاسدة تعمل على تأمين مصالح قلة قليلة من اللبنانيين، ومستعدة للتعايش مع سلاح الحزب طالما أن الأخير لا يعارض بقاءها وإستمرارها.

بمعنى آخر، تشعر الطبقات الوسطى والفقيرة المتضررة من استمرار “الستاتيكو” السياسي ــ الاقتصادي الحالي، بأن حزب الله يغطي هذه السلطة لمنع التغيير. المسألة هنا ليست مسألة نوايا، بل مسألة مصالح. فهل من مصلحة المقاومة بقاء هذه المنظومة السياسية الاقتصادية الفاسدة؟

الجواب العفوي الذي ارتفع صراخاً في الساحات يتمثل في أن إفقار اللبنانيين واستمرار الوضع الاقتصادي والاجتماعي على ما هو عليه، يشكّل أكبر خدمة لإسرائيل. على عفويته، يحمل هذا الكلام رسالة عميقة، لا يمكن الاستخفاف بها. فحواها أن المقاومة التي تكيّفت، عن قصد أو عن غير قصد، مع تلك المنظومة، عليها من الآن فصاعداً التكيّف مع المنظومة السياسية الجديدة، لا أن تعمل على تأبيد القديمة. بالطبع، عملية التكيّف لن تكون سهلة. وتتطلب حواراً بين الإنتفاضة والمقاومة. لأن الدولة الجديدة تحتاج إلى سياسة دفاعية بلا محدودية، أي متحررة من إملاءات وشروط ومعايير الأميركيين والغربيين، لكن أيضاً بلا تبعية، أي غير مرتبطة بأي جهة خارجية، لا الاتحاد السوفياتي سابقاً ولا إيران اليوم. أما المقاومة، فتحتاج لدولة يعيش شعبها حياةً سعيدةً وعادلة.

 (*) أستاذ جامعي

 

نبيل الخوري

أستاذ في الجامعة اللبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course