إعادة الإعمار: الصراع على مستقبل سوريا

ثمة إتجاهان رئيسيان متضاربان تشهدهما سوريا[1] راهناً: فيما بات الجميع تقريباً يسلّم بانتصار دمشق وحلفائها، في الميدان العسكري، تأتي إرهاصات معركة إعادة الإعمار[2]، في الإتجاه المعاكس، لتؤشّر على توطيد بُنى التبعية والتخلف والنهب الإقتصادي، والإيغال في السياسات ذات الصلة، مفاقمةً الإختلالات الإجتماعية - الإقتصادية الخطيرة التي كانت مدخلاً للحرب.

يندرج الكلام “التقني” حول إعادة الإعمار، وتحديداً ما يتعلّق بتقديرات حجم الأضرار و”الفجوة التمويلية”، وبالتالي (هكذا، ميكانيكياً وإجبارياً) حجم الإستدانة، في إطار التضليل وتمويه منظومة المصالح الجيوساسية والطبقية، المحلية والدولية، صاحبة المصلحة بسيناريو الإستدانة المشروطة من الخارج، ونتائجها على المستويات كافة.

في إستراتيجيات الهيمنة الدولية، تسعى منظومة المصالح تلك للفوز بمعركة إعادة الإعمار، بما هي معركةٌ على ماهية الدولة السورية التي ستنهض من ركام الحرب العسكرية؛ وفي هذا الإطار، تعمل طبقة “رجال الأعمال الجدد” في سوريا، بالأصالة عن نفسها وبالوكالة عن المصالح الإقتصادية لدول العدوان بالذات ولشركاتها الكبرى، على الدفع بالمزيد من السياسات النيوليبرالية التي بدأ إتباعها في سوريا منذ ثمانينات القرن الماضي، والتي تطوّر منحاها مطلع الألفية الثانية، لتتسارع “جنونياً” بعد ذلك بسنوات، حتى مع إنفجار الأوضاع أمنياً وإجتماعياً – إقتصادياً عام 2011؛ وقد كانت السياسات تلك من الأسباب الرئيسة لما آلت إليه الأمور في سوريا.

لا يمكن مقاربة مسألة إعادة الإعمار إذاً بشكلٍ منقطعٍ عن سياقها التاريخي؛ أي بغير كونها محطةً في تاريخ الصراع الطويل من أجل التحرّر، في سياق تحوّلات علاقات القوة الدولية، وبما في هذا التاريخ من تحوّلاتٍ في البُنى والتحالفات السلطوية – الطبقية محلياً، ربطاً بما سبق. وعليه، فإن محاولة صياغة نموذج إجتماعي – إقتصادي تنموي ممكن التطبيق لإعادة الإعمار، أو محاولة إستشراف النموذج الذي ستجري في إطاره فعلياً عملية إعادة الإعمار في سوريا، تبقى رهن حاصل صراع المصالح والإرادات على المستوى الدولي والإقليمي، والتي تأخذ شكل مشاريع متنافسة في مجالات الطاقة وطرق الإمداد والمواصلات خصوصاً، وما يتعلّق بها من بُنى وترتيبات عسكرية وأمنية وسياسية؛ وتبقى أيضاً رهن الديناميات الإجتماعية – السياسية المحلية، بتحوّلاتها وصراعاتها.

“القطط السمان” تعيد إنتاج ظروف التفجير

توصف فئة “رجال الأعمال” الطفيلية ــ التي أثرت عبر أنشطة الوساطة في صفقات الإستيراد ومختلف أنواع التلزيمات وعقود الإستثمار الحكومية، والمضاربات العقارية والنقدية، والإتجار بالعملة في السوق السوداء، بالإستفادة من أسعار الصرف التفضيلية، وسوى ذلك من الأنشطة المستندة إلى إحتكار السلطة وشبكتها الزبائنية ـــ توصف تلك الفئة وأقطابها بـ”القطط السِمان”، خصوصاً أولئك الذين نهبوا القطاع العام ومقدّرات المجتمع عبر خصخصة المرافق العامة، أو بالأحرى “قرصنتها” (Piratization)، وفقاً للتسمية الروسية، في عصر “الإنفتاح” و”الإصلاحات”، بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، إثر هزيمة حزيران/يونيو 1967، وإجهاض الخيانة الساداتية للنصر العسكري الأولي في حرب تشرين/اكتوبر 1973.

في “سوليدير” الدمشقية مثلاً، المسماة “ماروتا سيتي”، ستكون أسعار العقارات الأعلى في سوريا.. حيث من المرجح أن يتراوح سعر المتر المربع بين 300 و500 ألف ليرة سورية (أي بين 600 وألف دولار أميركي)

جاءت السياسات الإجتماعية – الإقتصادية التي أنتجها تبدّل التحالفات الطبقية للسلطة في الدول العربية الإشتراكية (سابقاً) ونمط علاقاتها الدولية، بعد الهزيمة وتبدّل موازين القوى الدولية، بمثابة “شروط الإستسلام” الإقتصادية، على حد وصف الباحث علي قدري[3]؛ أي أن الهزيمة وإنكسار حركة التحرّر قد سمحت للمعسكر الغربي بفرض السياسات النيوليبرالية، وإعادة هيكلة الدولة والمجتمع، بما أدى إلى تفكيك البُنى الصناعية المُنشأة في الستينيات خصوصاً، وتفشّي البطالة، وتضخّم الأسعار، وتوسّع الفروقات الطبقية، أو بالأحرى تركّز الثروة في يد “طبقة رجال الأعمال الجدد”، في حين توسّع الفقر[4].

مكّنت أخيراً هذه التحوّلات الإجتماعية – الإقتصادية، وليس من خارج سياقها موجة “الأسلمة” الواسعة، أجهزة الإستخبارات “الأطلسية” وامتداداتها الإقليمية ومختلف أدواتها من تفجير الأوضاع في سوريا عام 2011. واللافت للإنتباه راهناً أنه مع تقدّم القوات النظامية في الميدان، وقرب حسمها للحرب العسكرية، مُرِّرت تشريعات كبيرة الأثر، وانطلقت مشاريع في سياق عملية إعادة الإعمار، تمثّل إندفاعةً إضافيةً في السياق النيوليبرالي الكارثي نفسه:

حتى قبل إقرار قانون “التشاركية”، أو “شراكة القطاعين العام والخاص” عام 2016، “مُنح القطاع الخاص دوراً رئيساً في عملية إعادة الإعمار” بتشريعٍ صدر في العام السابق (إستند بدوره إلى المرسوم التشريعي رقم 66 الذي دخل حيّز التنفيذ في أيلول 2012″)، حيث “سمحت الحكومة (السورية) لمجالس المدن والوحدات الإدارية المحلية بإنشاء شركات قابضة يملكها القطاع الخاص من أجل إدارة الأصول والخدمات العامة”، كانت باكورتها عام 2016 شركة “دمشق الشام القابضة”، تبعتها في عام 2018 شركة قابضة أنشأتها محافظة حمص، لتتبعها أيضاً في العام الجاري محافظتا ريف دمشق وحلب[5]. يعيد ذلك إلى الأذهان تجربة “سوليدير” البيروتية، باستيلائها على الأملاك في المنطقة العقارية المستهدفة، وتهجير سكانها، لا لإقامة مناطق سكنية شعبية لحل أزمة الإسكان إثر الحرب، أو لإقامة أسواق ذات وظيفة إجتماعية عامة، أو مناطق إنتاجية مثلاً، صناعية أو حرفية؛ بل لإقامة مناطق سكنية وسياحية فاخرة، تفوق أسعارها إمكانات أهل البلاد بأشواط، إلا القلة “المحظية” منهم. ففي “سوليدير” الدمشقية مثلاً، المسماة “ماروتا سيتي”، ستكون أسعار العقارات الأعلى في سوريا.. حيث من المرجح أن يتراوح سعر المتر المربع بين 300 و500 ألف ليرة سورية (أي بين 600 وألف دولار أميركي)”[6].

وكما كان الرهان على سياسة تعويم المصارف التجارية الخاصة لتحقيق “الإنتعاش” الإقتصادي في لبنان مضلِّلاً ـــ ولا نقول خائباً، كي لا نغيّب القصد ـــ كذلك تبدو مؤشّرات أداء المصارف التجارية السورية الخاصة. تَركّز إقراض الأخيرة العام الماضي لـ”زبائنها الكبار”، بنسبة 82% من مجمل القروض، كما تركّز إقراضها للنشاط التجاري، بنسبة 63%، والذي يمكن الإضافة إليه نسبة تمويل النشاط العقاري (7%)[7]، لتصبح نسبة إقراض النشاط غير الإنتاجي، في العام نفسه، 70% من مجمل الإقراض، في أقل تقدير. وذلك في حين تطالب غرفة صناعة حلب، مثلاً، “بالإعفاء من الغرامات وفوائد التأخير (على سداد أقساط القروض) التي أصبحت تتجاوز أصل الدَّين في بعض الحالات”، وبتخفيض أسعار الفائدة[8].

وإذا كانت “كفاءة” القطاع المصرفي التجاري الخاص في تمويل “التنمية” جلية المعالم، فالحق يُقال أن القطاع الصناعي العام لم يكن أوفر حظاً مع الحكومة، وذلك قبل عام 2011، في عهد نائب رئيس الوزراء للشؤون الإقتصادية، عبدالله الدردري، حين رأى رئيس جمعية الإقتصاديين العرب، منير الحمش، أنهم في الحكومة “خنقوا هذا القطاع، ومنعوا إصلاحه، وحجبوا عنه الإمكانيات المادية، منعوا تجديد آلاته واستبدالها، سحبوا احتياطياته وخنقوه”[9]. وهل كان ذلك فقط خدمةً لـ”القطط السِمان”، عدوة القطاعات الإنتاجية؟

تبدو المسألة أبعد من مجرد مصالح طبقية تجري خدمتها على حساب الصالح العام. فثمة “إرتياب مشروع” في نية التخريب المتعمّد لدى صنّاع القرار الإقتصادي في الحقبة “الدردرية”، بما يتجاوز المصالح الإقتصادية البحتة. يرى الحمش أنه في السنوات السابقة لإندلاع الحرب الأخيرة،

“جرى إهمال، يكاد يكون متعمداً، للمناطق الشمالية الشرقية… (الرقة ودير الزور والحسكة)، فضلاً عن قطاع واسع من ريف حلب وإدلب، وبرغم أن هذه المناطق هي من المصادر الأساسية للأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، فضلاً عن وجود الثروة النفطية والغازية فيها. وللأسف فقد بقي هذا القطاع الواسع من الشعب السوري والأراضي السورية وكأنه خارج الزمن، وقد إنتشر فيه الجهل والفقر والمرض والعوز، وكان أيضاً مجالاً خصباً للدعوات السلفية والوهابية، وهذا ما يفسّر تنامي الحركات الإجتماعية ومن ثم الإرهابية في هذه المنطقة الواسعة من سوريا”[10].

فهل ثمة مؤشّر أوضح على خطورة التمادي في السياسات الإقتصادية النيوليبرالية السيئة، أو على التقليل من أهمية وإلحاح إستكمال معركة التحرير بخوض معركة التحرّر من “شروط الإستسلام” الإقتصادية، والخروج من أسر وضعية “أشباه المستعمرات”، التي تبقي شعوبنا ودولنا في دائرة التخلّف والضعف واللا-إستقرار والتبعية؟

ثمة “إرتياب مشروع” في نية التخريب المتعمّد لدى صنّاع القرار الإقتصادي في الحقبة “الدردرية”، بما يتجاوز المصالح الإقتصادية البحتة

التحرير وإقتصادات “أشباه المستعمرات”

في دراسةٍ له حول الهامش المُتاح أمام الحكومات لتطبيق السياسات الإقتصادية العامة[11]، لا سيّما الصناعية والتجارية، يقابل أستاذ الإقتصاد في جامعة كايمبردج، ها-جون تشانغ، بين الهامش السياساتي المتاح أمام الحكومات المعاصرة الواقعة تحت وصاية برامج و”توصيات” صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها من مؤسسات النظام الدولي الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية، وبين ذاك الذي كان متاحاً لحكومات “أشباه المستعمرات”. الأخيرة هي تلك الدول غير الواقعة تحت الإحتلال (الأوروبي) الكولونيالي المباشر، لكن التي “أُجبرت على (القبول بـ)معاهدات غير متكافئة، حرمتها الإستقلال الجمركي وسيادتها على الأجانب” المتواجدين على أراضيها ـــ أو بمقاييس زمننا ـــ حرمتها السيادة على تعاملاتها الإقتصادية مع الدول والشركات (وحتى الجمعيات “غير الحكومية”) الأجنبية. “في أيامنا هذه، لا مجال (إجتماعيا أو إقتصاديا أو سياسيا) تقريباً ليس للبنك (الدولي) وللصندوق (النقد الدولي) تأثير قوي جداً عليه: الديمقراطية، الإصلاح القضائي، الحوكمة الشركاتية، الصحة، التعليم، وما إلى ذلك”.

بديهي من المقارنة أو المقابلة تلك أن الغاية من الهيكليات الدولتية والبرامج والسياسات العامة الشاملة التي تفرضها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي (أي حلف شمال الأطلسي، بوضوح وصراحة) على “شركائهما التجاريين” هي ليست بهدف “تحضير (من حضارة) البرابرة” وإرساء النظام في غابة دول العالم الثالث خصوصاً؛ إنما الهدف إخضاع تلك الدول المستهدفة والسعي لتأبيد تخلفها وضعفها وتبعيتها.

في حالة سوريا، معنى ما سبق أنه إذا ما تحقّقت مقولة الرئيس بشار الأسد على أرض الواقع، لجهة قوله إن الدول التي ساندت سوريا في صراعها ضد الحرب “الإرهابية” عليها.. هي وحدها التي ستشارك في إعادة إعمارها.. أو حتى إذا ما أعطت تسوية سياسية ما دولاً أطلسيةً رئيسية “حصة” يُعتد بها من مستقبل سوريا الإقتصادي – السياسي، لكن دون المستوى الذي يسمح لتلك الدول بإملاء شكل ومحتوى الواقع المستقبلي، فإن نماذج “إعادة الإعمار” والأطر السياساتية العامة التي تسوّقها ما يُسمَّى بـ”المؤسسات الدولية”، والتي عانينا منها ما عانينا، يجب أن تُطرح جانباً. لكن ذلك سيتطلّب، على الأرجح، تغييراً مهماً في قاعدة التأييد الإجتماعي، أو قُل التحالف الطبقي الذي تستند إليه دمشق راهناً، والذي تحوّل تدريجياً، منذ سبعينيات القرن الماضي، من تحالفٍ لقاعدةٍ شعبيةٍ عريضة، ضمّت في الستينيات (بفضل السياسات الإشتراكية) طبقة وسطى ناشئة أو متمددة إلى جانب الجيش الوطني وقطاعات فلاحية.. تحوّل إلى قاعدة أضيق، عمادها، إلى جانب العسكريين، “برجوازية الدولة” الناشئة وطبقة “رجال الأعمال الجدد” الطفيليين، من “القطط السمان”.

خاتمة

مع تآكل النظام العالمي الذي نشأ بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، وبدء تشكّل نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب، تقدّم فيه القوى “الأوراسية” نموذجاً جديداً على مستوى العلاقات الدولية، لا سيما لجهة إحترام سيادة الدول ومصالحها الأمنية والإقتصادية، تبرز أمام سوريا، فرصةً تاريخيةً للنهوض وإعلان “شروط الإستسلام” السياساتية، سالفة الذكر، منتهية الصلاحية،؛ ولها فرصةً للخروج من وضعية “أشباه المستعمرات”، والتي سبق أن خرجت منها، وإن لحين، في حقبة السياسات الإشتراكية. فهل تنجح دمشق بإحداث التحوّل الإجتماعي – السياسي – الإقتصادي المطلوب لإستكمال التحرير العسكري بالتحرّر الوطني الشامل؟

[1] بغرض التبسيط، يشير مصطلح “سورية” في هذا النص إلى الجمهورية العربية السورية على وجه الخصوص، دون أن يشمل بالضرورة سورية التاريخية، المُشار إليها أيضاً بمصطلحات “الهلال الخصيب” أو”المشرق العربي”، بتعريفه الأضيق.

[2] يشير مصطلح “إعادة الإعمار”، بتعريفه الأوسع، ليس فقط إلى إعادة بناء المساكن والمنشآت والبُنى التحتية، بل أيضاً إلى تأهيل وتطوير مختلف البُنى والعمليات الإنتاجية والخدمية، وصولاً إلى تحقيق التنمية الإجتماعية-الإقتصادية، على إختلاف المفاهيم حولها.

[3]  Ali Kadri, “The Unmaking of Arab Socialism”, Anthem Press, London, 2016

[4] منير الحمش، “الإقتصاد السوري في أربعين عاماً (1971-2010)”، منتدى المعارف، بيروت، 2011

[5] جوزيف ضاهر، “مفارقة إعادة إعمار سورية”، مركز “كارنيغي” الشرق الأوسط، 16 أيلول 2019، https://carnegie-mec.org/2019/09/16/ar-pub-79843، نُظِر في 24/9/2019

[6] المرجع السابق

[7] عشتار محمود، “المصارف السورية الخاصة في 2018″، “قاسيون”، 26 آب 2019، http://kassioun.org/economic/item/62750-2018-1-4-1، نُظِر في 20/9/2019

[8] ليلى نصر، “على أبواب المعرض… مشاكل الصناعة في مذكّرة”، “قاسيون”، 26 آب 2019

[9] الوصف لرئيس جمعية الإقتصاديين العرب، منير الحمش، “قاسيون”، 17 آذار, 2009؛ http://kassioun.org/economic/item/46508-20190، نظر في 21/9/2019

[10] منير الحمش، “نموذج وطني للتنمية والإعمار: الإقتصاد السوري من المحنة والكبوة إلى النهوض والتنمية”، جمعية العلوم الإقتصادية السورية، دمشق، 7 آب 2014.

[11] Ha-Joon Chang, “Policy Space in Historical Perspective”, University of Cambridge, October 2005.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course