هذا الانطباع السائد بشأن غياب الاستراتيجية الأميركية يُحيله المحللون إلى تناقضات داخلية عصيّة على الحل يتقدمها التناقض في شأن العلاقة العضوية مع إسرائيل، إذ أن هناك جناحاً في البيت الأبيض يعتبر أن لا خيار سوى “الدعم غير المشروط” للدولة اليهودية باعتبار أن وظيفتها أقرب إلى حاملة الطائرات في خدمة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، هناك جناح آخر يرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “يقودنا إلى حرب إقليمية لا نريدها”. أما في شأن إيران، فإن التناقض يراوح بين “ممارسة الضغوط القصوى وصولاً إلى إسقاط النظام، والعمل لتجنب الحرب بين أميركا وإيران بأي ثمن”، بالنظر إلى أولوية الصراع مع الصين.
يبقى التناقض المتعلق بإدارة الأزمة اللبنانية، حيث يدعو جناح أميركي إلى تقوية الجيش اللبناني في وجه حزب الله، فيما يُشدّد الجناح الآخر على الامتناع عن تقديم أية مساعدات عسكرية ومالية للسلطة في بيروت ما دامت غير قادرة على نزع سلاح حزب الله.
وإذا حاولنا أن نذهب أبعد في محاولة تفسير سلوكية واشنطن التي توحي أحياناً بفقدان البوصلة وأحياناً أخرى بالجنون، علينا أن نأخذ في الحسبان محطتين مهمتين في السياسة الداخلية: الأولى، الانتخابات النصفية للكونغرس (2026) والثانية، الانتخابات الرئاسية (2028)، بحيث أن الناخب الأميركي العادي يسأل “لماذا أرسل عشرين مليار دولار لإسرائيل ولبنان عندما يأكل التضخم راتبي”؟ وهنا ينقسم خطاب البيت الأبيض بين موقف منحاز لإسرائيل نزولاً عند طلب القاعدة الشعبية الترامبية المؤيدة للدولة العبرية، وموقف معارض يجاري كتلة أساسية مناهضة للحرب في هذه القاعدة الشعبية. أما الحصيلة فتضعنا أمام خطاب انفصامي وسياسات أميركية يطغى عليها التخبط.
ففي غزة، لا تملك الإدارة الحالية تصوراً نهائياً لمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل إدارة تهدف إلى منع الانفجار الإقليمي الشامل، مع ترك الملفات الجوهرية معلّقة. لذلك نجد انتقالاً متكرراً بين دعم إسرائيل والضغط عليها، وبين الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية. وفي طيّات هذا أو ذاك، يبقى منطق الصفقة هو الأساس، أي تحويل غزة إلى مشروع استثماري سياحي خدماتي عالمي بإدارة أميركية.
وتحت سقف منع إيران من امتلاك السلاح النووي، تحاول الإدارة الأميركية الجمع بين التصعيد العسكري (الحرب) حيناً والدعوة إلى اتفاق في الوقت نفسه حيناً آخر، ما يجعل الخصوم والحلفاء، ولا سيما إسرائيل، غير متأكدين من الوجهة الأميركية النهائية.
وتحت سقف أن الحرب الأوكرانية هي حرب أوروبية وليست أميركية، تحاول الإدارة الحالية تقليص الكلفة الأميركية المباشرة ودفع الأوروبيين لتحمّل الجزء الأكبر من الدعم العسكري والمالي لكييف. هذا لا يعني التخلي عن أوكرانيا بالكامل، لكنه يعني أن واشنطن لم تعد ترى نفسها الطرف الذي يجب أن يدير الحرب وحده. ويسري ذلك على إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الحرب.
وأبعد من ملفات غزة وإيران وأوكرانيا ولبنان، يكون الملف الصيني هو الأكثر أهمية وثباتاً في التفكير الاستراتيجي الأميركي (إبطاء الصعود التكنولوجي والصناعي الصيني، إعادة جزء من الصناعة إلى الولايات المتحدة أو إلى دول حليفة، تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية إلخ..).
ولو راجعنا استراتيجية الأمن القومي الأميركي (2025 و2026) يمكن استنتاج الآتي: المهمة الأميركية الأولى ليست نشر الديموقراطية أو إدارة الأزمات العالمية، بل حماية أميركا نفسها وضبط حدودها وتأمين المجال الحيوي للأميركيتين والحفاظ على التفوق الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي للولايات المتحدة، أي منع الصين كقوة صاعدة من منافسة أميركا القوة المهيمنة.
في السياق نفسه، يعتقد العديد من الخبراء أن إدارة ترامب تمتلك استراتيجية مختلفة عن المفهوم التقليدي للاستراتيجية. هي ليست “لا استراتيجية”، بل يمكن وصفها بأنها “استراتيجية الصفقات والضغط المستمر وعدم الالتزام المسبق”.
وثمة نقطة إضافية أن ترامب يدير الملفات من خلال تدفق متواصل من الرسائل والتصريحات والمنشورات (نموذج منصة “تروث سوشيل/truth social) التي تجعل العالم كله في حالة انتظار للمنشور التالي. وهذه ظاهرة غير مسبوقة تقريباً في تاريخ الرئاسة الأميركية؛ إذ لم يعد الإعلام مرآة للسياسة الخارجية، بل أصبح أحد ميادينها الرئيسية، وربما في بعض الأحيان هو الميدان الأهم.
وماذا عن لبنان؟
يُدرك نتنياهو أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تتخلى عن إسرائيل سياسياً، ولذلك يضع كل الثقل للتصعيد في لبنان من أجل إعادة ربط البيت الأبيض باستمرار حربه ضد حزب الله. ونرى أن واشنطن ترد بصيغة “نعم.. ولا”، بمعنى الموافقة على قصف أهداف، والابتعاد عن الأجندة الإسرائيلية، وهذه الطريقة الوحيدة للبيت الأبيض للاحتفاظ بالسيطرة على الوضع من دون قول “لا” لإسرائيل.
ومن شأن استراتيجية الغموض أن تترك المجال مفتوحاً لانخراط لاعبين آخرين مثل المملكة العربية السعودية التي يمكن أن تستغل التردد الأميركي لمصلحة تسليح الجيش اللبناني عبر باكستان، أو مثل طهران التي قد تجد الفرصة سانحة لاختبار احتمال إبقاء السلاح في أيدي حزب الله، فضلاً عن الصين التي تطرح مفهوم اتحاد المصير المشترك على اللبنانيين لتعزيز سيادتهم الوطنية ومواجهة التدخلات الخارجية.
وللمرة الأولى منذ اتفاق وقف إطلاق النار الهش الموقع في 8 نيسان/أبريل بين طهران وواشنطن، يُظهر التوتر الناتج من تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل إيقاع مفاوضات معقدة وصعبة بين ممثلين لجمهورية إيران الإسلامية وإدارة ترامب.
وإذا كان “الخيار العقلاني” بالنسبة إلى واشنطن يفرض نهج “الستاتيكو” في إدارة العديد من الملفات تجنباً للخسارة على الجبهة الداخلية (الانتخابات النصفية ثم الرئاسية)، فإن المردود لا يتجاوز تقليل الأعباء الأميركية الخارجية وإجبار الحلفاء (أوروبا وإسرائيل ودول الخليج إلخ..) على تحمّل كلفة أكبر واستخدام القوة الاقتصادية (العقوبات ضمنها) والعسكرية للحصول على صفقات أفضل وتركيز الموارد الأميركية على المنافسة مع الصين.
أما ما يبدو كأنه “فوضى”، فهو ناتج عن اعتماد ترامب على عدم القدرة على التنبؤ كأداة تفاوضية بحد ذاتها. ولعل المشكلة أن هذه الأداة قد تنجح تكتيكياً، لكنها تجعل من الصعب على الحلفاء والخصوم بناء توقعات مستقرة حول السياسة الأميركية.
السؤال الذي لم يُجب عنه بعد هو: هل تستطيع قوة عظمى أن تدير العالم بمنطق المفاوض أو المطوّر العقاري، أم أن إدارة النظام الدولي تحتاج إلى قدر من الثبات لا توفره نزعة الصفقات الترامبية؟
