حكومة تكنوقراط.. ماذا يقول الدستور

ما أن قدم رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إستقالة حكومته، حتى إنتقل النقاش إلى مربع من سيكلف برئاسة الحكومة الجديدة وماذا ستكون طبيعة الحكومة الجديدة، سياسية أم تكنوقراطية أم مزيجا من الإثنتين.

يُعرّف قاموس “لاروس” الفرنسي كلمة تكنوقراط بانها تعني “كل رجل أو امرأة سياسية او موظف كبير يقدم المعطيات التقنية أو الاقتصادية على العوامل الانسانية”، ما يعني أن الوزير التكنوقراطي الذي يطالب به الحراك اللبناني يُمكن أن يكون أيضا سياسيا لكن شرط ان يكون صاحب خبرة ودراسة في مجاله وأن تكون يداه نظيفتين وسجله خاليا من أي فساد، وعنده مشروع واضح لوزارته (استشهدتُ بالقاموس الفرنسي لان دستورنا هو من عهد الانتداب الفرنسي وتم تعديله لاحقا وما زلنا في الجمهورية الاولى، بينما تشارف فرنسا على الجمهورية السادسة).

ثمة انقسام في لبنان اليوم بين حراك يطالب بأن تكون الحكومة من التكنوقراط لإبعاد كل السياسيين عنها، (ويعتقد هذا الطرف ان التكنوقراط ليس سياسيا) وبين ومن يعتقد بأن هذا المطلب تقف خلفه أياد مشبوهة كما وقفت خلف اسقاط حكومة سعد الحريري بغية تطويق العهد(ميشال عون) والمقاومة، لكن رئيس الجمهورية المح الى  قبوله بحكومة تكنوقراط عبر التشديد على  ان يكون فيها وزراء ذوو “كفاءة وخبرة” (أي ربما تكنوسياسية كما يقول نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي).

ماذا يقول الدستور اللبناني؟

في الواقع لا شيء في الدستور اللبناني يشير الى حكومة تكنوقراط، ولا شيء يمنعها، لكن الدستور يلحظ وجوب تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوزارة.

كما ان المادة 66 المعدلة مرتين وآخرها في العام 1990، تقول انه:”لا يتولى الوزارة الا اللبنانيون ولا يجوز توليها الا لمن كان حائزا على شروط تؤهله للنيابة، ويتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين بكل ما يتعلق بالأمور العائدة الى ادارة كل وزير وبما خص به”.

ووفق الدستور فان والوزراء يتحملون افراديا تبعة افعالهم الشخصية واجماليا يتحملون تبعة سياسة الحكومة تجاه مجلس النواب.

على أهل الحراك ان يطالبوا بتطبيق الدستور بحرفيته في هذه المرحلة بدل مطالبة البعض بإسقاط النظام او العهد او الغاء مجلس النواب

لكن الغرابة بالأمر ان الدستور نفسه المعدل في العام 1990 يقول صراحة بإلغاء الطائفية السياسية، ضمن مرحلة إنتقالية، بما يعني انه يمكن لأي انسان من أي طائفة، في المستقبل، ان يتولى أي وزارة محددة بغض النظر عن انتمائه الطائفي.

فالمادة 95 المعدلة ايضا في العام 1990 (اتفاق الطائف) تقول بلا أي لبس:”على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة الى رئيسي مجلس النواب والوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، وان مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية”.

أما في المرحلة الانتقالية “فتتمثل الطوائف وفق المادة نفسها بصورة عادلة في تشكيل الوزارة، وتلغى قاعد التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة”.

لاحظ عزيزي القارئ كم مرة وردت كلمتا “اختصاص وكفاءة”، ولاحظ كم مرة اغتُصبتا في التشكيلات الوزارية في الحكومات المتعاقبة التي قدّمت في معظم الاوقات الانتماء الحزبي او الطائفي على أي اختصاص او كفاءة.

الخلاصة: على أهل الحراك ان يطالبوا بتطبيق الدستور بحرفيته في هذه المرحلة بدل مطالبة البعض بإسقاط النظام او العهد او الغاء مجلس النواب، فهذا يساعدهم على الظهور بمظهر الحريص على وطنه ويسحب تهمة الانقلاب من قبل خصومهم.

لنتذكر بأن الطرف الذي يشعر بأن ثمة انقلابا يجري ضده (من قبل أجهزة أو سفارات اخترقت الحراك على حد تعبيره) ليس من النوع الذي سيقبل بأن تقلب الطاولة عليه بسهولة، خصوصا وأنه يتمتع بقوة شعبية واسعة قد يستخدمها في حال اقتنع بأن في الأمر انقلابا وليس حراكا عفويا شريفا يطالب بوقف النهب والفساد والمحاصصة. هذا الطرف أرسل قواته الى سوريا لوضع حد لمحاولات تطويقه وقطع “الأوكسيجين” عنه، وساهم في مواجهة أميركا وحلفائها في العراق واليمن، وهو نفسه الذي منع اسقاط الرئيس اميل لحود بالقوة، ولن يكون مستبعدا أن يقوم بالشيء نفسه لمنع اسقاط العهد وتطويق المقاومة بالقوة حتى لو ذهب الى حد المواجهة.

على أهل الحراك قبل غيرهم سحب فتيل المواجهة، والمطالبة حاليا بتطبيق بنود الدستور بحرفيته، هذا سيحرج كل الطائفيين والفاسدين ومافيات المحاصصة التي دمّرت بلدنا الجميل.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course