مع تصاعد خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، في هذه الأيام اللبنانية الصعبة، يبدو أن بعض شروط الحرب اللبنانية التي عشنا فصولها زهاء 15 عاماً، يُعاد بناؤها رقمياً، حيث تتحوّل المنصات إلى فضاء لتأجيج العصبيات، وإعادة تدوير السرديات الإقصائية، وتوجيه الغضب نحو “الآخر” القريب. في هذا السياق، لا تبدو هذه الظاهرة مجرّد انحراف في النقاش العام، بل مؤشراً مقلقاً إلى قابلية الانزلاق مجدداً نحو منطق الصراع الداخلي. من هنا، تكتسب الحاجة إلى تفكيك هذا الخطاب وفهم آليات إنتاجه أهمية مضاعفة، ليس فقط كمسألة إعلامية أو أخلاقية، بل كجزء من معركة أوسع لحماية السلم الأهلي في بلد لم يتعافَ بعد من حروبه وجروحه.
***
تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام أخبار ملفّقة وصادمة، يتسم كثير منها بمستويات مرتفعة من خطاب الكراهية، ويتم تعميمها بهدف إثارة الفتنة وإعادة إحياء شبح الحرب الأهلية. هذا النوع من الأخبار يُعاد نشره أحياناً من دون وعي، وأحياناً أخرى عن وعي كامل، مدفوعاً بما عبّر عنه محللون إسرائيليون وغربيون من رغبة حكومة بنيامين نتنياهو في دفع لبنان إلى نحر نفسه عبر حرب أهلية جديدة حتى أن موضوع النزوح ليس مجرد هروب من الحرب بل وسيلة لتأليب بيئة لبنانية ضد أخرى، كما يُردّد مسؤولون إسرائيليون في تصريحاتهم الرسمية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل خطاب الكراهية عن البنية الرقمية التي يُنتَج داخلها ويُضخَّم من خلالها. وبالتالي، تتطلب مواجهة هذا الخطاب وعياً نقدياً بدور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها أصبحت فاعلاً أساسياً في تشكيل الرأي العام. فالتحريض ضد الآخر لا يخدم مصلحتنا الجمعية، بل يصب فقط في مصلحة من يسعى إلى سلب الأرض وحرقها وجعلنا قبائل ومذاهب متناحرة.
***
في آب/أغسطس من العام 2020 نظمت ورشتي عمل ضمن مشروع بحثي في جامعة لندن، سيتي، بالتعاون مع موقع ومجلة 180 بوست في بيروت، هدفها التوصل إلى خلاصة مبادئ عامة لتجنب خطاب الكراهية في الصحافة اللبنانية. أولى هذه الورشات عقدت في 4 آب/أغطس قبيل ساعات من الانفجار المشؤوم في مرفأ بيروت، وثاني الورشات عقدت بعد أسبوع على الانفجار. شارك في الورشتين أربعة عشر صحفياً من مختلف وسائل الإعلام اللبنانية ومختلف أجيالها. في الورشات كان هناك إجماع على عدد من النقاط والعناوين، منها المتعلق بدور وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء منتج لخطاب الكراهية.
أظهر النقاش أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تؤدي وظيفة ناقلة للخطاب العام فحسب، بل تشكّل فضاءً مركزيًا لإنتاج خطاب الكراهية وإعادة تشكيله. فالكراهية لا تنتقل من الواقع إلى المنصات الرقمية بصورة خام، بل تُعاد صياغتها عبر آليات رقمية تقوم على الاختزال، التعميم، الشحن العاطفي، وإعادة التأطير السياسي. وما أعقب انفجار مرفأ بيروت وما نشهده اليوم يوضّح هذه الآلية بجلاء، إذ تحوّل الغضب الشعبي إلى مادة قابلة للتوجيه السياسي، حيث يجري فصل الفعل الجرمي عن سياقاته المعقّدة وربطه بجماعات أو هويات محددة. في هذا المعنى، تعمل وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لإعادة توجيه الغضب لا كمساحة تعبير حر فحسب.
في مجتمعات منقسمة مثل لبنان، لا يمكن فصل خطاب الكراهية عن البنية الرقمية التي يُنتج داخلها. وبالتالي، فإن مواجهة هذا الخطاب لا تقتصر على أخلاقيات الأفراد أو حسن نياتهم، بل تتطلب وعيًا نقديًا عميقًا بدور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها فاعلًا أساسيًا في إعادة إنتاج العنف الرمزي
وبيّن النقاش أن السرعة والانفعال على حساب الوقائع والتحقق باتا من سمات بارزة وسائل التواصل الاجتماعي، وفي هذا سعي لتقويض الزمن الصحافي الضروري للتحقق من المعلومات. فسرعة التداول، مقرونةً بالسعي إلى تفسير فوري للأحداث الصادمة، تخلق بيئة مثالية لانتشار الاتهامات غير المثبتة وتحويل الفرضيات إلى “حقائق” رقمية.
هذا التسريع في إنتاج المعنى يجعل خطاب الكراهية أكثر قابلية للانتشار، لأنه يقدّم إجابات بسيطة ومريحة نفسيًا في مواجهة أحداث معقّدة، حتى عندما تكون هذه الإجابات قائمة على تحميل جماعات بأكملها مسؤولية أفعال فردية أو جرائم مركّبة.
وتوقف النقاش عند الدور الذي تؤديه ما يُعرف بـ “الجيوش الإلكترونية”، وهي شبكات رقمية منظّمة تعمل على تضخيم خطاب معيّن أو إسكاته بحسب الحاجة. لا يقتصر دور هذه الشبكات على نشر خطاب الكراهية، بل يمتد إلى الضغط على الصحافيين أنفسهم لدفعهم إلى تبنّي هذا الخطاب أو مجاراته.
في هذا السياق، تتحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى آلية ضبط غير رسمية للخطاب الإعلامي، حيث تُكافَأ اللغة التصعيدية والاستقطابية من خلال التفاعل والانتشار، فيما تُعاقَب الأصوات الميّالة إلى التهدئة والتحليل العقلاني، ما يساهم في تطبيع خطاب الكراهية بوصفه خطابًا “ناجحًا” وذا صدى جماهيري.
***
خلال ورشتي العمل أُثيرت نقاط نقدية عديدة بينها الإشارة إلى الترابط بين تصاعد خطاب الكراهية وتغذية الأنا المهنية لدى بعض الصحافيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبح الانتشار الرقمي معيارًا ضمنيًا للقيمة والاعتبار العام، ما يدفع بعض العاملين في الإعلام إلى تبنّي خطاب استفزازي ينسجم مع منطق المنصات القائم على الإثارة والنجومية.
في هذا الإطار، لا يغدو خطاب الكراهية تعبيرًا عن قناعة سياسية أو أيديولوجية فحسب، بل يصبح جزءًا من اقتصاد رمزي يقوم على التفاعل والمشاهدة وقياسات “الريتش” و”اللايك”.
وتناول المشاركون في الورشتين مفهوماً محورياً لفهم دينامية الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو انهيار الحاجز التقليدي بين الصحافي والجمهور. فالجمهور لم يعد متلقّيًا سلبيًا، بل أصبح شريكًا في صناعة الحدث وتوجيه النقاش العام.
هذا التحول يضع الصحافي داخل دائرة الانفعال الجماعي بدل أن يكون مراقبًا خارجيًا، ويعرّضه لضغوط مستمرة تدفعه نحو خطاب أكثر حدّة واستقطابًا، خشية فقدان التفاعل أو التراجع عن دائرة الضوء الرقمية.
***
أبرزت المداخلات مسألة بالغة الأهمية تتمثل في أن إعادة نشر خطاب الكراهية، حتى في سياق نقدي أو توثيقي، تُعدّ فعلًا تضخيميًا بحد ذاته. فوسائل التواصل الاجتماعي، بطبيعتها القائمة على الاقتطاع والتكرار، تحوّل العبارات التحريضية إلى رموز خطابية مستقلة تُتداول خارج سياقها، ما يساهم في ترسيخها في الوعي العام وإعادة إنتاجها بلا مساءلة.
ونبّه النقاش إلى خطورة الاعتقاد بإمكانية الفصل بين الخطاب الشخصي للصحافي على وسائل التواصل الاجتماعي وهويته المهنية. فالجمهور يتلقّى هذا الخطاب بوصفه وحدة واحدة، خصوصًا في ظل غياب سياسات مؤسساتية واضحة تنظّم استخدام الصحافيين للسوشيال ميديا في السياق اللبناني. وبذلك، تتحول هذه المنصات إلى مساحة تبدو حرّة، لكنها في الواقع عالية الخطورة، لإنتاج خطاب يمكن أن ينزلق بسهولة نحو الكراهية والتحريض.
في مجتمعات منقسمة مثل لبنان، لا يمكن فصل خطاب الكراهية عن البنية الرقمية التي يُنتج داخلها. وبالتالي، فإن مواجهة هذا الخطاب لا تقتصر على أخلاقيات الأفراد أو حسن نياتهم، بل تتطلب وعيًا نقديًا عميقًا بدور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها فاعلًا أساسيًا في إعادة إنتاج العنف الرمزي. استنادًا إلى هذا النقاش، تم التوصل إلى الخلاصة المرفقة كمبادئ عامة ندعو كل الصحفيين اللبنانيين إلى الالتفات إليها ومراعاتها في عملهم الصحفي أو عند تفاعلهم ومشاركتهم منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
