هدنة لبنان الهشة.. واختبار “اليوم التالي”!

لم يعد السؤال في لبنان إلى متى يصمد هدنة وقف إطلاق النار، بل ماذا سيليها. فالتجارب السابقة تُظهر أن الحروب هنا لا تنتهي مع الهدنة، بل تبدأ بعدها مرحلة إعادة رسم التوازنات وقواعد الاشتباك. وفي هذا السياق، لا يقتصر البحث الجاري، سواء في إسلام آباد أو واشنطن، على وقف العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى دخول لبنان مرحلة سياسية جديدة، ستبقى مرتبطة بمآلات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.

مضت أربعة أيام على هدنة الأيام العشرة الهشة، لكن السؤال الجوهري عن اليوم التالي، سواء فيما يتعلق بقواعد الاشتباك المقبلة مع إسرائيل، حرباً أم هدنة متجددة، أو كيفية إدارة العلاقة بين حزب الله والحكومة اللبنانية، لا سيما في ضوء المواقف العالية السقف التي اتخذتها رئاسة الجمهورية في الآونة الأخيرة.

فماذا عن “حرية الحركة” أو ما يعرف بـ”التعقب الساخن”؟ الذي يتمسك به الإسرائيلي وكرّسته الوثيقة الأميركية التي لم تق أية جهة رسمية لبنانية أنها وضعت توقيعها عليها، بحيث يستهدف أي تهديد قائم أو محتمل على كامل الأراضي اللبنانية، وفقًا لاستراتيجية “الدفاع المتقدم”، وهو ما شهدنا فصولاً عديدة منه في الأيام الماضية، وكانت النتيجة سقوط أعداد جديدة من الشهداء والجرحى اللبنانيين، بذريعة “حرية الحركة”!

وفي المقابل، يصرّ “حزب الله” على الرد على أي خرق، أي لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار/مارس، تاريخ انخراط الحزب في الحرب الإقليمية، ما يعني أننا ذاهبون بعد وقف إطلاق النار إلى مناوشات عسكرية في أكثر من مكان إلى أن يقتنع الإسرائيلي بأن مرحلة الـ15 شهراً غير قابلة للتجدد لبنانياً. والحزب معني بذلك إلى أقصى الحدود، لتغيير أو تعديل قواعد الاشتباك، وإلا لن تكون هناك أية قيمة للحرب التي ذهب ضحيتها آلاف الشهداء والجرحى، فضلاً عن التدمير الممنهج في مناطق لبنانية عديدة ولعل أخطرها تجريف أكثر من خمسين بلدة وقرية لبنانية في منطقة “الخط الأصفر” الحدودية التي أعلنها الجيش الإسرائيلي.

وفي المقلب الآخر، ماذا عن حال الداخل؟ وكيف سيتصرف الحزب مع حكومة نواف سلام التي باشرت بالتفاوض المباشر مع إسرائيل فيما رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يواجه اختبار قبول أو رفض دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعقد لقاء ثلاثي أميركي إسرائيلي لبناني في البيت الأبيض؟ هل يعني ذلك أننا ذاهبون إلى انفجار داخلي؟ أم ثمة تسوية كبرى في الإقليم يمكن أن تحفظ حقوق الجميع؟ يجترحها الأميركي هذه المرة، وهو المعروف ببراغماتيته عندما تشتد الأزمات دون أن يكون ثمة حسم أو حلّ في الأفق، خصوصاً إذا ما أفضت مفاوضات إسلام آباد إلى حلول جذرية لكل المواضيع الخلافية بين واشنطن وطهران.

نحن أمام امتحان صعب، يشبه لحظة العام 1982، حينما جنحت السلطة نحو مفاوضات السلام مع إسرائيل، وكانت اتفاقية 17 أيار/مايو في العام التالي، وما رافقها من صراعات داخلية استمرت حتى انعقاد “اتفاق الطائف” عام 1989. لكن الفارق هذه المرة أن إسرائيل في موقع أقوى مما كانت عليه آنذاك، والقوى المناوئة لها خسرت الكثير من قدراتها، لا سيما سقوط النظام في سوريا، الذي طالما كان داعماً للمقاومة اللبنانية.

وثمة إشكالية لدى الجنوبيين اللبنانيين بكل أطيافهم، حول كيفية تأمين الدولة الحماية لهم في مواجهة عدو لا يؤمن إلا باستراتيجية منظر الصهيونية، زئيف جابوتسكي (1880-1940)، التي تقول: “من لم يأتِ بالقوة، يأتي بمزيد من القوة”. وهل السلام ينفع مع كيان لم يحدد حدود “دولته” بعد؟ ويطمع بقيام “إسرائيل الكبرى” على حساب عدد من الدول العربية وعلى رأسها لبنان؟

والأنكى من كل ذلك، أن من يحكم الكيان العبري اليوم يختلف عن كل من سبقه منذ العام 1948، بحيث يتقاسم الحكم يمينان: يمين تقليدي قومي، ويمين ديني متطرف، والدفة تميل إلى الثاني، الذي لا يؤمن بالتسويات أو السلام من أصله، بل يؤمن فقط بالحرب الكبرى مع كل أعداء اليهود في العالم، وهي التي تُعرف بـ”حرب هرمجدون”، والحاصلة حتماً بحسب هؤلاء، وأن النصر سوف يكون حليفهم، وسيأتي مسيحهم (غير السيد المسيح عيسى ابن مريم)، ويبارك دولة إسرائيل.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  العالم مسرحاً لتراجيديا حرب باردة.. ثلاثية القطبية
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حين يسبق خطاب التحريض طلقة الرصاص: لبنان ما قبل الانفجار