كان دونالد ترامب ومسئولو إدارته قد أوضحوا أن إيران المسلحة نوويًا هى الخط الأحمر الأساسى بالنسبة إليهم، وهو خطٌ لم يكونوا مستعدين لتركه للدبلوماسية بعد انهيار الاتفاق النووى للعام 2015 بانسحاب ترامب منه، وفشل المفاوضات التى أعقبته فى عام 2025. وقد بدأت الحرب، كما صرح البيت الأبيض، «بعد أن تجاهلت إيران التحذيرات بعدم إعادة بناء برنامجها النووى بعد ضربات 2025».
الهدف الثانى كان تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية والبنية التحتية المستخدمة لإنتاجها. وقد حدد المسئولون الأميركيون باستمرار قدرة إيران الصاروخية بعيدة المدى بوصفها مصدر قلق رئيسيًا، نظرًا لإمكان استخدامها وسيلةً لحمل أى سلاح نووى مستقبلى، فضلًا عن كونها مصدر تهديد للقوات الأميركية وحلفائها فى المنطقة.
الهدف الثالث كان القضاء على القدرات البحرية الإيرانية فى الخليج العربى، لا سيما القوارب السريعة وبطاريات الصواريخ المضادة للسفن التى كانت إيران تطرحها منذ زمن طويل أداةً محتملة لإغلاق مضيق هرمز، الذى يمر عبره حوالى 20% من النفط والغاز فى العالم.
الهدف الرابع كان إنهاء الدعم المالى واللوجستى الإيرانى للجماعات المسلحة الوكيلة: حزب الله في لبنان، حركة الحوثيين فى اليمن، الميليشيات الشيعية فى العراق، وما تبقى من حماس في فلسطين، كما تراها واشنطن. وكان هذا هدفًا معلنًا من أميركا وإسرائيل طوال حرب غزة. وتكرر واشنطن أن «محور المقاومة»، على الرغم من تدهوره بشكل كبير خلال عامى 2024 و2025، فإن العلاقات داخله لم تنقطع ما دامت طهران قادرة على إعادة تشكيله وتمويله وتسليحه.
وبعيدًا عن هذه الأهداف العسكرية الأربعة، وضع ترامب هدفًا خامسًا وأكثر اتساعًا بكثير: تغيير النظام. وفى 28 شباط/فبراير، أثناء شن الموجة الأولى من الضربات، خاطب ترامب الشعب الإيرانى مباشرة، وقال: «يجب على الشعب الإيرانى أن يتولى حكم بلاده. ستكون لك لتأخذها. ربما ستكون هذه فرصتك الوحيدة لأجيال». وسواء كان ذلك يمثل سياسة جادة أو تصعيدًا خطابيًا، فقد حدد مدى اتساع طموحات ترامب، ومدى تجاوزها للإمكانات الواقعية.
وخلال أيام الحرب التسعة والثلاثين، خرجت تقديرات أميركية تشير إلى أن أهداف ترامب المعلنة قد تغيرت بشكل ملحوظ فى الأسابيع الأولى من الحرب. ووثقت خدمة أبحاث الكونجرس، وهى الجهة البحثية التابعة للكونجرس، فى تقييم صادر فى آذار/مارس 2026، نمطًا من الأهداف المتغيرة: «لقد اختلفت الأهداف المعلنة والجداول الزمنية المتوقعة، بما فى ذلك الإطاحة بحكومة إيران، وإضعاف قدراتها العسكرية والأمنية والنووية ونفوذها الإقليمى، بالإضافة إلى دعم المصالح الإسرائيلية». وأصبحت سيولة الأهداف واحدة من أكثر السمات السياسية أهمية فى هذه الحرب.
***
بعد الإعلان رسميًا عن بدء الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، فى السابع من نيسان/أبريل الماضى، غرّد الحساب الرسمى للبيت الأبيض على منصة «إكس» ببيان أظهر جزءًا من حديث سابق للرئيس دونالد ترامب، يتباهى فيه بانتصار بلاده على طهران، وعدّد ما اعتبره إنجازات عسكرية غير مسبوقة، منها تدمير الأسطول البحرى الإيرانى، وتدمير بنية التصنيع العسكرى، والقضاء على طموحات إيران النووية.
وفى الوقت ذاته، أكدت إيران انتصارها العسكرى. وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، فى بيان، إن وقف إطلاق النار جاء بعد «هزيمة» القوات الأميركية والإسرائيلية واضطرارهما إلى قبول خطة إيران ذات النقاط العشر أساسًا لوقف إطلاق النار ولمسار التفاوض.
الآن، ومع استمرار العملية التفاوضية، يشعر ترامب بضغط سياسى متزايد، ويبدو يائسًا من إيجاد مخرج. وقد تخلى عن جميع الأهداف التى وضعها للحرب؛ فالنظام لا يزال فى السلطة، ولم يوافق على أى قيود على برامج تصنيع الأسلحة، كما لم يوافق على أى قيود تتعلق بدعمه للوكلاء الإقليميين.
وفى حديث مع كاتب هذا المقال، قال مارك كيميت، مساعد وزير الدفاع الأميركى الأسبق، إن «الرئيس ترامب حصل على كل الأهداف العسكرية التى حددها للجيش الأميركى قبل بدء الهجمات على إيران، وهذا لا ينفى أن الأهداف الاستراتيجية الأميركية لم تتحقق». واعتبر عدد من الخبراء أن الولايات المتحدة لم تحقق شيئًا يُذكر من وراء 39 يومًا من الحرب ضد إيران. وبدلًا من ذلك، أهدرت ما لا يقل عن 60 مليار دولار، وقتلت آلاف المدنيين الإيرانيين الأبرياء، وتسببت فى مقتل ما لا يقل عن 13 من أفراد الجيش الأميركى، إضافة إلى إصابة أكثر من 200 آخرين.
وحتى كتابة هذا المقال، لا يزال هناك الكثير من الأمور الغائبة وغير المعروفة حول اتفاق وقف إطلاق النار، باستثناء ما تم نشره، وهو ما يثير قلق كثير من القادة الجمهوريين المؤيدين تقليديًا للرئيس ترامب.
ومن أهم الجوانب المثيرة لقلق الجمهوريين أنه لا توجد معلومات مؤكدة عما قد يحدث لليورانيوم الإيرانى، إذ تمتلك إيران نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
من ناحية أخرى، وبينما يكرر البيت الأبيض أن وقف إطلاق النار يتطلب إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل دون «أى قيود»، يشير المسئولون الإيرانيون إلى أن الاتفاقية تمنح طهران السيطرة على المضيق.
ويبقى أن المكسب الرئيسى لواشنطن هو تمكنها من إضعاف إيران عسكريًا، ولكن بما أنها كانت ضعيفة بالفعل قبل بدء الحرب، فإن هذا المكسب ليس بالأهمية نفسها التى تدعيها إدارة ترامب. وفى الوقت ذاته، تتمثل الخسارة الرئيسية التى لحقت بواشنطن فى أن إيران أوضحت، فعلًا وقولًا، أنها تستطيع السيطرة على مضيق هرمز. وبما أن ذلك لم يكن واضحًا قبل بدء الحرب، فإنه يمثل انتكاسة حقيقية لمن بدأها. وربما تكون إيران قد اكتشفت عنصر قوتها الأهم.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
