عُمان بين واشنطن وطهران: نهاية المساحة الرمادية!

تعيش العلاقات الأميركية العُمانية على وقع صدمة جيوسياسية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، وذلك في أعقاب التصريحات الحادة والمفاجئة التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السابع والعشرين من أيار/مايو 2026، خلال اجتماع علني ومفتوح لحكومته في البيت الأبيض.

وحسب مصادر دبلوماسية متطابقة في واشنطن، فإن تهديد ترامب بـ«نسف» سلطنة عُمان ما لم تتجاوب وتلتزم بالرؤية الأمنية الأميركية لإدارة المضائق المائية الدولية، لا يمثّل مجرد تصريح عابر أو زلة لسان، بل هو ذروة جبل الجليد لخلاف استراتيجي عميق ومكتوم بدأ يتشكل ويتفاقم خلف الكواليس منذ اندلاع الحرب في المنطقة في 28 شباط/فبراير.

هذه الحرب، التي تسببت حتى الآن في شلل شبه كامل لحركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز وباب المندب، بدأت تفرض على عواصم المنطقة قواعد اشتباك سياسية وأمنية جديدة كلياً لا تعترف بمفهوم الحياد التقليدي أو الدبلوماسية الهادئة التي تميزت بها سلطنة عُمان طوال العقود الأربعة الماضية.

وتفيد تقارير أميركية بأن ترامب كان قد تلقى في الآونة الأخيرة حزمة من التقارير الاستخباراتية المقلقة، والتي تفيد بتفاقم أزمة الطاقة العالمية ووصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تسببت بموجة تضخم غير مسبوقة هدّدت الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة والدول الغربية الحليفة. وتضيف التقارير أن ترامب عبّر في اجتماعات مغلقة عن استيائه الشديد من غياب التعاون الحاسم والسريع من عدد من شركاء بلاده التاريخيين في الخليج في مسألة تأمين خطوط الإمداد العالمية، كما عبّر عن انزعاج إدارته الكبير من محاولات بعض الدول «اللعب على الحبلين». وتستشهد التقارير إياها برصد مسودة اتفاق أمني وفني مؤقت لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، جرت مناقشتها بجدية بين طهران ومسقط، وقال مسؤول أميركي عن هذه المسودة إنها «طعنة في الظهر».

ووفقاً للتسريبات الدقيقة التي وُضعت على طاولة الرئيس الأميركي، فإن مسودة هذا الاتفاق كانت تتضمن صياغة آلية أمنية وفنية ثنائية مشتركة وحصرية لإدارة الممر المائي، مستغلة الإشراف الجغرافي القانوني المباشر لسلطنة عُمان عبر شبه جزيرة مسندم المطلة على المضيق. أما البند الأكثر خطورة، الذي أثار جنون المسؤولين في واشنطن والبنتاغون، فهو البند الذي يمنح الحكومتين الإيرانية والعُمانية الحق الكامل في فرض «رسوم سيادية» مالية باهظة ومكثفة (مناصفة) على ناقلات النفط التجارية والسفن الضخمة العابرة للمضيق، وذلك تحت ذريعة توفير الحماية البحرية الفنية لها وتغطية تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب المستعرة، ما يعني من وجهة النظر الأميركية تزويد النظام الإيراني بشريان حياة اقتصادي ومالي جديد، وهذا «خط أحمر وتهديد مباشر للأمن القومي الأميركي»، بحسب مسؤول كبير في الإدارة الأميركية.

تصدّع دور الوسيط التاريخي

على الجانب الآخر من المشهد المتأزم، تروي مصادر مقربة من دوائر القرار الدبلوماسي والسياسي في مسقط رواية مغايرة تماماً، تعكس حجم الفجوة الآخذة في الاتساع بين الحليفين التاريخيين. وتفيد هذه المصادر (حسب المصادر الأميركية) بأن سلطنة عُمان باتت تشعر بحالة من الامتعاض المكتوم والإحباط من الطريقة التي تعاملت بها القوى الغربية، وعلى رأسها واشنطن، مع الأزمة الإقليمية منذ مطلع عام 2026.

وبحسب مسؤول عُماني سابق ومطلع على الاتصالات الدبلوماسية، فإن القيادة في مسقط تولدت لديها قناعة راسخة بأن قنواتها الدبلوماسية السرية وسنوات طويلة من الوساطة النزيهة والموثوقة التي قادتها بكفاءة بين واشنطن وطهران جرى استغلالها وتوظيفها من قِبل أطراف استخباراتية غربية كغطاء سياسي ودبلوماسي لترتيب عمليات عسكرية هجومية مباغتة تم تنفيذها ضد إيران وحلفائها.

وأضاف المصدر العُماني أن هذا التوظيف السياسي أضرّ كثيراً بمصداقية مسقط الإقليمية، ما دفع وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، إلى الخروج بشكل واضح عن نمط الدبلوماسية الهادئة والكتمان المعتاد، وإطلاق تصريحات علنية رسمية انتقد فيها بحدة بالغة التصعيد العسكري الغربي والضربات الجوية، معتبراً إياها نسفاً حقيقياً لفرص السلام المستدام وتعميقاً للأزمة الأمنية الكبرى التي تدفع الدول المشاطئة للمضيق ثمنها الأكبر من اقتصاداتها وأمن حدودها البحرية. ومن هذا المنطلق، يضيف المصدر، تحركت عُمان للبحث عن حلول واقعية وعملية مباشرة مع جارتها إيران لفتح المضيق وتأمين ناقلات النفط، بعيداً عن صراع الإرادات العظمى.

إما معنا أو ضدنا!

وفي سياق متصل، كان لافتاً للانتباه السلوك المؤسسي الصارم والموحد الذي أعقب المؤتمر الصحفي لترامب؛ حيث قامت وزارة الخارجية الأميركية، بالتنسيق مع المكتب الإعلامي التابع للبيت الأبيض، بنشر النص الحرفي الكامل للتصريحات الرئاسية بالإضافة إلى بث مقطع الفيديو الأصلي كاملاً على كافة المنصات الرقمية الرسمية التابعة للحكومة الأميركية، من دون إجراء أي حذف أو تعديل أو إصدار بيانات تلطيفية، كما جرت العادة التاريخية في حال وقوع زلات لسان رئاسية تمس الحلفاء، الأمر الذي يعكس وجود إرادة سياسية بالتبني الكامل للموقف العنيف من سلطنة عُمان، ليس في الإدارة فحسب، بل أيضاً على مستوى مؤسسات الأمن والدفاع والاستخبارات في الولايات المتحدة. أما الهدف الأساس، فهو، بحسب المحللين الأميركيين، إرسال رسالة شديدة اللهجة إلى القيادة العُمانية لإجبارها على التراجع الفوري والنهائي عن مسودة الاتفاق الفني مع إيران، وإفهام كافة الشركاء في الخليج بأن كلفة الحياد في حرب عام 2026 ستكون باهظة للغاية. وبالتالي، ثمة معادلة معتمدة في البيت الأبيض هي الآتية: «إما أن تكون معنا بالكامل في خندق الحرب، أو تُصنّف كطرف حليف للعدو».

إقرأ على موقع 180  في آب اللّهاب.. أزمات المنطقة إلى الانفجار أو التصعيد المُقيّد؟

ويُشير خبراء سياسيون إلى أن الجغرافيا السياسية الفريدة لسلطنة عُمان، والتي منحتها عبر العقود الماضية ميزة استراتيجية هائلة لتلعب دور «سويسرا الشرق الأوسط» ومهندسة الاتفاقيات الكبرى مثل الاتفاق النووي لعام 2015، تحوّلت اليوم في ظل ظروف الحرب الشاملة لعام 2026 إلى عبء جيوسياسي مباشر ومصدر لضغوط دولية وعسكرية لا تُطاق.

في المحصلة، لا تبدو الأزمة بين واشنطن ومسقط مجرد خلاف عابر حول إدارة مضيق أو ترتيبات ملاحية مؤقتة، بقدر ما تعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة النظام الإقليمي الذي فرضته الحرب. فالدبلوماسية العُمانية التي نجحت لعقود في التوفيق بين الخصوم والحفاظ على مسافة واحدة من الجميع، تجد نفسها اليوم أمام بيئة سياسية لا تعترف كثيراً بالمساحات الرمادية ولا تمنح الوسطاء هامش الحركة الذي اعتادوا عليه. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى مقاربة تقوم على حشد الاصطفافات الحادة وفرض خيارات واضحة على الحلفاء والشركاء في آن معاً.

وبين هذين المنطقين، يقف مضيق هرمز بوصفه أكثر من مجرد ممر مائي استراتيجي؛ فهو بات عنواناً لصراع أوسع على قواعد الأمن الإقليمي وشكل التوازنات المقبلة في الخليج. لذلك، فإن مستقبل الأزمة لن يتوقف فقط على قدرة الطرفين على احتواء التوتر الراهن، بل على ما إذا كانت المنطقة بأسرها تتجه نحو استعادة منطق التسويات والوساطات، أم نحو مرحلة جديدة تُقاس فيها العلاقات بين الدول بمدى انخراطها في محاور الحرب لا بقدرتها على تجنبها؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  في آب اللّهاب.. أزمات المنطقة إلى الانفجار أو التصعيد المُقيّد؟