من قوّة القانون إلى قانون.. القوّة!

بمناسبة ذكرى استسلام النازية، يمكن أن نستذكر أنّ أسس إنشاء منظّمة الأمم المتحدة عام 1942 كانت قد وُضعت عبر «إعلان» في خضمّ الحرب العالمية الثانية، وبعد انخراط الولايات المتحدة فيها جرّاء القصف الياباني لميناء بيرل هاربور. حينها، وبناءً على اقتراح الرئيس الأميركي روزفلت، تمّ استخدام تعبير «إعلان الأمم المتحدة» للمرّة الأولى.

كان الهدف من “الإعلان” هو التحالف لكسب الحرب ضدّ دول المحور، التي اجتاحت أنحاءً كثيرةً من العالم وسيطرت عليها. لقد حدّد «الإعلان» ميثاقاً أخلاقياً تبنّته الدول الأربع الموقّعة (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، الاتحاد السوفياتي، وجمهورية الصين)، ودولٌ أخرى انضمّت إليها تباعاً، وكانت مصر والعراق وسوريا ولبنان وحدها من بين الدول العربية المستقلّة حينها. تضمّن هذا الميثاق مبادئ لما بعد الحرب تُقرّ بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وفي اختيار شكل الحكومة التي ترغب بها، والتخلّي عن استخدام القوّة في العلاقات بين الدول.

كان التوقيع على «الإعلان» شرطاً للمشاركة في مؤتمر سان فرانسيسكو لتأسيس المنظّمة، الذي بدأ في 25 نيسان/أبريل 1945، أي قبيل استسلام ألمانيا النازية. وانضمّت المملكة العربية السعودية إلى الدول العربية المشاركة في المؤتمر بعد إعلانها الحرب على دول المحور وتوقيعها على «الإعلان»، بعيد اللقاء بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت في 14 شباط/فبراير من العام نفسه. هكذا تمّ توقيع خمسين دولة على «ميثاق الأمم المتحدة» في 26 تموز/يوليو 1945، كدستورٍ يركّز على سيادة الدول والعلاقات بينها والسلم والأمن الدوليين. إلا أنّ الوثيقة الأخلاقية والحقوقية الأساسية، أي «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، الذي يركّز على حقوق الفرد وحرياته، لم يتم إقراره إلا في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948. لقد جرى هذا كلّه بسبب ما عرفته الحرب العالمية الثانية من أهوال ودمار وقتل للشعوب، وللرعب العالمي الذي سبّبه قصف هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية.

***

اللافت للاتنتباه اليوم أنّ الولايات المتحدة، التي كانت هي التي بادرت إلى إنشاء منظّمة الأمم المتحدة، هي أيضاً بالضبط من تقوّض أسسها. وبالطبع، تغيّر الواقع العالمي بعد مرور سبعين سنة، خاصة أنّ الاستقرار النسبي للسلم العالمي قد فقد آلياته. إذ لطالما قام هذا الاستقرار على توازنٍ بين قطبين، لم يبقَ منهما سوى قطبٌ واحد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. إنّ من ينافس هذا القطب اليوم اقتصادياً وتقنياً، وليس بعد عسكرياً، هو الصين الشعبية.

وفي حين أطلق تأسيس الأمم المتحدة موجة تحرّرٍ لبلدان كثيرة من قوى الاستعمار المباشر القديم، برزت اليوم قوى جديدة وأشكالٌ حديثة من الاستعمار تقوّض أسس السلم العالمي. لم تقبل القوى الكبرى الاستعمارية القديمة بسهولة مبادئ «الإعلان». ففرنسا ارتكبت مجزرةً في مدينة سطيف في الجزائر يوم استسلام ألمانيا، وقصفت المجلس النيابي السوري بعد ذلك بأسبوعين. وبريطانيا قمعت ثورة الفيتناميين ضدّ اليابانيين لتسليم بلادهم لفرنسا. هذا بالرغم من كلّ الدمار والمآسي التي حلّت بفرنسا وبريطانيا خلال الحرب الثانية. إلا أنّ القطبين الكبيرين المنتصرين قوّضا آلية الاستعمار القديم، كما حصل عندما وقف الاثنان ضدّ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ليحلّ مكانه تنافسهما… وأحياناً عبر الحرب.

***

إنّ منظومة الأمم المتحدة لم تمنع قيام حروبٍ كبرى. حروبٌ انخرطت فيها الأمم المتحدة ذاتها، كحرب كوريا، وحرب الخليج 1990-1991، وحرب يوغوسلافيا السابقة 1990-2001، ولكنّها كلّها حروبٌ جرت في ظلّ غياب توازن القطبين. وحروبٌ فشلت الأمم المتحدة في درئها، كحرب فيتنام 1955-1975، والحروب العربية الإسرائيلية، والحرب العراقية-الإيرانية 1980-1988. وحروبٌ أخرى قوّضت شرعية الأمم المتحدة، كغزو العراق عام 2003، وحروب السودان واليمن وليبيا وسوريا، ومؤخّراً الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان.

إلا أنّ دخول الأمم المتحدة مرحلة «عجزٍ سريري» أضحى أكثر وضوحاً اليوم في ما يخصّ الحفاظ على السلم الدولي. فقد تحوّل مجلس الأمن إلى «حلبة صراع» بين القوى التي حصلت في الماضي على حقّ النقض (الفيتو). وضربت كثيرٌ من الدول عرض الحائط بقرارات مجلس الأمن، أي تلك التي اتُّخذت بالتوافق. وحلّ «قانون القوّة» مكان «قوّة القانون». فها هي الولايات المتحدة تفرض عقوباتها الأحادية على مسؤولين في الأمم المتحدة وعلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، بل وتوقِف مساهماتها المالية المهمة لها، حتى للمهمّات الإنسانية. وها هي الأمم المتحدة عاجزة أمام ما وصفته مؤسساتها بأنّه «إبادة جماعية» في غزّة.

إلا أنّ دور الأمم المتحدة ما زال أساسياً في درء آثار الحروب والكوارث الطبيعية والفقر على الأمن الغذائي والصحّة والتعليم وقضايا المناخ وغيرها. هذا بالرغم من أنّها تُنتقد حتى من الشعوب والدول الضعيفة التي تحتاج إلى مساعداتها، لأنّها فشلت في حماية المدنيين (في رواندا وغيرها)، وكثيراً ما تعتمد ازدواجيةً في معايير حقوق الإنسان، حيث تكون صمّاء بحسب هوية الضحايا والمعتدين، وأنّها باتت ضعيفة أمام حجم التحديات.

***

في الماضي، وبالتوازي مع إنشاء الأمم المتحدة، قامت محاولات لتشكيل تكتّلات وأقطاب تساعد على ترسيخ التعاون بين الدول بغية ترسيخ السلام العالمي، أي ما سُمّي لاحقاً بتعدّد الأقطاب. بعضها نجح، كالاتحاد الأوروبي، وبعضها أصبح هيكلاً فضفاضاً كالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الإفريقي. وبعضها بقي على مستوى تكتّلٍ اقتصادي قلّما يكون له دور سياسي، كمجموعة البريكس ومنظّمة شنغهاي للتعاون، أو حتى مجموعتَي G7 وG20. وبعضها فشل وتلاشى، كمنظّمة عدم الانحياز.

إقرأ على موقع 180  لقاء ترامب - نتنياهو يُحدّد مصير المرحلة الثانية في غزة

إلا أنّ هذه التكتّلات، وتعدّد الأقطاب، لا يشكّلان بالضرورة أساساً للسلم العالمي. فمن ناحية، تغيّرت كلياً أشكال الحروب، لتصبح حروب سيطرة تقنية، وحروباً بالوكالة عبر تنظيمات ما دون الدولة، وحروباً نفسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي المشغّلة بالذكاء الاصطناعي، وتفكيكاً لمؤسسات الدول ذاتها. ومن ناحية أخرى، برزت اليوم قوى متوسطة تتنافس في ما بينها على النفوذ للهيمنة على الدول الهشّة أو الضعيفة، حتى حين تنتمي هذه القوى المتوسطة إلى التكتّل ذاته. هكذا يبرز التنافس واضحاً ضمن دول الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي وغيرهما.

ومع صعود قوى سياسية تقوم على مشاعر العداء للآخر إلى الحكم في معظم الدول، يبدو واضحاً أنّ الأمن العالمي قد أفلت من عقاله، دون أيّة آلية لضبط الصراعات التي تتفجّر يوماً بعد يوم. ويبدو المشهد شبيهاً بما جرى حين عجزت «عصبة الأمم» عن درء الحرب العالمية الثانية، لتأتي «منظّمة الأمم المتحدة» وتحلّ محلّها رسمياً في 20 نيسان/أبريل 1946. فها هي الولايات المتحدة تهمّش الأمم المتحدة، وتستبدل حقوق الشعوب بوعود الاستثمار، والتعددية بالصفقات الثنائية. آلياتٌ جديدة لا تشكّل أرضيةً للسلام بل للحروب والهيمنة، وتخلق شعوراً مريراً بأنّه لا رادع لمن تعرّض لمآسي ومجازر الحرب العالمية الثانية من أن يخلق بدوره المآسي ويرتكب مجازر كبرى اليوم.

***

في هذا المناخ، تواجه الدول الأكثر هشاشة معضلة وجودية، بين مقاومة الهيمنة في وجه قوى لا حدّ لقوّتها، وبين العمل على دبلوماسية متعدّدة الانحيازات تكسب لها وقتاً دون ضمانة، وبين الخضوع للهيمنة الأميركية كلياً، وهنا أيضاً دون ضمانة ألّا تطيح مطامع دولٍ أكثر انخراطاً منها مع الولايات المتحدة، كإسرائيل، حتى بما سعت إلى حمايته بالخضوع. معضلةٌ تعيشها حتى قوى متوسطة في تحالفات إقليمية راسخة.

والسؤال اليوم هو عن مدى المآسي، وعن حجم التضحيات التي سيعيشها البشر كي يأتي تأسيسٌ جديد لمنظومة سلمٍ عالمي آخر، وإصلاحٌ جوهري «للأمم المتحدة»، وكي تخرج الشعوب من جديد من منطق العدائية للآخر، وكي تخرج السياسة المحلية والدولية من هيمنة المال وتقانات التلاعب بالمفاهيم الأخلاقية.

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ما بين الترسيم اللبناني.. والاتفاق النووي!