طهران تستعيد مظلة الردع فوق بيروت… وواشنطن تكبح اندفاعة تل أبيب

خاب أمل المراهنين على عدم رد إيران على القصف "الإسرائيلي" للضاحية الجنوبية لبيروت، وفرجت أسارير المراهنين على الرد الإيراني. ولكن بين الاثنين، وبقراءة متأنية، بالإمكان القول إن طهران استطاعت، بقرارها الجريء بقصف المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، أن تفرض إيقاعها في هذه الحرب، وأن تعيد وضع مظلة أمان إيرانية فوق الضاحية، ما أزعج فريق السلطة اللبنانية المتمسك بالمفاوضات المباشرة مع "إسرائيل" تحت الرعاية الأميركية.

ما هي نتيجة المواجهة النارية بين “إسرائيل” وإيران بعد قصف الأولى للضاحية الجنوبية لبيروت ورد الثانية بقصف فلسطين المحتلة؟

مهما ارتفعت أصوات الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس حكومته نواف سلام بالقول إن لا أحد يفاوض عن لبنان، فإن الممارسة تشير إلى أن من يفاوض في واشنطن ليس لبنان، إن كان يصح أن نسمي ما يحصل هناك مفاوضات. فالبيان الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية بعد آخر جلسة مفاوضات، يشير بما لا يقبل الشك إلى أن هناك إملاءات أميركية ـ صهيونية وامتثالاً من ممثلي جزء من السلطة اللبنانية الجالس على طاولة المفاوضات. وعلى أي حال، فإن مواجهة نهاية الأسبوع، من بيروت إلى تل أبيب وطهران وعدن، تشير إلى أن طاولة واشنطن ومقرراتها باتت ضعيفة التأثير في تطورات الأحداث على الأرض.

لقد سبقت الغارات المعادية على الضاحية الجنوبية، بعد ظهر يوم الأحد، إشاعة أجواء إيجابية عن قرب التوصل إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بموجب مذكرة تفاهم – تسوية ما لا ترضي الجانب الصهيوني، وكان مصدر هذه الأجواء مسؤولون في الإدارة الأميركية. فجاء القرار “الإسرائيلي” بالإغارة على الضاحية، في محاولة لتحقيق عدة أهداف بضربة واحدة:

أولاً: محاولة ضرب معادلة الردع الإيراني: أي استهداف “إسرائيلي” لبيروت وضاحيتها الجنوبية سيستوجب رداً إيرانياً.

ثانياً: كانت الغارة “الرمزية”، بأحد أهدافها، أشبه ما تكون باستطلاع بالنيران، لاستكشاف ما إذا كانت إيران فعلاً سترد إذا قُصفت الضاحية. فإن ردّت، فإنها ستحرج الولايات المتحدة وتخرب التطورات الإيجابية في المفاوضات مع إيران، وإن لم ترد فإنها تكون قد أنهت معادلة الردع القائمة على عدم ضرب بيروت والضاحية.

ثالثاً: استطلاع مدى جدية القيادة الجديدة في إيران، بقيادة المرشد الجديد مجتبى الخامنئي، في مواصلة المواجهة مهما كبرت الأثمان.

لي الأذرع بين إيران وأميركا

لم يطل الوقت قبل أن ترد إيران بعنف عبر إطلاق أكثر من ثلاثين صاروخاً فرط صوتي على مناطق عدة في فلسطين المحتلة، أضف إلى ذلك دخول “حركة أنصار الله” اليمنية على خط المواجهة بإطلاق صاروخ واحد وبيان يعلن إغلاق مضيق باب المندب في وجه السفن “الإسرائيلية”.

حاولت القيادة “الإسرائيلية” دفع الأمور إلى شكل يحول الفعل ورد الفعل إلى استئناف للحرب ضد إيران، فردت على الرد الإيراني بغارات على أهداف عدة في إيران، ما استدعى مواصلة إيران الرد الناري. هنا جاء الدور الأميركي، الذي له حسابات مختلفة في الحرب. فأعلن أولاً أن القوات الأميركية لم تشارك في التصدي للصواريخ الإيرانية التي أُطلقت نحو فلسطين المحتلة، وبعدها اتصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو وأمره بوقف الحرب والاكتفاء بما حصل. ليتبع ذلك إعلان ترامب أن على الطرفين التوقف عن إطلاق النار بعد أن ضربا بعضهما البعض.

وهكذا، فإنه بالإمكان القول إن رهان القيادة “الإسرائيلية” على تخريب المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية والدفع باتجاه استئناف الحرب على إيران لم ينجح، كما أن رهانها على إنهاء الدور الإيراني الرادع، الذي شكل مظلة أمنية لبيروت والضاحية الجنوبية أيضاً، لم ينجح. فيما تأكد لها أن السيد الخامنئي الإبن جاد في مواصلة المعركة إلى أبعد حدود مهما بلغت التضحيات.

وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا لم تدخل القوات الأميركية على خط المواجهة واكتفت بلعب دور المراقب والناصح للقيادة “الإسرائيلية” بأن تلتزم الهدوء؟

لقد عرف ترامب، ومعه أركان إدارته، أن المعركة مع إيران ليست نزهة، وأن فارق ميزان القوى بين أميركا وإيران لا يعني أن الأخيرة ستستسلم بسهولة. فهو تيقن أن رهانه على إسقاط النظام بعد الضربة القاسية التي تعرض لها في بداية الحرب قد سقط، ورهانه على إسقاط النظام عبر الاحتجاجات الشعبية وتسليح قوى معارضة للنظام قد سقط أيضاً. وهو يعرف أن الحصار الاقتصادي والمالي، مهما اشتد، يحتاج إلى سنوات طويلة ليعطي النتائج التي ترجوها واشنطن، وبخاصة أن مساحة إيران المترامية جغرافياً، وحدودها مع أكثر من عشر دول، واعتياد شعبها على شظف العيش بعد تجربة الحرب العراقية الإيرانية لمدة ثماني سنوات، يعطيها هامشاً كبيراً للمناورة الاقتصادية. فيما يترنح الاقتصاد العالمي، تحت وطأة إقفال مضيق هرمز من قبل إيران، وإقفال الممرات المقابلة من قبل واشنطن. كما أن الاقتصاد الأميركي بات يعاني أيضاً من التضخم الذي تجاوز 3.5 في المئة، وارتفع سعر غالون البنزين العادي إلى ما فوق أربعة دولارات، فيما كان ترامب قد تعهد في حملته الانتخابية أن يجعله دون الدولارين.

أمام هذه المشهدية، فإن واشنطن باتت بأمس الحاجة إلى إنهاء الوضع الذي أشعلته في المنطقة، لأنه لا مصلحة عسكرية أو اقتصادية لها في استمراره.

إقرأ على موقع 180  اللبنانيون لن يكونوا غزة أو ضفة

رودولف هيكل إلى إسلام آباد

وفي حدث يتصل بالملف الجنوبي، سياسياً وميدانياً، فإن عملية الاغتيال التي نفذها الطيران “الإسرائيلي” بحق ضابطين وجندي لبنانيين، في منطقة الخردلي، جاءت قبل يوم واحد من توجه قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع نظيره الباكستاني الجنرال عاصم منير. غير أن أي مراقب بإمكانه أن يتلمس أن عملية اغتيال العسكريين اللبنانيين كانت رسالة “إسرائيلية” عنيفة لهيكل لمنعه من السفر الذي سيجعله مطلعاً على مسار إسلام آباد، لكن هيكل تجاوز الرسالة “الإسرائيلية” وواصل مهمته الإستكشافية.

بعد ذلك مباشرة جاءت الغارات “الإسرائيلية” على الضاحية الجنوبية، التي لم تستهدف أحداً من قيادة الحزب، بحسب بيان الجيش “الإسرائيلي”، أي أنها أتت، كما أسلفنا، لتخريب مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وغيرها من الأهداف.

وهذا يؤشر إلى أن القيادة “الإسرائيلية” باتت تتخبط في وضع تعرف فيه أن جيشها بدأ يغرق في وحول الجبهة مع لبنان، حيث لا يمر يوم واحد من دون سقوط قتلى وجرحى في صفوفه، بالإضافة إلى إعلانه الصريح أنه لا يملك حلولاً لمواجهة الطائرات المسيّرة (FPV) للمقاومة اللبنانية بأنواعها المختلفة.

وقد وصف المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل العمليات العسكرية العدوانية التي تقوم بها إسرائيل في لبنان بأنها تشف عن حالة جمود دموية، معتبرًا أنه في ضوء الخسائر التي تكبدتها قوات الاحتلال خلال الأسبوع الأخير تجعله بمثابة الأسبوع الأصعب في لبنان منذ شهر آذار/مارس الماضي، وهو أيضًا الثمن الذي تدفعه في مقابل استمرار القتال في لبنان، ضمن حملة عسكرية لم تتضح أهدافها بالكامل، وتُدار فيها القوة العسكرية الإسرائيلية في ظل قيودٍ فرضتها الولايات المتحدة.

بناء على ما تقدم، فإن هذه الحرب التي انطلقت شرارتها الأولى بالعدوان الأميركي “الإسرائيلي” على إيران، إن كان من فرصة لإنهائها فلا بد أن تكون في إيران. ونيرانها التي تمددت إلى لبنان بقرار المقاومة الانضمام إلى إيران في المواجهة، كان قراراً جريئاً فيه الكثير من التضحيات الغالية، لكنه سينجح في إنهاء التفسير “الإسرائيلي” الأحادي لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي رأى فيه استمراراً للعدوان “الإسرائيلي” والتزاماً من المقاومة بعدم الرد.

بدأت شعلة النيران في إيران، وتنتهي في إيران. ولبنان هو أبرز موضوع في مفاوضات إسلام آباد، فإما أن يستدرك بعض السلطة نفسه ويشارك هناك، وإما أن يتمسك بتنفيذ الإملاءات الأميركية ـ “الإسرائيلية” ويبقى خارج الحدث، فيما ستكون المقاومة هي الممثل الفعلي للبنان في إسلام آباد.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  أصوات المغتربين الفرنسيين تعاكس تيار اليمين المتطرف.. بالأرقام