منذ اللحظة التي بدأ فيها الحديث الجدي عن احتمال ولادة تفاهم أميركي ـ إيراني جديد، دخل الشرق الأوسط مرحلة من التوتر السياسي، وكأن المنطقة تقف على أعتاب تحوّل تاريخي يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات. غير أن قراءة المشهد بعيداً عن الانفعالات والشعارات تكشف حقيقة أكثر تعقيداً، مفادها أن العلاقة بين واشنطن وطهران لم تكن يوماً صراعاً تقليدياً بين عدوّين بالمفهوم الكلاسيكي، بل شكّلت على الدوام جزءاً من إدارة دقيقة للتوازنات الإقليمية والدولية.
لم تنظر الولايات المتحدة، وخصوصاً الحزب الديموقراطي، إلى إيران باعتبارها مجرد “دولة متمرّدة”، بل كقوة إقليمية تمتلك دوراً وظيفياً داخل بنية الشرق الأوسط، فيما بنت إيران مشروعها السياسي والعقائدي على قاعدة مواجهة الهيمنة الأميركية، مع قدرتها في الوقت نفسه على استثمار التناقضات الدولية لتحويل نفسها إلى لاعب يصعب تجاوزه أو عزله.
من هنا، لا يمكن قراءة أي تفاهم أميركي ـ إيراني باعتباره انتصاراً كاملاً لطرف على آخر، بل باعتباره تسوية مرحلية تهدف إلى تنظيم المصالح، وضبط الصراعات، ومنع الانفجار الشامل في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ نهاية الحرب الباردة.
أولاً؛ من كيسنجر إلى الحرب الباردة الجديدة
ضمن هذا المنطق، جرى توزيع الأدوار الإقليمية على قاعدة دقيقة:
-دعم الأنظمة العربية الحليفة ضمن الفلك الأميركي.
-التعايش مع إيران قوة إقليمية مزعجة لكن ضمن سقوف مدروسة.
-استخدام الصراعات المذهبية والإقليمية كأدوات استنزاف في الشرق الأوسط.
وعلى امتداد العقود الماضية، مالت الإدارات الجمهورية إلى سياسة الضغوط القصوى والعقوبات على إيران، فيما فضّلت الإدارات الديموقراطية سياسة الاحتواء والتفاوض، كما حدث مع التفاهم النووي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
لكن المشهد الدولي اليوم بات أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تصاعد التنافس الأميركي ـ الصيني. فالعلاقة بين واشنطن وبكين دخلت مرحلة جديدة من “التوازن الحذر”، حيث تدرك الولايات المتحدة أن المواجهة الكبرى المقبلة لن تكون محصورة في الشرق الأوسط، بل تتعلق بمستقبل النظام العالمي نفسه.
ومع ذلك، لا يعني هذا وجود تقارب تقليدي بين واشنطن وبكين، بل صراعاً استراتيجياً طويل الأمد يُدار وفق توازنات دقيقة، أشبه بحرب باردة جديدة، لكن بأدوات اقتصادية وتكنولوجية وجيوسياسية أكثر تعقيداً من تلك التي حكمت الصراع الأميركي ـ السوفياتي سابقاً.
ثانياً؛ إيران بين واشنطن وبكين
تدرك الولايات المتحدة أن إسقاط إيران أو تفكيكها ليس خياراً واقعياً، لأن ذلك قد يفتح أبواب الفوضى من الخليج إلى آسيا الوسطى. فإيران ليست مجرد دولة نفطية، بل ركيزة جيوسياسية تمتلك:
-موقعاً استراتيجياً يتحكم بممرات الطاقة.
-قاعدة صناعية وعسكرية متطورة نسبياً.
-شبكة نفوذ تمتد من العراق إلى لبنان واليمن وفلسطين.
-قدرة عالية على إدارة الحروب غير التقليدية.
لكن التحول الأبرز بالنسبة لواشنطن جاء مع تعاظم التقارب بين طهران وبكين، وخصوصاً بعد تعمّق الشراكة الصينية ـ الروسية، ودخول موسكو العسكري إلى سوريا عام 2015، ما دفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع النفوذ الإيراني باعتباره جزءاً من معركة النفوذ الكبرى مع الصين.
وفي هذا السياق، لم يعد الملف الإيراني مجرد قضية نووية أو إقليمية، بل بات جزءاً من صراع عالمي يتعلق بالممرات التجارية والطاقة ومشروع “الحزام والطريق” الصيني، إضافة إلى مستقبل السيطرة على أهم منطقة استراتيجية في العالم.
لذلك، فإن أي مفاوضات أميركية ـ إيرانية ستبقى مرتبطة بشكل غير مباشر بالتفاهمات الأميركية ـ الصينية، حيث تسعى واشنطن إلى منع تحوّل إيران إلى قاعدة نفوذ كاملة ضمن المشروع الصيني، فيما تحاول بكين حماية مصالحها الاقتصادية والطاقة من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ثالثاً؛ لبنان في قلب التسويات
لكن الاعتقاد بأن أي تفاهم سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء المقاومة أو نزع سلاحها يبدو تبسيطاً مفرطاً للمشهد. فالمقاومة في لبنان لم تعد مجرد ملف أمني، بل تحولت إلى عنصر توازن داخلي وإقليمي مرتبط بالصراع مع إسرائيل.
وما قد يتغير فعلياً ليس وجود المقاومة بحد ذاته، بل طبيعة الدور الذي ستلعبه في المرحلة المقبلة:
-الانتقال من المواجهة المفتوحة إلى الضبط السياسي والعسكري.
-تخفيف منسوب الاشتباك الإقليمي.
-إدخال لبنان في تسويات اقتصادية ومالية مقابل الاستقرار الأمني.
-محاولة دمج المقاومة ضمن معادلة الدولة برعاية إقليمية (سعودية ومصرية وإيرانية).
وفي المقابل، يبقى خطر الانفجار قائماً في حال فشل التفاهمات الدولية، لأن أي انهيار للتوازنات قد يدفع المنطقة نحو مواجهة واسعة، يتحول فيها لبنان مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
رابعاً؛ العرب والتحولات الكبرى
أحد أبرز ما تكشفه هذه التحولات هو هشاشة النظام العربي الرسمي، إذ أن العديد من الدول العربية بنت استراتيجياتها لعقود على أساس المظلة الأميركية، قبل أن تكتشف أن واشنطن تدير مصالحها وفق حساباتها الخاصة، لا وفق مصالح حلفائها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إيران، برغم العقوبات والحصار، استطاعت أن تفرض نفسها لاعباً إقليمياً أساسياً، فيما تراجعت أدوار عربية كبرى بفعل الارتهان للخارج والانقسامات الداخلية وغياب المشاريع الاستراتيجية المستقلة.
كما يزداد المشهد الإقليمي تعقيداً مع استمرار الحرب في غزة، والتحولات المتسارعة في سوريا والعراق، ودخول قوى جديدة على خط التوازنات، في ظل صراع عالمي مفتوح على النفوذ والطاقة والممرات التجارية.
خامساً؛ المقاومة بين التحول والاستمرار
إلا أن التجارب التاريخية أثبتت أن القوى التي تمتلك مشروعاً عقائدياً وتنظيماً عابراً للأزمات لا تسقط بسهولة، بل تعيد تموضعها وفق التحولات. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة إنهاء المقاومة، بل مرحلة إعادة تعريف دورها داخل شرق أوسط جديد يتشكل فوق أنقاض الحروب والصراعات الكبرى.
وفي هذا السياق، تبدو المؤشرات الأولى لأي تفاهم محتمل شديدة الدلالة. فبمجرد تصاعد الحديث عن تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وطهران، عاد بنيامين نتنياهو للتشديد على استكمال الحرب ضد حزب الله بغطاء أميركي واضح، فيما رفع الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم منسوب الخطاب السياسي، مؤكداً التمسك بالسلاح ورافضاً أي مسار تفاوضي مباشر يُفضي إلى فرض وقائع جديدة على المقاومة؛ وهذا يعني أن لبنان سيبقى، حتى إشعار آخر، في قلب منطقة الخطر، لا في جنوبه فحسب، بل على امتداد الجغرافيا اللبنانية، خصوصاً مع تنامي هواجس إسرائيل من تطور قدرات المسيّرات واتساع دائرة التهديد نحو مناطق الشمال، ما يجعل أي اهتزاز إقليمي قابلاً للتحول سريعاً إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز الحدود التقليدية للصراع.
خلاصة
يدخل الشرق الأوسط اليوم مرحلة إعادة تموضع تاريخية، وما يجري بين واشنطن وطهران يتجاوز بكثير حدود مضيق هرمز والملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، ليصل إلى إعادة توزيع النفوذ والأدوار ضمن الصراع العالمي على النظام الدولي الجديد.
أما لبنان، فسيبقى ساحة شديدة الحساسية تتقاطع فوقها المصالح الدولية والإقليمية، حيث لا انتصار نهائياً لأي طرف، ولا قدرة لأي قوة على إلغاء الأخرى بالكامل.
وفي عالم تحكمه المصالح لا العواطف، تبقى الحقيقة الثابتة أن الدول التي لا تمتلك عناصر القوة الذاتية، ولا تبني وحدتها الداخلية ومؤسساتها السيادية، تتحول عاجلاً أم آجلاً إلى أوراق تفاوض على طاولات الآخرين، مهما اعتقدت أنها شريك في صناعة القرار.
