حتى لا يتحول المريض النفسي في مصر إلى مجرد «خبر»؟

بين الحين والآخر، تستيقظ مصر على واقعة صادمة داخل أسرة مصرية عادية. شخص يؤذي نفسه، أم أو أب يعتدي على أحد أبنائه، أو جريمة تبدو في ساعاتها الأولى غير قابلة للفهم. وبعد قليل، وبينما تبحث وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن تفسير لما حدث، تظهر الجُملة التي أصبحت مألوفة على نحو مخيف: “كان يعاني من اضطرابات نفسية”. 

تُقال هذه الجملة عادة بعد أن يصبح صاحبها في خبر كان؛ بعد وصول الشرطة، وبعد أن تتصدر الواقعة مواقع التواصل، وبعد أن يبدأ الجيران والأقارب في استعادة علامات ربما كانت موجودة منذ شهور أو سنوات:

-كان منعزلًا.

-كان مختلفًا في الفترة الأخيرة.

-كان يمر بأزمة.

-كان يتناول أدوية.

-توقف عن العلاج.

-لم يكن على ما يرام.

لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: أين كان الجميع قبل أن يصل الأمر إلى هنا؟

المشكلة ليست في البحث عن مرض نفسي خلف كل جريمة، ولا في افتراض أن المصاب بالاكتئاب أو أي اضطراب نفسي يمثل خطرًا على الآخرين. هذا الربط، فضلًا عن كونه غير دقيق، يضيف وصمة جديدة إلى أشخاص يعانون بالفعل.

لكن تكرار ظهور “المرض النفسي” كجزء من رواية عدد من الحوادث المأساوية يفتح سؤالًا مختلفًا تمامًا: ماذا يحدث للمريض النفسي في مصر قبل أن يصبح حالة طارئة؟ وهل نملك فعلًا منظومة قادرة على الوصول إليه مبكرًا، أم أننا لا نراه إلا عندما تصبح معاناته أكبر من قدرة الأسرة والمجتمع على تجاهلها؟

“هو بس مضغوط”

ربما تبدأ المشكلة قبل الوصول إلى باب الطبيب بوقت طويل.

ففي بيوت مصرية كثيرة، لا تزال الحدود بين الحزن والمرض النفسي غير واضحة، كما لا يزال الاعتراف بالحاجة إلى طبيب نفسي أمرًا أكثر صعوبة من الاعتراف بالحاجة إلى أي تخصص طبي آخر.

-من ينام لساعات طويلة “كسول”.

-من ينعزل “مش عايز يقعد مع حد”.

-من يفقد اهتمامه بالحياة “لازم يشغل نفسه”.

-من يعاني نوبات قلق متكررة “بيفكر زيادة”.

لكن من تتغير تصرفاته بصورة حادة قد يجد عشرات التفسيرات قبل أن يسمع اقتراحًا بالذهاب إلى طبيب نفسي.

الأمر لا يتعلق بالجهل وحده. فالوصمة المرتبطة بالمرض النفسي ما تزال حاضرة في اللغة اليومية نفسها. زيارة الطبيب النفسي قد تتحول إلى سر عائلي، وتناول الدواء النفسي قد يُنظر إليه باعتباره شيئًا ينبغي إخفاؤه، بينما يخشى البعض أن يلاحقهم التشخيص في الزواج أو العمل أو حتى في نظرة أقرب الناس إليهم.

وهكذا قد يصبح الإنكار أسهل من العلاج.

ولكن.. هل المشكلة في المجتمع فقط؟

من السهل تحميل الأسرة المسؤولية.

أن نقول إنها لم تنتبه، أو إنها لم تأخذ المرض النفسي بالجدية الكافية، أو إنها تأخرت في طلب المساعدة.

لكن السؤال الأكثر عدلًا هو: لو قرّرت الأسرة طلب المساعدة، فهل ستجدها بسهولة؟

هنا يتحول النقاش من الثقافة إلى الاقتصاد ومن المسؤولية الفردية إلى مسؤولية النظام الصحي.

العلاج النفسي ليس زيارة واحدة تنتهي بوصفة دواء. بعض الحالات تحتاج متابعة طويلة، وأخرى تحتاج جلسات علاج نفسي منتظمة، وقد يحتاج المريض إلى طبيب ومعالج وأدوية وفحوصات، وربما دخول المستشفى في مراحل معينة.

بالنسبة لأسرة تواجه أصلًا معضلات إيجار المنزل وفواتير الكهرباء والطعام والتعليم والمواصلات، يمكن أن يتحول العلاج النفسي المستمر إلى بند يصعب تحمله.

أما الخدمات الحكومية، فوجودها لا يعني بالضرورة أن الوصول إليها متساوٍ بين الجميع. المسافة بين من يعيش بالقرب من مركز متخصص في القاهرة أو مدينة كبيرة وبين شخص في قرية أو محافظة بعيدة ليست مجرد كيلومترات؛ إنها فارق في المعرفة والوقت والمواصلات والقدرة على الاستمرار في العلاج.

وبالتالي، عندما نقول لشخص “اطلب المساعدة”، علينا أن نسأل في الوقت نفسه: مساعدة من؟ وأين؟ وبأي تكلفة؟

المريض الذي لا يريد العلاج

هناك سؤال أكثر تعقيدًا تتجنبه معظم النقاشات حول الصحة النفسية.

ماذا تفعل الأسرة عندما يكون الشخص نفسه رافضًا للعلاج؟

في المراحل التي يستطيع فيها الإنسان اتخاذ قراراته بصورة طبيعية، يبقى العلاج في الأساس حقًا وقرارًا شخصيًا. لكن بعض الاضطرابات والحالات الحادة قد تصل إلى مرحلة يصبح فيها تقييم الشخص للواقع أو لدرجة الخطر مختلفًا.

هنا تدخل الأسرة منطقة شديدة الحساسية.

هي ليست مؤهلة لتشخيص المرض، ولا ينبغي أن تتحول إلى طبيب أو شرطي داخل المنزل. وفي الوقت نفسه، قد تجد نفسها أمام تصرفات أو تهديدات تجعلها تخشى على الشخص أو على المحيطين به.

مصر لديها قانون لتنظيم رعاية المريض النفسي، ويتضمن ضوابط للحالات التي يمكن فيها إدخال شخص إلى منشأة للصحة النفسية دون إرادته. والفكرة الأساسية هنا شديدة الأهمية: الحفاظ على حق المريض في الحرية والكرامة، وفي الوقت نفسه توفير آلية للتدخل عندما يصبح الخطر جديًا وفق تقييم طبي وضوابط قانونية.

لكن وجود القانون وحده لا يجيب عن سؤال أكثر بساطة:

كم أسرة مصرية تعرف أصلًا ماذا تفعل عندما تصل إلى هذه المرحلة؟

إقرأ على موقع 180   من يغتال رؤساء الولايات المتحدة الأميركية؟

هل المرض النفسي يعني العنف؟

لا.

ومن الضروري قولها بوضوح.

وجود اضطراب نفسي لدى شخص ارتكب جريمة لا يعني أن الاضطراب هو الذي تسبب فيها، كما لا يعني أن الأشخاص الذين يعانون المرض نفسه معرضون لارتكاب الجريمة.

العنف ظاهرة معقدة يمكن أن تتداخل فيها عوامل كثيرة: تاريخ سابق من العنف، التعاطي، ظروف أسرية واجتماعية، ضغوط اقتصادية، بعض الاضطرابات الحادة، سهولة الوصول إلى وسائل الإيذاء، وغيرها.

بل إن اختزال كل واقعة غير مفهومة في جملة “المتهم مريض نفسي” قد يكون مريحًا للمجتمع أكثر مما هو تفسير حقيقي.

لأن وصف الجاني بـ”المجنون” يغلق القصة.

أما الاعتراف بأن وراء بعض المآسي سلسلة طويلة من الإشارات والمشكلات التي لم تجد تدخلًا مناسبًا، فيفتح أسئلة أصعب عن الأسرة والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والدولة.

السوشيال ميديا تعرف التشخيص قبل الطبيب

بعد كل واقعة صادمة تقريبًا تبدأ محكمة موازية على الإنترنت.

خلال ساعات، يتحول آلاف المستخدمين إلى أطباء نفسيين.

-هذا “نرجسي”.

-تلك “مريضة اكتئاب”.

-هذا “سيكوباتي”.

-آخر “ثنائي القطب”.

مصطلحات طبية معقدة تحولت في السنوات الأخيرة إلى مفردات يومية، تُستخدم أحيانًا لوصف أي شخص سيئ أو عنيف أو متقلب.

المفارقة أن المجتمع الذي لا يزال جزء منه يخشى الذهاب إلى الطبيب النفسي أصبح شديد الثقة في قدرته على تشخيص الآخرين من مقطع فيديو أو منشور.

والنتيجة ليست مجرد خطأ لغوي.

عندما يصبح “المريض النفسي” مرادفًا للشخص الخطير، قد يخاف الشخص الذي يعاني بالفعل من طلب المساعدة حتى لا يوضع داخل الصورة نفسها.

لماذا نشعر أن هذه الحوادث أصبحت أكثر؟

هناك فخ آخر ينبغي الحذر منه.

رؤية عدد كبير من القصص المأساوية على مواقع التواصل لا تعني بالضرورة أن معدلها ارتفع بالفعل.

نحن نعيش في زمن تستطيع فيه واقعة حدثت داخل شارع صغير في إحدى المحافظات أن تصل خلال ساعات إلى ملايين الأشخاص. الخوارزميات أيضًا تعرف أن الجريمة والخوف والصدمة تولد التفاعل، وبالتالي تبقى هذه القصص أمامنا لفترة أطول.

لذلك فإن القول إن “الجرائم الناتجة عن المرض النفسي تتزايد في مصر” يحتاج إلى بيانات لا إلى انطباعات.

وربما تكون المشكلة الأكبر أصلًا أن البيانات التي تسمح بفهم العلاقة بين الصحة النفسية والعنف والظروف الاجتماعية والاقتصادية ليست دائمًا متاحة بالصورة التي تسمح للصحفي والباحث والجمهور بتكوين صورة دقيقة.

وغياب البيانات يترك مكانها للرواية الأسهل.

“كان مريضًا نفسيًا”.

وتنتهي القصة.

ما قبل الخبر

ربما ينبغي أن نُغيّر السؤال.

بدلًا من أن نسأل بعد كل مأساة: كيف استطاع أن يفعل ذلك؟

نسأل قبلها: ماذا يحدث لشخص بدأ يفقد قدرته على العمل أو النوم أو التواصل مع الآخرين؟ إلى أين يذهب؟ كم ينتظر؟ كم يدفع؟ ماذا تفعل أسرته إذا رفض العلاج؟ وبمن تتصل الأسرة إذا شعرت بأن هناك خطرًا حقيقيًا؟

الصحة النفسية ليست مجرد حملات توعية في يوم عالمي ولا منشورات تخبر الناس بأن “طلب المساعدة ليس عيبًا”.

طلب المساعدة يحتاج أولًا إلى وجود مساعدة يمكن الوصول إليها.

يحتاج إلى طبيب متاح، وخدمة قريبة، وتكلفة يمكن تحملها، ومعلومات يعرفها الناس، ومسار واضح للطوارئ النفسية، ومجتمع يستطيع التفرقة بين المرض والخطر وبين الاضطراب النفسي والجريمة.

ويحتاج قبل كل ذلك إلى أن نتوقف عن انتظار النهاية كي نعترف بأن البداية كانت موجودة.

لأن المريض النفسي لا ينبغي أن يحتاج إلى ارتكاب جريمة أو محاولة انتحار أو انهيار كامل حتى نراه.

ولا ينبغي أن تكون أول مرة يهتم فيها المجتمع بقصته هي اللحظة التي تتحول فيها معاناته إلى عنوان.

فبين شخص كان يحتاج إلى علاج، وشخص أصبح “خبرًا”، قد تكون هناك شهور أو سنوات كاملة كان يمكن خلالها أن تحدث أشياء كثيرة.

 

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  من يدير البيت الأبيض؟