الهوية Archives - 180Post

780-1.jpg

ليس من الصعب ملاحظة شكل الحروب في منطقتنا التي كثيرًا ما تظهر بلبوس ديني، كالشعارات العقائدية، وخطابات التعبئة الطائفية، واستدعاء الهويات الدينية. ففي كل مرة تندلع فيها حرب يتقدم الدين إلى الواجهة، وكأننا أمام صراع ديني خالص تتواجه في الجماعات بإسم الحقيقة المطلقة. غير أن هذا الإنطباع، على قوته، قد يكون مضللًا بقدر ما هو ظاهر. فهذه الحروب التي تخاض بلغة الدين لا تعني بالضرورة انبثاقها عن رحمه.

DEBFFE4F-01FA-4E2F-977B-A86B6F294854.jpeg

في زمنٍ تتقدّم فيه الصورة على الفكرة، يظهر نمطٌ قياديّ يشتغل على الحضور بوصفه مركز السلطة، ويحوّل السياسة إلى مشهدٍ دائم التوهّج. هذا السياسي الاستعراضي ينسج تأثيره من القدرة على لفت الانتباه، من صناعة لحظةٍ صادمة تعيد ترتيب النقاش العام حوله. هنا تتشكّل شخصية تجمع عقلًا يحسب مسارات القوة ومهرّجًا يتقن إثارة الدهشة، فيتماهى القرار مع العرض، وتتحوّل اللغة إلى أداة اقتحامٍ نفسيّ قبل أن تكون وسيلة إقناع.

800-11.jpg

مع بداية ظهور الإمبراطوريات الأولى، وتحديداً في منطقة المشرق، لم يكن طابع الحروب أو شكلها من أجل السيطرة على الأرض فحسب، بل كان الهدف منها أيضاً تعريف الهوية. فكتاب التوراة، على سبيل المثال، صوّر صراعات قديمة بين بني إسرائيل والشعوب المحيطة من منظور لاهوتي، بالمقابل، تُظهر الحوليات الآشورية أو البابلية أن تلك الصراعات كانت صراعات نفوذ، لا صراعات عِرقية. أمّا في العصور الكلاسيكية، فقد قدّم هيرودوت النزاعات بين الإغريق والفرس على اعتبارها صراع حضارات، برغم أن الدافع الأساسي كان سياسياً-إمبراطورياً بالدرجة الأولى.

800-36.jpg

تتمثل المأساة الإنسانية في أعمق صورها عندما يُوضَع المرء أمام خيار مقايضة وجوده المعنوي بمكاسب مادية زائلة. فكرةٌ خلّدتها الأدبيات العالمية سواء في قصة «فاوست» (مسرحية فاوست لغوته) عبر مقايضة تمنح القوة مقابل الروح، وقصة «بيتر شليميل» (لأديلبرت فون شاميسو) عبر مقايضة ظله مقابل صُرّة مال لا تنضب. في القصتين نجد أن البطل يكتشف متأخرًا أن ما اعتبره تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه كان هو الحصن الذي يمنحه الكرامة والحماية والاعتراف بين البشر. وعند إسقاط هذه الرمزية على واقعنا اللبناني نجد أننا أمام من يُروّج لبيع الظل المقاوم مقابل وعود بالرفاهية الاقتصادية والرضا الدولي.

667.jpg

أعلنت حركة تقرير مصير منطقة القبائل (MAK ) Mouvement pour l’autodétermination de la Kabylie في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025 من باريس قيام ما سمّته "الجمهورية الفيدرالية للقبائل" واستقلال منطقة القبائل عن الجزائر، في خطوة وصفتها الحركة بأنها تاريخية في المسار الانفصالي. هذا الإعلان ليس معترفاً به دولياً ولا يجد لهُ صدى على الأرض في الجزائر، وهو يعتبر رمزياً من قبل هذه الحركة.

999-3-800x549-1.jpg

 يشهد النظام الدولي في مرحلته الراهنة عودة مقلقة إلى تديين السياسة وتسييس اللاهوت، بحيث تُستدعى النصوص الدينية والرموز العقائدية لتبرير خيارات جيوسياسية قصوى، وصولًا إلى التلويح بالعنف الواسع بوصفه فعلًا أخلاقيًا أو "مقدّسًا".

750-4.jpg

تقوم المعضلة الكردية على مفارقة مركزية: جماعة بشرية واسعة، متواصلة في ذاكرتها ولغتها وعاداتها، تعيش داخل أربع دول إقليمية كبرى، وتتحرك سياسيًا ضمن حدود رسمتها تحولات القرن العشرين وصراعاته. يتشكل المعنى الكردي عبر طبقات متراكبة: طبقة أنثروبولوجية تحمل سمات المجتمع وتقاليده، طبقة لغوية تُنتج الوعي بالذات، طبقة تاريخية تروي سرديات الأصل والانتماء، ثم طبقة استراتيجية تُترجم كل ذلك إلى سؤال القوة والحدود والاعتراف والتمثيل.

800-1.png

يتناول كتاب "اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية" للدكتور نجيب عيسى سؤالاً مركزياً ظل يلاحق التجربة اللبنانية منذ الاستقلال: لماذا عجز لبنان، برغم كفاءاته البشرية وأمواله المتدفقة وموقعه الجغرافي، عن بناء اقتصاد منتج وتنمية مستدامة، بينما تمكنت دول أفقر وأكثر هشاشة من تحقيق ذلك؟ يقدّم عيسى جواباً حاسماً: فشل التنمية لم يكن صدفة ولا مجرد نتيجة فساد وسوء إدارة، بل هو إعاقة مقصودة وبنيوية، لأن أي تنمية حقيقية كانت ستنسف الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي–الطائفي والريعي القائم.

750-17.jpg

"القرون الوسطى" هو بالطّبع مفهوم أوروبيّ- وغربيّ- المنشأ والسّياق بشكل أساسيّ، ويُستخدم عادةً وعموماً للدّلالة على مرحلةِ ما بعد سقوط الامبراطوريّة الرّومانيّة العُظمى، وصولاً إلى ما يُسمّيه أبرز مؤرّخيهم ببداية عصر النّهضة أو بداية عصر "البعث" (Renaissance) أو ما إلى ذلك. ولكنّ لهذا المفهوم، ببنائه الغالب عندهم وبصورته المهيمنة، دلالات أعمق من ذلك طبعاً: فمن مقاصده لديهم أن يدلّ على ظواهر متعدّدة ومتنوّعة في هذا الاطار، أغلبها "سلبيٌّ" في نظرهم، وعلى رأسها ما يُسمّونه عادةً "بالظّلاميّة" (وضمنيّاً ربّما "بالتّخلّف").. وصولاً إلى تجلّيات متعدّدة.