الهوية Archives - 180Post

800-36.jpg

تتمثل المأساة الإنسانية في أعمق صورها عندما يُوضَع المرء أمام خيار مقايضة وجوده المعنوي بمكاسب مادية زائلة. فكرةٌ خلّدتها الأدبيات العالمية سواء في قصة «فاوست» (مسرحية فاوست لغوته) عبر مقايضة تمنح القوة مقابل الروح، وقصة «بيتر شليميل» (لأديلبرت فون شاميسو) عبر مقايضة ظله مقابل صُرّة مال لا تنضب. في القصتين نجد أن البطل يكتشف متأخرًا أن ما اعتبره تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه كان هو الحصن الذي يمنحه الكرامة والحماية والاعتراف بين البشر. وعند إسقاط هذه الرمزية على واقعنا اللبناني نجد أننا أمام من يُروّج لبيع الظل المقاوم مقابل وعود بالرفاهية الاقتصادية والرضا الدولي.

667.jpg

أعلنت حركة تقرير مصير منطقة القبائل (MAK ) Mouvement pour l’autodétermination de la Kabylie في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025 من باريس قيام ما سمّته "الجمهورية الفيدرالية للقبائل" واستقلال منطقة القبائل عن الجزائر، في خطوة وصفتها الحركة بأنها تاريخية في المسار الانفصالي. هذا الإعلان ليس معترفاً به دولياً ولا يجد لهُ صدى على الأرض في الجزائر، وهو يعتبر رمزياً من قبل هذه الحركة.

999-3-800x549-1.jpg

 يشهد النظام الدولي في مرحلته الراهنة عودة مقلقة إلى تديين السياسة وتسييس اللاهوت، بحيث تُستدعى النصوص الدينية والرموز العقائدية لتبرير خيارات جيوسياسية قصوى، وصولًا إلى التلويح بالعنف الواسع بوصفه فعلًا أخلاقيًا أو "مقدّسًا".

750-4.jpg

تقوم المعضلة الكردية على مفارقة مركزية: جماعة بشرية واسعة، متواصلة في ذاكرتها ولغتها وعاداتها، تعيش داخل أربع دول إقليمية كبرى، وتتحرك سياسيًا ضمن حدود رسمتها تحولات القرن العشرين وصراعاته. يتشكل المعنى الكردي عبر طبقات متراكبة: طبقة أنثروبولوجية تحمل سمات المجتمع وتقاليده، طبقة لغوية تُنتج الوعي بالذات، طبقة تاريخية تروي سرديات الأصل والانتماء، ثم طبقة استراتيجية تُترجم كل ذلك إلى سؤال القوة والحدود والاعتراف والتمثيل.

800-1.png

يتناول كتاب "اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية" للدكتور نجيب عيسى سؤالاً مركزياً ظل يلاحق التجربة اللبنانية منذ الاستقلال: لماذا عجز لبنان، برغم كفاءاته البشرية وأمواله المتدفقة وموقعه الجغرافي، عن بناء اقتصاد منتج وتنمية مستدامة، بينما تمكنت دول أفقر وأكثر هشاشة من تحقيق ذلك؟ يقدّم عيسى جواباً حاسماً: فشل التنمية لم يكن صدفة ولا مجرد نتيجة فساد وسوء إدارة، بل هو إعاقة مقصودة وبنيوية، لأن أي تنمية حقيقية كانت ستنسف الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي–الطائفي والريعي القائم.

750-17.jpg

"القرون الوسطى" هو بالطّبع مفهوم أوروبيّ- وغربيّ- المنشأ والسّياق بشكل أساسيّ، ويُستخدم عادةً وعموماً للدّلالة على مرحلةِ ما بعد سقوط الامبراطوريّة الرّومانيّة العُظمى، وصولاً إلى ما يُسمّيه أبرز مؤرّخيهم ببداية عصر النّهضة أو بداية عصر "البعث" (Renaissance) أو ما إلى ذلك. ولكنّ لهذا المفهوم، ببنائه الغالب عندهم وبصورته المهيمنة، دلالات أعمق من ذلك طبعاً: فمن مقاصده لديهم أن يدلّ على ظواهر متعدّدة ومتنوّعة في هذا الاطار، أغلبها "سلبيٌّ" في نظرهم، وعلى رأسها ما يُسمّونه عادةً "بالظّلاميّة" (وضمنيّاً ربّما "بالتّخلّف").. وصولاً إلى تجلّيات متعدّدة.

799-2.jpg

حين تتقدّم الجيوش في المجتمعات المعاصرة، تتقدّم معها فكرة الانتماء بوصفها وعدًا كبيرًا، يُقدّم للجندي معنى، وغطاءً هوياتيًا، ومساحة رمزية يعيش فيها الفرد حالة اكتمال. يزدهر هذا الوعد كلما كانت الأرض الاجتماعية شديدة الخشونة، وكلما أحاطت بالفرد ضغوط اقتصادية خانقة. هكذا تتقدم المؤسّسة العسكرية كجسر يحمل الأفراد من ضفة الشقاء اليومي إلى ضفة الاعتبار الاجتماعي، فيتحول الوعد إلى انتماء، ويتحول الانتماء إلى عقيدة.

750-12.jpg

يتقدّم الجيل الجديد وسط فيض من الرموز التي تتحرك خارج ثبات التعريفات القديمة. العلاقة مع الدولة لا تتخذ شكل يقين، بل تتبدّل كجملة تتراجع علاماتُها نحو الهامش وتبحث عن معنى إضافي في كل سطر جديد. الهوية لا تتجمد، بل تتموّج مثل كتابة تُعاد كل مرة عبر إضافة حرف صغير يفتح باباً لمعنى آخر. هنا، تصبح الدولة نصاً جانبيّاً لا يملك امتياز التفسير النهائي، بل يشارك في حوار تتوزّع ملامحه على أماكن عدة، وتعيد الذاتُ ترتيبَه عبر طبقات متراكبة من التجربة والذاكرة والخيال الرقمي.

ONE.jpg

تتشكل أمامنا حقبة جديدة تتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة لتطال النسيج العميق الذي كان إميل دوركايم يسميه الوقائع الاجتماعية. ما يحدث في زمن الذكاء الاصطناعي ليس تطورًا تقنيًا فحسب، بل تحوّل في معنى الوجود الجمعي، في طبيعة التضامن، وفي بنية الوعي الجمعي ذاته. العالم يدخل طورًا من التنظيم الذكي حيث تتبدل القواعد التي تضبط العلاقة بين الإنسان والمجتمع، بين الفرد والجماعة، بين السلطة والخيال. في هذا الأفق الجديد يصبح السؤال الجوهري: أي نوع من التضامن سيحكم العالم المقبل؟

800-47.jpg

منذ مطلع الخريف، تشهد الحدود الجنوبيّة للبنان حالة تصعيدٍ محسوبةٍ، تكاد تكون استمراراً لحربٍ لا تُعْلَنْ ولا تتوّقف. القصف الجوّيّ والاشتباكات المحدودة لم تعد استثناءً، بل إيقاعاً يوميّاً يتحكّم في حياة القرى الجنوبيّة. خلف هذا المشهد الظاهر، تتكشّف استراتيجيةٌ أعمق تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة تعريف الشمال، ليس كمنطقة مواجهةٍ مع لبنان فحسب، بل كمجالٍ أمنيٍّ واحدٍ يمتدّ من غزّة إلى الجولان مروراً بالجنوب اللبنانيّ. الهدف المعلن هو “الرّدع”، لكن الهدف الفعليّ هو إعادة رسم أو ترسيم الجغرافيا - ليس فقط على الأرض، بل في المخيّلة السّياسيّة.