في الطَّبع المُستدَام

اجتمَعَت العائلةُ في الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو في مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ في لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التي تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".

التعوُّد على سُلوكيات مُعيَّنة يرسخها ويجعلها جزءًا من طبيعة الفرد. يمارسها بعفوية ولا يُخضِعها للحسابات المعتادة مَهما جابه من نقد ومَهما تلقى من أوامر، وفي هذا الصدد يأتي المثل الشعبيّ الذائع: “نهيتك ما انتهيت والطبع فيك غالب؛ ديل الكلب ما ينعدل وإن علقوا فيه قالب“. الصورة مُضحكة، تترجم بنجاح ما يجري على أرض الواقع؛ لكنها تبدو متجاوزة لشروط التهذيب، مفتقرة إلى اللياقة الواجبة؛ فالتشبيه المباشر بذيل الكلب قد يُمسي جارحًا لبعض الناس مِمَن يفتقرون إلى روح الدعابة والهذر.

***

تقول الحكمةُ العربية الفصيحة: “الطبع يغلب التطبُّع“، والقصد أن سِمات الشَّخصية التي يوُلِد بها المرءُ قادرة على هزيمة أي سلوك طارئ أو مُكتسَب. ما تفرضه الوراثة وعواملها أقوى على الدوام من محاولات التغيير المُستجدة كافة، ولا عجب في هذا؛ فكلّ ذي جذرٍ عميقٍ هو بتعريفه أكثر ثباتًا وتماسكًا وصلابة مما يَعلق بالسطح وحده.

***

لا جدال أن “الطبع غلَّاب” وقلما يتمَكن الواحد من التحوُّل عن عادة نشأ عليها إلى أخرى غريبة عنه؛ لا أساس لها عنده ولا أصل، رغم هذا يكتسب كثير الناس عادات مستحدثة ويمارسون طقوسًا مختلفة عما اعتادوا حين يغادرون مواطنهم الأصلية إلى أخرى جديدة ويستقرون فيها فترات مُمتدَّة، فيندمجون مع أهلها ويتشبعون بطبيعة حياتهم. البعض يفعل العكس؛ يسعى إلى نقل عاداته وطقوسه معه، يصطحبها أينما ارتحل وحَط، وربما حاول فرضها على الآخرين؛ بل وقد يتهمهم متى فشل بالانغلاق وعدم قبول المختلفين. ينسي حينها أنه هو نفسه قد انغلق منذ البداية، فأدار وجهه بعيدًا، وعزف عن استقبال الثقافة المغايرة التي ذهب بأقدامه إليها.

***

إذا تشارك عددٌ من الأشخاص الصفات نفسها؛ لم يعد من محل لانتقادها ولو كانت سلبية، وإذا تميز بها واحد عن المجموع؛ فربما طالته السُّخرية ونال منه التجريح. الهدوء الشديد الذي يقترب بعض المرات من البلادة، لا يصبح مستفزًا إلا في وجود شخص عصبيّ المزاج. التردُّد الشديد عند اتخاذ أي قرار، لا يكون مؤرقًا إلا في صحبة شخص حاسم مِقدام. الخوف من أي تجربة وتفضيل المعروف المألوف على المجهول، لا يغدو منهكًا ومًملًّا إلا في حضور شخص مُغامِر لا يتهيَّب المبادرات؛ وعلى هذا المنوال تمضي الأمور.

***

يَستوجِب العلاج السلوكي تعاونًا جادًا، قائمًا على المعرفة المُستبصِرة بين الطرفين الأصيلين؛ إذ لا يتأتى أن يبذل المُعالج جهدًا حثيثًا مخلصًا لتحقيق الهدف المرجو؛ فيقابله طالب المساعدة؛ بالمقاومة الواعية المُتعمَّدة. هناك من يسعون لتحسين أنماط حيواتهم؛ لكنهم ينكصون عن أداء الشق الخاص بهم، وهناك من يتمكنون من ترويض ذواتهم، والخروج بمكاسب حقيقية تثير الإعجاب. بين أولئك وهؤلاء، تقع النسبة العظمى من الناس التي يتذبذب أداؤها وتتفاوت رغبتها في ظل المتغيرات المعيشية المتسارعة.

***

عادتك ولا هاتجيبها من بره؟” سؤال استنكاري يثبت الأمر الواقع، يستعمله الناس متى كرَّر أحدهم فعلًا يستهجنونه، ويأملون أن يكفَّ عنه؛ لكنهم يدركون ما بالأمر من عسر، والحقيقة أن العادات التي درج الواحد عليها جزءٌ لا يتجزأ من شخصيته وتكوينه، إن تركها قسرًا شعر بالاغتراب، وإن مارسها في سلام هدأت نفسه وأحس الألفة والدفء والاطمئنان.

***

يقال متى انفعل أحدهم سريعًا: “أصل طبعه حامي“. “الحامي” هنا وبالمعنى العاميّ المتعارف عليه؛ هو الحاد المشحوذ؛ والكلمة تطلق مثلًا على قرون “الفلفل الشطة”، وعلى أنصال الأسلحة البيضاء بدءًا من السّكين إلى السَّيف، وفي هذا الإطار يجري تصوير الشخصِ الذي لا يتريَّث في ردة فعله؛ إنما يبغي “قطع العرق وتسييح الدم” في التوّ واللحظة، ويتخذ من القرارات ما قد يندم عليه لاحقًا. في بعض المواقف تكون “الطباع الحامية” أمرًا إيجابيًا محمودًا، ويُلاحَظ أن وَصفَ الشخصِ بأنه “ذو حميَّة” يُعلي من شأنه ولا يعيبه؛ إذ يوحي بأنه لا يعرف في مواقفه اللين والتراخي ولا يصمت عن خطأ يراه.

***

بعض الأقوام يتَّسمون بكرم زائد عن المألوف، وغيرهم يتَّسم بالبُخل والتقتير. آخرون سَمتُهم الإصرار والمثابرة، وعلى نقيضهم هؤلاء الذين سرعان ما يتضجَّروا ويسعون إلى أي صورة من صور التغيير. هؤلاء الذين لا يتمكنون بطبعهم من تكتم نبأ أو معلومة؛ فيخلقون أزمة تلو أخرى، وتُذكَر في هذا الشأن واقعة تصريح ترامب بأن رئيس “الفيفا” قد رفع البطاقة الحمراء عن لاعب بالفريق الأمريكي بناء على مهاتفة شخصية منه، وكان الأمر ليمر بسلام وفي سكون؛ لو لم يكن رئيس الولايات المتحدة مفطورًا على إفشاء الأسرار.

***

الطباعةُ فعلٌ فنيٌّ بالدرجة الأولى والممتاز منها لا يزول ولا تخفُّ زهوته بمرور الوقت؛ مثله مثل الطباع الأصيلة في الإنسان؛ تمضي معه إلى النهاية دون أدنى تغيير، فإن قيل “فلان مطبوع على كذا” فلا جدوى من محاولة دفعه للنقيض؛ إذ ميوله ثابتة لن يغيرها الزمن ولن يبدلها.

إقرأ على موقع 180  في التَّجرِبة 

***

أبرز طباعنا طول البال وتحمُّل الأذى وانتظار الفرج دون قيد أو شرط. نجد الأعذارَ لأنفسنا ولمن يسومنا القهر ويسلبنا حقوقنا. نحاول باستماته الطفو على السطح ويكفينا في العادة أن ننجوَ من الغرق. نفضل أن يبادر بالفعل غيرنا، فإن خطونا خطوة في اتجاه الخلاص؛ انسحبنا من الساحة قبل الآوان، وعلى كل حال؛ فإن تراكم المآسي وتعاقب النوازل والخطوب، قد يقلب في لحظة الموازين، ويُظهِر من الطباع ما تخفى على مرّ الحقاب.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  مستقبل الأمن القومي الأميركي.. بصمة ترامب ستستمر طويلاً