مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد المواجهة مع إيران، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة اقتصادية وسياسية شديدة التعقيد: طاقة أكثر كلفة، وصناعة تحت الضغط، وإنفاق دفاعي متزايد، وتوتر اجتماعي يتزامن مع استحقاقات انتخابية مهمة. السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي حد تستطيع الحكومات الأوروبية الاستمرار في سياساتها الخارجية والعسكرية الحالية إذا شعر المواطن بأن فاتورتها تصل مباشرة إلى منزله؟
من الغاز الروسي إلى الغاز الأميركي
بنت أوروبا، وخصوصاً ألمانيا، جزءاً مهماً من نموذجها الصناعي على الطاقة الروسية الرخيصة نسبياً. لكن الحرب الأوكرانية قلبت هذه المعادلة.
ومع تراجع تدفقات الغاز الروسي، اتجهت الدول الأوروبية إلى بدائل، في مقدمها الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة وقطر ومصادر أخرى. ولم تكن المسألة مجرد استبدال مورد بآخر؛ فالطاقة عنصر أساسي في القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.
فعندما ترتفع كلفة الغاز والكهرباء والنقل، ترتفع معها كلفة إنتاج الحديد والكيماويات والأسمدة والسيارات والزجاج والمواد الغذائية، ثم تنتقل الزيادة تدريجياً إلى المستهلك. وهكذا، تحولت أزمة الطاقة إلى ضغط صناعي واجتماعي وسياسي في آن واحد.
وهذا التحول من الغاز الروسي المنقول بالأنابيب إلى سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية بات بالفعل أحد التحولات البنيوية في سوق الطاقة الأوروبية، وزاد تعرض أوروبا لتقلبات الأسعار العالمية.
مضيق هرمز.. فجأة
إذا كانت الحرب الأوكرانية قد وجهت ضربة إلى نموذج الطاقة الأوروبي، فإن الحرب مع إيران أضافت طبقة جديدة من المخاطر. فمضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وكانت تعبره قبل التصعيد كميات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي المسال.
ومع التوتر العسكري، تراجعت حركة السفن بصورة حادة في بعض الأيام. وتحدثت بيانات ملاحية في أيلول/سبتمبر 2026 عن هبوط كبير مقارنة بمعدل يقارب 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً قبل الحرب. ومع ذلك، لم تتوقف السوق العالمية تماماً؛ إذ لجأت دول منتجة وشركات شحن إلى ترتيبات استثنائية للإبقاء على جزء من الصادرات، ولكن بكلفة نقل وتأمين أعلى.
وهنا تكمن المشكلة الأوروبية: حتى عندما لا ينقطع النفط أو الغاز فعلياً، يكفي ارتفاع كلفة الحصول عليه ونقله وتأمينه لكي تنتقل الضغوط إلى الأسعار والتضخم والنمو والمالية العامة. أزمة هرمز، بهذا المعنى، قد تكون أزمة سعر قبل أن تكون أزمة نقص في الإمدادات. وتشير بيانات حديثة للبنك المركزي الأوروبي إلى أن ارتفاع أسعار الغاز بات ينتقل إلى التضخم في منطقة اليورو بوتيرة أسرع من السابق.
الاقتصاد يدخل صندوق الاقتراع
لا يمكن فصل هذه التطورات عن السياسة. فالناخب الأوروبي لا ينظر إلى السياسة الخارجية بوصفها قضية منفصلة عن حياته اليومية عندما ترتفع كلفة الوقود والتدفئة والنقل والغذاء.
لكن العلاقة ليست آلية ولا أحادية السبب. فالحروب واضطرابات الطاقة تصبح واحداً من عوامل السخط، إلى جانب الهجرة والأجور والضرائب والثقة بالحكومة وأداء الاقتصاد. ومع ذلك، يمكن رسم سلسلة سياسية واضحة: حرب واضطراب في الطاقة، ثم ضغوط على الأسعار والقدرة الشرائية، ثم اتساع الاستياء الذي يجد طريقه إلى صندوق الاقتراع.
وقد ظهر تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية بوضوح في ألمانيا، وإن بصور مختلفة بين ولاية وأخرى. ففي مكلنبورغ ـ فوربومرن، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) تقدماً كبيراً، فيما تعرض “الاتحاد الديموقراطي المسيحي” (CDU) لانتكاسة قاسية. أما في برلين، فتقدمت «دي لينكه» (Die Linke)، بينما بقي صعود AfD جزءاً من مشهد أوسع يعكس تآكل الوسط السياسي وتعدد اتجاهات الاحتجاج.
كما أظهرت استطلاعات أيلول/سبتمبر تقدماً لـAfD على مستوى نيات التصويت الاتحادية، في مقابل تراجع الاتحاد المسيحي. لكن هذه الأرقام لا تعني انتقالاً بسيطاً من اليمين إلى اليسار أو العكس؛ إنها تشير، قبل كل شيء، إلى أن شرائح من الناخبين تعاقب الأحزاب التقليدية، وأن قوى متعارضة أيديولوجياً تستفيد من الاستياء نفسه لأسباب مختلفة.
فرنسا أمام اختبار مختلف
في فرنسا، تكتسب الأزمة أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027. وقد أصبح موضوع الحرب والطاقة حاضراً مباشرة في النقاش السياسي.
وفي 18 أيلول/سبتمبر 2026، جمع الرئيس إيمانويل ماكرون رؤساء القوى السياسية وممثليها لمناقشة تداعيات الحرب في أوكرانيا والتوتر في الشرق الأوسط على الأمن والطاقة والحياة اليومية للفرنسيين، في إقرار واضح بأن الأزمات الخارجية لم تعد منفصلة عن الداخل.
لكن المشهد الفرنسي لا يمكن اختزاله في حزب واحد. فالتجمع الوطني حاضر بقوة في استطلاعات الرأي، فيما تخوض «فرنسا الأبية» معركتها داخل اليسار، وتحاول قوى وسطية ومحافظة أخرى تقديم بدائلها. وبذلك، تصبح السياسة الخارجية نفسها جزءاً من الصراع الانتخابي: موقع فرنسا في أوروبا، والعلاقة بروسيا والولايات المتحدة، وحدود الإنفاق العسكري، وكلفة الطاقة.
هل تصبح الأزمة الخارجية ملاذاً سياسياً؟
من المشروع طرح سؤال عما إذا كانت حالة الطوارئ الدولية تمنح بعض الحكومات فرصة لوضع الأمن القومي في مقدمة النقاش العام وإزاحة ملفات داخلية محرجة. لكن من الصعب تحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة من دون أدلة مباشرة تثبت أن حكومة معينة تطيل حرباً من أجل إخفاء أزمة اقتصادية أو ضمان بقائها في السلطة.
في المقابل، تقول الحكومات الأوروبية إن دعم أوكرانيا مرتبط بأمن القارة وبمنع تغيير الحدود بالقوة. لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس البحث عن نيات خفية، بل قياس النتائج: هل تحقق السياسة الحالية مستوى الأمن الأوروبي المطلوب؟ وهل ما زالت كلفتها الاقتصادية والاستراتيجية قابلة للاستمرار، أم أنها تحتاج إلى مراجعة؟
«الهروب إلى الأمام» أم غياب التسوية؟
الخطر أن تدخل الأزمات في دائرة مغلقة: حرب ترفع كلفة الطاقة؛ وكلفة الطاقة تغذي الغضب الاجتماعي؛ والغضب يضعف الحكومات؛ والحكومات الضعيفة قد تميل إلى التشدد في خطابها الخارجي لإظهار قدرتها على حماية الأمن القومي؛ ثم يطيل التصعيد عمر الأزمة ويعيدها إلى نقطة البداية بكلفة أكبر.
هذه الحلقة ليست قدراً محتوماً، لكنها احتمال ينبغي أخذه بجدية. فأوروبا تحتاج إلى الأمن والطاقة معاً، وإلى دعم حلفائها من دون استنزاف قدرتها الصناعية، وإلى الردع العسكري من دون إغلاق أبواب الدبلوماسية.
غزة وأوكرانيا وإيران
الحرب في غزة، والحرب في أوكرانيا، والحرب مع إيران ليست حروباً متطابقة، ولكل منها أسبابها وأطرافها وخصوصياتها. لكنها تجري داخل نظام دولي واحد يشهد تنافساً متزايداً على النفوذ والطاقة والممرات التجارية والأمن والأسواق.
ومن هنا، تتجاوز المسألة إدارة ثلاث أزمات منفصلة إلى أسئلة أوسع: ما حجم الدور الأمني الأميركي مستقبلاً في أوروبا والشرق الأوسط؟ وهل تستطيع أوروبا بناء قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي؟ وهل يمكن أن تعود روسيا لاعباً مهماً في منظومة الطاقة الأوروبية؟ وكيف تتعامل الصين مع اضطراب طرق التجارة والطاقة؟ وأي نظام إقليمي يمكن أن يتشكل في الشرق الأوسط بعد هذه الحروب؟
الانتخابات قد تعيد رسم السياسة الأوروبية
قد لا تكون النتيجة الأهم لهذه الأزمات عسكرية، بل سياسية. فالمواطن الأوروبي قد لا يذهب إلى صندوق الاقتراع وهو يفكر مباشرة في أوكرانيا أو إيران أو روسيا، بل في فاتورة الكهرباء وسعر البنزين ومستقبل أبنائه في سوق العمل، وقدرة المصنع الذي يعمل فيه على الاستمرار، وكلفة الغذاء والضرائب والهجرة.
وعندها يصبح السؤال: لماذا أدفع أنا ثمن حرب لا أشارك فيها؟
الإجابات ستختلف من حزب إلى آخر ومن دولة إلى أخرى، لكن مجرد انتقال هذا السؤال من النقاش الجيوسياسي إلى الحياة اليومية يعني أن السياسة الخارجية أصبحت جزءاً من العقد الداخلي بين المواطن والدولة.
الخطر الأكبر ليس مجرد ارتفاع سعر النفط أو الغاز، بل أن يتحول التصعيد العسكري إلى بديل من التفكير السياسي. فالحروب تبدأ عادة بأهداف محددة، لكنها حين تتوسع قد تنتج نتائج لم يتوقعها أصحاب القرار.
لذلك، تواجه أوروبا ضرورة استراتيجية مزدوجة: الحفاظ على أمنها، ومنع تحول الأزمات الإقليمية إلى حرب دولية مفتوحة. ولا يتحقق ذلك بالاستسلام لأي طرف أو بالتخلي عن المصالح الأوروبية، بل بالموازنة بين الردع والدبلوماسية، وتنويع مصادر الطاقة، وحماية القاعدة الصناعية، وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة مع الأطراف القادرة على التأثير.
الخلاصة
أوروبا لا تواجه اليوم أزمة واحدة، بل أزمة أمنية واقتصادية وسياسية متداخلة.
الحرب الأوكرانية غيرت خريطة الطاقة الأوروبية، والحرب مع إيران وضعت أحد أهم ممرات الطاقة العالمية تحت الضغط، وارتفاع الأسعار يضغط على الصناعة والمواطن، فيما يعيد السخط الاقتصادي والسياسي تشكيل المزاج الانتخابي. وقد تدفع التحولات الانتخابية، بدورها، إلى مراجعة السياسات الأوروبية تجاه روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط والولايات المتحدة.
لذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل أوروبا في السنوات المقبلة ليس فقط: من سينتصر عسكرياً؟
بل: هل تستطيع أوروبا أن تجد طريقاً للخروج من اقتصاد الحرب قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية واجتماعية دائمة؟
إذا لم تجد هذا الطريق، فقد لا تكون الانتخابات المقبلة مجرد تبديل للحكومات، بل بداية لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن الأوروبي والدولة والسياسة الخارجية نفسها.
