في زمنٍ تصبح فيه ملاطمة الموج مخرجًا أخيرًا أمام آفاقٍ مسدودة، تتجسد المأساة في صور فتيان وشابات يخوضون غمار البحر سباحةً نحو الضفة الأخرى… من بين هؤلاء كانت الشابة المغربية فرح، لاعبة كرة القدم الواعدة. لم تكن ترتاد الموج بحثًا عن مغامرة عابرة، بل كانت تفرّ من أحلامٍ محاصرة، لتفتش عن المعنى الوجودي لاسمها، وعن كرامةٍ استُلبت منها.
بين صدى الاحتفالات الرسمية بالرياضة والتنمية، وصرخات جيلٍ بات يرى في الخيار الأحرج أثرًا للكرامة، وفي البقاء انكسارًا، نسرد في الأسطر التالية قصة عبورٍ هزّت الوجدان الجمعي؛ قصة شبيبة اختارت السباحة على ظهر الفرار، لترسم ابتسامةً غامضة على شواطئ سبتة، تختزل صرخة جيلٍ كامل يعلن بمرارة: «انتهى الكلام».
***
تُدعى فرح.. ولعله لم يخطر ببالها يومًا، وهي ترفل في سنوات عمرها الغضّ، أن تعود إلى المعاجم اللغوية لتبحث عن الجذر الأصلي لاسمها، أو تسبر أغوار المعنى الذي اختاره والداها يوم أبصرا وجهها لأول مرة. غير أن ظروف الحياة وأزماتها المتلاحقة جعلتها تستعيد معنى اسمها في أكثر اللحظات حرجًا وإرباكًا، لحظة كانت تطالع فيها قاموس الهجرة غير النظامية، وتتحسس أشرطة سترات النجاة المطاطية.
كان ذلك في لجة ليلٍ داكن، تكفّل بسواده ليصبح حارسًا لها ولرفاقها من الشبان والشابات. صبية وأطفال وفتيان تجاوز عددهم الألف، وفق تقديرات تقارير صحفية إسبانية، يخوضون غمار سباحةٍ خطرة في عرض البحر، يصارعون أمواجًا تترصد أجسادهم الغضة، محاولين كسر أرقام الشؤم البحرية بحثًا عن موئلٍ آمن… وفيما نجح البعض في ملاطمة الموج إلى الضفة الأخرى، كان البحر أكثر قسوةً مع آخرين، إذ ابتلعتهم الأعماق، وقبل أن يبتلعهم الماء كان اليأس قد أجهز على أرواحهم قبل أجسادهم.
لم تكد أقدام الفتاة تطأ اليابسة حتى ضجّت صفحات التواصل الاجتماعي بصورها التي انتشرت كالنار في الهشيم. وتحولت قصتها، في ظرفٍ وجيز، عبر القنوات الإخبارية والمواقع الإلكترونية والتدوينات الشخصية، إلى قضية إنسانية ذات رمزية مكثفة، حاصدةً ملايين المشاهدات في وقتٍ قياسي، ولا يزال صدى تلك الفيديوهات والصور يتصاعد ويشغل الرأي العام.
تداولت وسائل الإعلام الإسبانية والمغربية، على نطاقٍ واسع، صورة فرح وهي تسير حافية القدمين في شوارع وسط مدينة سبتة المحتلة، وسط حالة استنفارٍ تام للأجهزة الأمنية والإغاثية المكلفة بالتعامل مع تدفقات الوافدين الجدد على سواحل المدينة، سرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية.
غير أن أشد ما أثار الذهول في تلك الصور لم يكن مجرد العبور في حد ذاته، بل كان الانشراح الداخلي المرتسم على ملامح الفتاة؛ ابتسامة طافحة بالحياة، بدت وكأنها خالية من أي ندم أو تردد، وهي تودع منزل العائلة ومدينتها العرائش وأصدقاء الطفولة. كان رهانها واضحًا ومكتفيًا بذاته: «الفرح يقيم هناك، على الضفاف الأخرى». ومهما كان الثمن فادحًا، فقد كانت مستعدة لرهن سنوات شبابها لقاء هذه المغامرة، لولا أقدار رحيمة كتبت لها ولرفيقتها، التي ظهرت معها في الصور، الوصول بسلام إلى ضفةٍ مشتهاة، ضفةٍ يُفترض أنها جزء من التراب الوطني جغرافيًا، لكنها تقبع منذ قرون تحت الإدارة والحكم الإسبانيين.
غير أن هذين الطموحين الواعدين التقيا عند نقطة انسدادٍ واضحة، تحولت فيها الملاعب الوطنية من فضاء لتحقيق الذات إلى ساحةٍ للخيبة وضيق الآفاق. وأمام هذا الانسداد لم تجد الفتاتان بدًا من العبور نحو الخيار الأخير والأكثر خطورة: الهروب عبر أمواج البحر، حيث تلاقت أحلامهما المنكسرة في رحلة ركوب الموج بحثًا عن الأمل والكرامة على الضفاف الأخرى.
***
كانت فرح ورفيقتها ابتسام مجرد وجهين غريبين بين مئات الأجساد المبتلة التي وصلت إلى الشاطئ. لكن التحول الدراماتيكي في التعاطي الإعلامي حدث حين كشفت مصادر صحفية مغربية عن هوية إحداهما: إنها فرح، لاعبة كرة القدم النسوية الناشئة.
تختزل تجربة هذه الفتاة مفارقةً قاسية ومؤلمة؛ فبينما كان يحذوها طموحٌ مشروع في التدرج داخل الفئات الوطنية الصغرى، وصولًا إلى ارتداء قميص المنتخب الوطني المغربي، وجدت نفسها تفر من هذا الحلم، ومن الوطن في آنٍ واحد.
الأمر ذاته ينطبق على رفيقتها ابتسام، لاعبة كرة السلة، ليفتح هربهما القوس عريضًا على ظاهرةٍ أعمق وأشمل؛ ظاهرة لم تعد تقتصر على حالات فردية أو شبابٍ عاطلين عن العمل، بل امتدت لتشمل نخبًا رياضية وطاقاتٍ شبابية واعدة تركت ملاعبها وقاعاتها، ورأت في أمواج البحر مخرجًا أخيرًا من انسداد الآفاق وضيق الفرص.
تكتسب هذه الواقعة حمولتها النقدية الحادة لأنها جاءت في توقيت سياسي ورياضي بالغ الدلالة. ففي الوقت الذي كان المغرب يحتضن نهائيات كأس أمم إفريقيا للسيدات، وسط خطاب رسمي يحتفي بالمنجزات الرياضية والبنية التحتية والاستثمار في الشباب، كانت فرح وابتسام تخوضان، على بعد كيلومترات قليلة، رهان الموت في مياه البحر. مفارقة تختزل المسافة بين الصورة التي ترغب الدولة في تقديمها عن نفسها، والصورة التي يصنعها الواقع حين يدفع شابتين رياضيتين إلى البحث عن مستقبلهما خارج البلاد.
***
لم يعد النقاش محصورًا في واقعة هجرة فردية، بل امتد إلى مساءلة أوسع للسياسات الرياضية والشبابية وللقائمين عليها، وفي مقدمهم رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، الذي أثار انضمامه الرسمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة موجة جديدة من الجدل، ولا سيما أن الحزب ارتبط، في المخيال العام، بملفات فساد وشبهات طالت عددًا من قياداته. وبغض النظر عن المآلات القانونية لتلك الملفات، فإن اقتران الرياضة، بوصفها مجالًا لصناعة الأمل، بهذا السجال السياسي، عمّق لدى قطاعات واسعة من الشباب الشعور بأن المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش تتسع باطراد، وأن الوعود بالتمكين والارتقاء الاجتماعي لم تعد تقنع جيلاً يرى آفاقه تضيق يومًا بعد يوم.
إن الحقيقة الصارخة هي أن فرح وأمثالها لم تكن تبحث عن هواءٍ فيزيائي مختلف، بل عن هواءٍ وجوديّ نقي. إنها تبحث عن الحرية والكرامة، وعن الاعتراف بحقوق الإنسان الأساسي. تبحث عن معنى اسمها الذي يعني السعادة، وعن معنى اسم رفيقتها ابتسام المشتق أيضاً من البسمة والابتسامة.
في الصور التي تداولها رواد مواقع التواصل للفتاتين وهما تحتفلان بنجاح المغامرة، رفعت فرح شارة النصر بأصابعها، بينما رسمت ابتسام علامة القلب، أي الحب. وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة: أي نصرٍ هذا الذي يُنتزع من براثن الموت؟ وأي حب للحياة والكرامة يدفعهما إلى الفرار من حضن الوطن؟
***
لم تكن الردود على منصات التواصل مجرد تعاطف عابر، بل كانت صرخة احتجاج مكتومة. انهالت الدعوات والأمنيات على الفتاتين من كل حدب وصوب، حيث كتب أحد المدونين معبرًا عن هذا الوجدان الجمعي:
«الله يسهل عليكما أيتها البطلتان… برغم أننا لا نشجع على مثل هذه المغامرة، والله يأخذ الحق فيمن كان السبب في أن يرمي خيرة شباب وشابات هذا الوطن بأنفسهم إلى الهلاك فرارًا من واقع مرير».
وعلى الرغم من أن هذا المشهد يُعد تكرارًا لسيناريوهات متجددة في كتاب الهجرة المأساوي المفتوح منذ عقود، فإنه يحمل هذه المرة رمزية ثقيلة وصادمة، إذ جاء متزامنًا مع غمرة احتفالات البلاد بذكرى عيد العرش السابعة والعشرين، ليعكس مفارقة موجعة بين الخطابات الرسمية المفعمة بوعود التنمية، وبين الواقع الميداني لشبابٍ يفضلون مخاطرة الموج والابتلاع على البقاء في انتظارٍ لا يأتي.
تستمر الدعاية الإعلامية في التلفزيون الرسمي وباقي وسائل الإعلام المملوكة للدولة في إغراق المشاهدين بحملات ما يسمى «عملية مرحبا»، التي يُحتفى خلالها بالمهاجرين المغاربة القادمين من أوروبا لقضاء عطلاتهم الصيفية، ثم يُحتفى مجددًا بانتهاء عودتهم إلى بلدان الإقامة.
غير أن المشهد المكتمل يحتاج إلى سردية موازية، تشير بوضوح إلى أولئك الذين يعبرون الضفة في الاتجاه المعاكس، وفي ظروف لا إنسانية. مغاربة آخرون يركبون البحر عبر ما يعرف بقوارب الموت؛ يفلت بعضهم من قبضة الحراس والموج ليبلغ الشاطئ الآخر، بينما تحصد أعماق مضيق جبل طارق أرواح آخرين، ينتهون في مقبرة مائية مترامية الأطراف، بلا قعر محدد ولا شواهد قبور.
***
قصة فرح ليست مجرد حكاية فتاة عبرت البحر، بل وثيقة إدانة ناطقة تعكس أزمة جيل كامل يبحث عن ذاته، ويفضل أن يراهن بحياته على ضفاف مجهولة، بحثًا عن أمل ضائع يشبه اسمه.
ويختزل هروب فرح، في جوهره، حكايات ممتدة ومتكررة عن انطفاء الفرح في أعين الشباب، واغتياله داخل مساحات أمانيهم وتطلعاتهم المشروعة. إنهم جيل Z الذي يحمل الحرف الأخير في ترتيب الأبجدية، وكأنما يعلن بلسان حاله استنفاد آخر قطرات الأمل، مستحضرًا، على حد تعبير صديقنا الكاتب الراحل إدريس الخوري، تلك العبارة المثقلة بالعدمية: «انتهى الكلام».
فرح وابتسام، وأولئك الشباب الذين يخوضون غمار الهجرة السرية سباحةً، بعضهم يمتلك دراية رياضية بفنون السباحة، كحال فرح التي تجيد السباحة على الظهر، وفق ما ورد في تعليق فيسبوكي لإحدى صديقاتها، لكن أغلبيتهم الساحقة لم يكونوا يتقنون سوى نوع آخر من السباحة… السباحة على ظهر الفرار من الأزمة والضياع والأمل المفقود.
يحق لفرح أن تبتسم كما تشاء…
ابتسمي يا بنيتي… فلن نسألك اليوم عن سر تلك الابتسامة، ولن نثقل كاهلك بالاجتهاد في قراءة أبعادها، أو التفتيش عما إذا كانت انشراحًا حقيقيًا أم قناعًا يداري خلفه أحزانًا ثقيلة…
ابتسمي فقط، وليبقَ السر في قلبك، كما يظل المعنى دائمًا في أحشاء الشاعر.
غير أن الهرب يستدعي هروبًا لا متناهيًا، والابتسامات العابرة قد تحلق حولها، أحيانًا، ضحكات عالية تداري الخوف والذهول…
ولا نملك أمام هذه المشاهد المربكة إلا ترتيل التضرع المغربي المتوارث، كلما تداخلت البسمة بالحزن، وتداخل الفرار بالضياع: «اللهم أخرج ضحكنا على خير.»
ولا أظنني مجانبًا للصواب إن ألقيت أسرار هذه الابتسامة في أحضان الشعر، مستحضرًا أسطر الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، دفين الرباط ومغتربها، وهو يخاطب الأمل المنكسر والأرواح المطاردة:
ابتسمي.. حتى تمرَّ الخيلُ، هذا مسارُ نجمِهم
يركضُ في الزاويةِ الكبرى قليلًا
ثم ينهارُ رمادًا.
ابتسمي.
وحتى تمرَّ الخيلُ والبيارقُ المذهَّبة
فالخيلُ ليست خيلَنا نحنُ
ولا الصهيلُ!
واختبئي في مطرِ الضفائرِ المضطربة
وكبرياءِ حقدِكِ الجميل.
