الطريق من بيروت إلى دمشق لا يمرّ.. بعنجر!

شكّل سقوط نظام بشار الأسد نقطة تحول تجاوزت الداخل السوري، وأعاد رسم جانب مهم من التوازنات السياسية والجيوسياسية في المشرق العربي. فسوريا، بحكم موقعها عند تقاطع المشرق وتركيا وشرق المتوسط، لم تكن يوماً دولة تبقى تحولاتها محصورة داخل حدودها، وكان لبنان، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، في مقدمة الدول التي انعكست عليها التحولات السورية بصورة مباشرة.

تطورت العلاقات اللبنانية-السورية في ظل شبكة كثيفة من الروابط التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، ولذلك تجاوزت منذ البداية النموذج التقليدي للعلاقات بين دولتين متجاورتين. غير أن هذا الترابط الطبيعي اختل مراراً عندما طغت اعتبارات النفوذ والأمن على قواعد العلاقات المتكافئة، وتحولت الجغرافيا المشتركة من مصدر للمصالح المتبادلة إلى مدخل للتدخل في القرار اللبناني.

واليوم، لا يقتصر التحدي الذي تواجهه سوريا على إعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب والانقسام، بل يشمل أيضاً إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية وتحديد موقعها في التوازنات الجديدة. ويواجه لبنان اختباراً موازياً؛ فلا يبدو ممكناً، ولا مقبولاً، إحياء نماذج الماضي، وفي المقابل لا تسمح الجغرافيا ولا المصالح الاقتصادية والأمنية والاجتماعية بسياسة قطيعة دائمة مع دمشق.

المشكلة، إذاً، ليست في وجود علاقة استثنائية بين لبنان وسوريا؛ فثمة أسباب موضوعية تجعل العلاقة بينهما أكثر تشابكاً من علاقات كثيرة بين دول متجاورة. المشكلة تبدأ عندما تتحول «خصوصية العلاقة» إلى مبرر لاختلالها، وعندما تصبح المصالح المشتركة ذريعة لتجاوز المؤسسات والسيادة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه المرحلة الجديدة ليس ما إذا كان لبنان سيقيم علاقة وثيقة مع سوريا، بل أي علاقة يريدها البلدان: علاقة بين دولتين، أم عودة إلى العلاقة بين مراكز النفوذ؟

عنجر.. عندما أصبحت الجغرافيا نظاماً

مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، اضطلعت سوريا بدور محوري في إدارة المشهد اللبناني، مستفيدة من ظروف إقليمية ودولية منحتها نفوذاً واسعاً. ومع مرور الوقت، تجاوز هذا الدور حدود التنسيق السياسي والأمني ليؤثر في بنية القرار اللبناني نفسه، فتراجع دور المؤسسات الرسمية لمصلحة “السلطة الموازية”، أي سلطة عنجر.

لم تكن عنجر مجرد مقر أمني سوري في لبنان، بل تحولت على مدى عقود إلى أحد أبرز رموز النفوذ السوري في الحياة السياسية اللبنانية. فبعد دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، ارتبط انتشارها بجهاز الأمن والاستطلاع السوري، الذي اتخذ من عنجر في البقاع، قرب الطريق الدولي بين بيروت ودمشق، مركزاً رئيسياً لعمله. وفي عام 1982 تولى اللواء غازي كنعان رئاسة الجهاز في لبنان، وبقي في موقعه حتى عام 2002، حين خلفه رستم غزالة.

ومع ترسخ الوجود السوري، تجاوز دور عنجر الوظيفة الأمنية التقليدية. فقد أصبحت مقصداً لسياسيين ومسؤولين ومرشحين للانتخابات وشخصيات لبنانية مختلفة، وتحول المسؤول الأمني السوري فيها إلى لاعب مؤثر في جانب واسع من الحياة السياسية اللبنانية. هذا الدور انتهى فعلياً مع الخروج السوري من لبنان في نيسان/أبريل 2005، عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري والضغط اللبناني والدولي المتصاعد. لكن «عنجر» بقيت في الذاكرة السياسية اللبنانية اسماً يتجاوز المكان: رمزاً لمرحلة كانت فيها العلاقة مع دمشق تمر عبر الأمن والنفوذ أكثر مما تمر عبر مؤسسات الدولتين.

ظلت العلاقة اللبنانية السورية مأزومة بعد خروج الجيش السوري من لبنان، إلى أن حلّت مرحلة “السين سين” السعودية السورية التي صالحت سعد الحريري ووليد جنبلاط مع القيادة السورية، لكن لم تمض شهور حتى انتكست العلاقات؛ ثم جاءت الحرب السورية عام 2011 لتضيف تحديات أكثر تعقيداً. فقد وجد لبنان نفسه أمام موجات لجوء سورية واسعة، وحدود مضطربة، وعمليات تهريب، وتهديدات أمنية وإرهابية، وتعطل طرق التجارة البرية، بالتزامن مع انخراط حزب الله عسكرياً في الحرب السورية وما استتبعه ذلك من تشابك إضافي بين الصراع السوري والانقسام السياسي اللبناني.

وأظهرت تلك المرحلة أن غياب النفوذ السوري المباشر لا يعني تلقائياً نشوء علاقة سليمة بين الدولتين. فالاستقرار لا يتحقق بمجرد انتهاء الوصاية، إنما يحتاج إلى قواعد واضحة ومؤسسات قادرة على تنظيم التعاون وإدارة الخلافات.

من يحكم دمشق أم كيف تُحكم سوريا؟

لا ينظر لبنان إلى التحول السوري من زاوية العلاقة الثنائية وحدها، بل من خلال انعكاساته المحتملة على توازناته الداخلية. فبحكم تركيبته السياسية والطائفية، تعامل لبنان تاريخياً بحساسية شديدة مع كل تحول كبير في طبيعة السلطة السورية، لأن التغيرات في دمشق نادراً ما بقيت داخل حدود سوريا.

ومن الطبيعي، لذلك، أن يثير الانتقال من نظام أمني وعسكري حكم سوريا لعقود إلى شرعية سياسية مختلفة أسئلة لبنانية حول طبيعة السلطة المقبلة، وعلاقة الأكثرية بالأقليات، وموقع الإسلام السياسي، وقدرة الدولة السورية الجديدة على إدارة تنوعها بعيداً عن منطق الغلبة والإقصاء.

لكن الهواجس اللبنانية لا تقتصر على المسألة الطائفية. فهناك أسئلة أكثر مباشرة تتعلق بأمن الحدود، ومستقبل اللاجئين السوريين، والتهريب، والعلاقات الاقتصادية، وموقع القوى الإقليمية في سوريا الجديدة.

كما تختلف هذه الهواجس باختلاف القوى اللبنانية نفسها. فما تعتبره بعض الأطراف فرصة لإعادة التوازن إلى العلاقات اللبنانية-السورية قد تنظر إليه أطراف أخرى بوصفه مصدراً لمخاطر جديدة. وما يهم هنا ليس إلغاء هذه المخاوف أو التقليل منها، وإنما منعها من إعادة إنتاج النموذج القديم نفسه، حيث تتحول الانقسامات اللبنانية إلى أبواب تدخل منها القوى الخارجية إلى الداخل اللبناني.

حزب الله الملف الأكثر تعقيداً

يبقى حزب الله واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في مستقبل العلاقات اللبنانية-السورية. لكن أهمية هذا الملف لا تنبع فقط من مشاركة الحزب في الحرب السورية أو من موقعه في الصراع الداخلي اللبناني، بل من الوظيفة الاستراتيجية التي أدتها سوريا لعقود ضمن شبكة التحالف التي ربطت إيران بلبنان.

فقد شكلت الأراضي السورية الجسر الجغرافي والسياسي الذي أتاح التواصل بين إيران وحزب الله، وأصبحت الحدود اللبنانية-السورية جزءاً من منظومة إقليمية أوسع تتجاوز العلاقة التقليدية بين دولتين.

ومع تغير السلطة في دمشق، تتغير هذه المعادلة بصورة جوهرية. وهنا يصبح السؤال أبعد من مستقبل علاقة الحكومة السورية الجديدة بحزب الله: هل تتحول الحدود اللبنانية-السورية من ممر استراتيجي لشبكات إقليمية إلى حدود طبيعية بين دولتين؟ وهل تستطيع الدولتان ضبط المعابر ومنع استخدام أراضيهما في صراعات تتجاوز مصالحهما الوطنية؟

إقرأ على موقع 180  هل ربحت "إسرائيل" حرب لبنان.. بالنّقاط؟

بالنسبة إلى لبنان، يرتبط هذا السؤال مباشرة بمسألة احتكار الدولة لقرارها الأمني والعسكري. وبالنسبة إلى سوريا، يرتبط بقدرتها على استعادة سيادتها على أراضيها وحدودها. ومن هنا، فإن معالجة ملف حزب الله لا يمكن فصلها عن مسألة الدولة نفسها، لأن العلاقة المستدامة بين بيروت ودمشق لا يمكن أن تقوم على انتقال النفوذ من طرف إلى آخر، وإنما على قيام دولتين قادرتين على ضبط حدودهما وإدارة أمنهما ومنع استخدام أراضيهما في صراعات الآخرين.

ماذا تعني علاقة «دولة بدولة»؟

لطالما تكرر شعار إقامة علاقات طبيعية بين لبنان وسوريا، لكن المشكلة أن هذا الشعار بقي، في كثير من الأحيان، عاماً. فالانتقال الحقيقي من منطق النفوذ إلى منطق الدولة يحتاج إلى تحويله إلى ملفات واتفاقات ومؤسسات.

وفي مقدمة هذه الملفات تأتي الحدود اللبنانية-السورية. فمن غير الطبيعي أن تبقى الحدود بين دولتين مستقلتين موضع خلاف أو غموض بعد أكثر من قرن على قيامهما. وترسيم الحدود وضبط المعابر الشرعية وإغلاق طرق التهريب ليست مسائل تقنية فحسب، بل جزء من إعادة تعريف العلاقة السياسية بين الدولتين. فالحدود الواضحة لا تفصل الدول بقدر ما تنظم العلاقة بينها. ولا يقتصر موضوع الحدود على نقاط برية، بل يشمل أيضاً ترسيم الحدود البحرية، مع الأخذ في الاعتبار العوامل التي تحيط بهذا الملف الحيوي الحسّاس، في ضوء الصراع المحتدم إقليمياً ودوليا حول الممرات البديلة للنفط والغاز.

ويأتي ملف اللاجئين السوريين في مقدمة الاختبارات الأخرى. فهذا الملف تحول خلال سنوات الحرب إلى قضية سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى في لبنان، ولا يمكن الوصول إلى معالجة مستدامة له من دون حوار رسمي ومباشر بين الحكومتين، يستند إلى ظروف العودة وإمكاناتها، وإلى التعاون مع المؤسسات الدولية المعنية، بعيداً عن المزايدات السياسية الداخلية في البلدين.

وهناك أيضاً ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا، وهو من أكثر ملفات الماضي حساسية. وإذا كانت المرحلة الجديدة تريد بالفعل تجاوز إرث العلاقات السابقة، فإن معالجة هذا الملف على أساس الحقيقة والوثائق والتعاون الرسمي ستكون اختباراً مهماً لجدية الانتقال من علاقات الأجهزة إلى علاقات المؤسسات.

كما تحتاج الاتفاقيات اللبنانية-السورية الموروثة إلى مراجعة شاملة. فما لا يزال يخدم مصالح البلدين ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، وما تجاوزه الزمن أو ارتبط بمرحلة اختلال العلاقة ينبغي تعديله أو إلغاؤه. وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات التي نشأت في ظل المرحلة السابقة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى اللبناني السوري، إذ ينبغي إعادة النظر في وظيفته والحاجة إليه في ظل وجود علاقات دبلوماسية وسفارتين وحكومتين ومؤسسات دستورية في البلدين.

أما الاقتصاد، فيوفر ربما أكبر مساحة لبناء علاقة مختلفة. فسوريا تمثل العمق البري الأساسي للبنان باتجاه الأسواق العربية، فيما يستطيع لبنان أن يؤدي أدواراً في التجارة والخدمات والنقل وإعادة الإعمار. وهناك مصالح مشتركة في الطاقة والمياه والزراعة والنقل والترانزيت والسياحة، يمكن أن تحول العلاقة من إرث سياسي ثقيل إلى شبكة مصالح يستفيد منها المجتمعان.

وبهذا المعنى، لا تعني العلاقة الطبيعية أن تكون العلاقة بين البلدين أقل كثافة. بل يمكن أن تصبح أوسع وأعمق اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً عندما تنتقل من الأشخاص والأجهزة إلى المؤسسات والقوانين والمصالح.

اختبار الدولة

تقف العلاقات اللبنانية-السورية اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة التأسيس، لكنها لن تتحقق تلقائياً بمجرد تغير السلطة في دمشق. فالتاريخ لا يتغير بتغير الأنظمة وحده، وإنما عندما تتغير القواعد التي أنتجت العلاقات السابقة.

ولا يكمن الاختبار الحقيقي في مقدار التقارب السياسي بين بيروت ودمشق، ولا في هوية المسؤولين الذين يتولون التواصل بينهما، بل في طبيعة العلاقة نفسها: هل تُدار عبر الحكومتين والوزارات والسفارات والاتفاقيات الرسمية، أم تعود مرة أخرى إلى الوسطاء وشبكات النفوذ ومراكز القوة؟

وهنا تحديداً تكتسب عبارة «الطريق من بيروت إلى دمشق لا يمرّ بعنجر» معناها.

فعنجر لم تكن مجرد بلدة لبنانية أصبحت مقراً للوجود الأمني السوري، بل كانت رمزاً لمرحلة اختلطت فيها السياسة بالأمن، وتراجعت فيها المؤسسات الرسمية لمصلحة القنوات الموازية. ولذلك فإن تجاوز «عنجر» لا يعني الابتعاد عن دمشق، بل يعني، للمفارقة، الذهاب إلى دمشق مباشرة.

أي أن يتعامل رئيس الحكومة اللبنانية مع الحكومة السورية، والوزير مع نظيره، والجيش مع الجيش، والأجهزة الأمنية ضمن قواعد محددة، والسفارة مع مؤسسات الدولة، وأن تُحل الخلافات عبر التفاوض والقانون بدلاً من موازين النفوذ.

ولا ينبغي للبنان أن يخشى علاقة قوية مع سوريا إذا كانت هذه العلاقة بين دولتين. كما لا ينبغي لسوريا الجديدة أن ترى في استقلال القرار اللبناني خسارة لنفوذها، لأن الجار المستقر والقادر على اتخاذ قراره أكثر قيمة على المدى الطويل من ساحة نفوذ دائمة الاضطراب.

والأمر نفسه ينطبق على سوريا. فمصلحة لبنان ليست في سوريا ضعيفة أو مفككة أو واقعة تحت وصاية محور جديد، وإنما في دولة سورية مستقرة تستعيد قرارها الوطني وتتعامل مع جيرانها على أساس المصالح والسيادة المتبادلة.

لذلك، لا يحتاج المستقبل إلى قطيعة بين لبنان وسوريا، ولا إلى استنساخ الماضي بثياب جديدة. المطلوب علاقة قد تكون أكثر كثافة من السابق، اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً، لكنها أقل تدخلاً سياسياً؛ علاقة تعترف بما تفرضه الجغرافيا من تعاون، وبما تفرضه السيادة من حدود.

فالطريق الجديد بين بيروت ودمشق ينبغي أن يمر عبر المؤسسات الرسمية والاتفاقات الواضحة والحدود المعترف بها والمصالح المشتركة. وكلما أصبحت العلاقة أقل وصاية، أمكنها أن تصبح أكثر قرباً واستقراراً.

الطريق إلى دمشق، هذه المرة، يجب أن يمرّ بالدولة.. لا بعنجر.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  هل ربحت "إسرائيل" حرب لبنان.. بالنّقاط؟