لاح الحلم: أيها التشرينيون اكملوا

جسدت انتفاضة 17 تشرين الاول/أكتوبر، منذ اليوم الأول لانطلاقتها، شرارة تغيير تاريخي عنوانه: كابوس الديناصورات الطائفية والسياسية يمكن ازاحته، والتغيير حلم رائع يمكن تحقيقه بالصبر والارادة والعزم والابداع والإستمرار.

لم تسقط الانتفاضة الشعبية اللبنانية الموحدة، بكل تلاوينها الطائفية والطبقية والسياسية والعمرية والمناطقية والجندرية وعلى وقع شعار واحد وهتاف واحد، حكومة نظام المحاصصة الطائفية المتحكم بلبنان منذ نشوء الكيان اللبناني، بل سحبت من تحت أقدام هذا النظام بساط شرعيته وحصانته وسر قوته.

هذه الانتفاضة، وبرغم كل محاولات حرفها نحو غايات سياسية سلطوية ضيقة، قالت بالفم الملان: انتم الطائفيون وتتغذون من الطائفية.. وتغذونها، نحن لسنا طائفيين ونرفض النظام الطائفي. وهنا فقط يمكن الحديث عن ثورة. ما حققته الانتفاضة على تواضعه سياسيا، يظل فعل حياة جديدة، وفعل تعبير عن حيوية فائقة لدى الشباب والشابات اللبنانيين وفعل دينامية اجتماعية وسياسية هائلة لا يمكن ادراك تاثيراتها بعد.

هذه الإنتفاضة اذا إستمرت بالزخم والروح الايجابية والوعي الذي يميّزها، يمكن ان نشهد في لبنان ما حققته انتفاضة 1968 في فرنسا، من تحول ثقافي وسياسي يقود البلاد الى الحداثة والدولة العصرية ليس بكبسة زر، إنما من خلال مسار تراكمي متدرج.

ما حدث في الشارع اللبناني إنقلاب حقيقي على التواطؤ المزمن بين السلطة الدينية والإقطاع السياسي ورجال المال والأعمال والمنظومة الأمنية التي تتحكم بلبنان. وكما شكّلت إنتفاضة أيار الفرنسية تمردا على السلطة “الابوية” لـ”محرر البلاد” شارل ديغول، فان انتفاضة الشباب اللبناني تمرد صارخ على كل السلطات “الابوية” السياسية والطائفية، وكل الوصايات الداخلية والخارجية.

لقد استطاعت إرادة الشباب اللبناني الزاخرة بحس تغييري وحداثي وطموحات مذهلة، ان تحقق في ايام ما عجز عن انجازه رتل من الاحزاب والاباء والاجداد والثورات الفاشلة طوال قرن كامل. فتيان وفتيات الساحات ادخلوا جديدا في الوعي الجمعي اللبناني بعد حقبات طويلة من الزيف وجعل لصوص سرقة الأحلام يرتعدون في قصورهم المبنية من المال المنهوب. 17 تشرين يوم لبناني مشهود ومفصلي وما بعده غير ما قبله.

لكن مهلا الانجاز يحتاج الى من يحميه ويصونه في مواجهة نظام هرم وعفن لكنه عنيف وشرس، لا يشبه اي نظام في العالم وتحتاج فيه الى 17 ثورة في آن واحد في 17 طائفة من طوائفة المتكالبة على السلطة والحصص. اركان هذا النظام لا يزالون يملكون اوراق اللعب ويفرضون علينا شروط اللعبة ويفرضون علينا التقيد بشروط لعبتهم تحت طائلة جر البلاد والعباد الى نار الفتنة والهلاك الاقتصادي. عندما يشعرون بالخطر يتكاتفون لأنهم يعرفون تماماً ان ثورهم الأبيض يؤكل عندما أكل ثورهم الأسود، وعندما يتفقون يقتسمون جبنة الدولة حصصا وعندما يختلفون يحرقون الوطن. النظام غير الدولة، وعندما يكون النظام قويا تكون الدولة ضعيفة لان ليس من مصلحتهم ان يكون هناك دولة ومؤسسات الا عندما تخدم مصالحهم. نقطة ضعف هذه الأنظمة هي في قيام الدولة الديموقراطية وبناء دولة القانون، لذلك يسعون بكل ما اوتيوا من قوة لدفن مشروع دولة كهذه، ومقتلهم هو في بناء مثل هذه الدولة لذلك يجب ان يظل مشروع قيام الدولة وسيادة القانون سيفا مصلتا على رقابهم.  يخافون من تسرب قواعدهم الشعبية الطائفية الى فضاء وطني جامع كالذي حصل في 17 تشرين، لذا لا عجب في ان يلجاوا الى معادلة الاوعية المتصلة بنفخ التعصب في وعاء طائفة لاستفزاز طائفة اخرى ورفع التعصب في وعائها الى المنسوب نفسه من اجل خنق الحراك المضاد للطائفية في مهده، وهذا ما يحصل بالتعاون والتكافل بين زعماء الطوائف على رغم خلافاتهم المستعصية.

انتفاضة 17 تشرين هي نقطة الضوء في هذا النفق، هي السكة التي يمكن ان تقود الناس الى الخلاص وبناء الدولة الوطنية اولا ثم دولة المواطنة الدولة المدنية العصرية

هم يعرفون مكامن الفساد اكثر مما نعرف بكثير لأنهم هم من رباه ومن كبره. لا بل يستغلون حروبنا الصغيرة على الفساد لتطوير فسادهم وفنون السرقة، كلما وجدنا ثغرة لمحاسبتهم ابتدعوا وسيلة لتطوير سرقاتهم.

سر قوتهم  هو الطوائف والهواجس التي زرعت فيها على مدى الزمن، الطوائف اعتى قوة من القنبلة النووية، المسيحي في لبنان يتحدث عن العلمنة ليس رغبة فيها بل لإدراكه ان المسلم يرفضها وتاليا يساوم بالعلمنة على بقاء المناصفة في ظل الغلبة الديموغرافية للمسلمين، والسني يرفض المس بالطائفية حتى لا يخسر مكتسباته الدستورية في الطائف، والدرزي يتمسك بحصته الطائفية حتى لا يضيع بين ارجل فيلة الطوائف الكبرى، الشيعة يتحدثون عن إلغاء الطائفية السياسية لكنهم في الجوهر يريدون تعديلا دستوريا يثبت مكانتهم المكتسبة بالدم في صلب النظام تحسبا لانقلابات خارجية تعيد فرض توازنات محلية مختلة. بالطائفية يتعزز منطق الجماعة، ويتلاشى في المقابل الإحساس الطبقي والاجتماعي، ويصير مثلا سبب البطالة او الفقر الهيمنة السياسية للطائفة الاخرى وينسى الجميع ان الحرمان يطال الجميع ويتساوى فيه الجميع وان سببه الرئيس هو المحاصصة والسرقة الطائفية، لا بل ان الطائفية هي الستار الحديد لحامية الفاسدين والسارقين والقتلة.

متاهة لا مثيل لها في التعقيد والتشابك وصعوبة التفكيك؟ هل نستسلم للأمر الواقع؟ وهل نسلم أمرنا لهم لبيعنا وشراءنا كما يحلو لهم؟ هل نستسلم لليأس؟ ام ان هناك مخرج ما؟ أين هذا المخرج وهل هناك مدخل الى الحل وكيف يمكن للبديل ان يرى النور؟

انتفاضة 17 تشرين هي نقطة الضوء في هذا النفق، هي السكة التي يمكن ان تقود الناس الى الخلاص وبناء الدولة الوطنية اولا ثم دولة المواطنة الدولة المدنية العصرية. الوطن اولا لاننا لسنا في جزيرة معزولة بل في بحر تتلاطم في امواج الصراعات الاقليمية والدولية. دولة وطنية تحدد من هو عدوها وخصمها وتضع مصلحة الوطن وسيادته فوق كل اعتبار على عكس دولة الطوائف التي تستجير فيها كل طائفة بدولة خارجية للاستقواء على شريكها في الوطن وتصير ناطقا باسمها واداة او وكيل اعمال. ويصير الوطن شركة مساهمة متعددة الهوية والجنسية لكل شريك فيها غايات واهداف لاتمت بصلة للاهداف الوطنية. دولة وطنية تبحث عن مصلحة مواطنيها حيث كانت وليس حيث يريد المشغلين الخارجين. دولة قادرة على الانفتاح على الشرق والغرب تبعا للمصلحة الوطنية وليس لمصالح تجار الهيكل ولصوصه الكبار.

هذا الحراك هو حتى هذه اللحظة حركة الناس التي لا روابط سياسية او ايديولوجية تجمعها مدعومة ببعض المجموعات السياسية الصغيرة  او مجموعات ما يسمى المجتمع المدني والجمعيات الاهلية، والقاسم المشترك بينها كان اسقاط الحكومة بكل تلاوينها السياسية التي امعنت بالوطن انتهاكا واذلالا، وتكليف حكومة انقاذ تاخذ على عاتقها استرداد المال المنهوب ومحاكمة الفاسدين  والاصلاح الاقتصادي والاعداد لاصلاح سياسي عبر قانون انتخابي حديث ومتوازن. لكن حتى اذا ما تحقق هذا الانجاز نظريا فان امكانات المجموعة الحاكمة على تبديد هذا الانجاز لا تزال قوية في غياب الرقابة الجدية من الناس ولا سيما المنتفضين منهم. لابل فان النظام الطائفي لايزال يملك القدرة على تحويل الانتفاضة انجازا له باستخدامها لتجديد نفسه عبر القيام بعمليات تجميل شكلية داخل صفوفه.

من هنا فان عدم الاعلان عن قيادة وشكل تنظيمي للحراك ادى غرضه في المرحلة الاولى واربك السلطة التي كانت تبحث عن ممثلين له لبث الخلاف بينهم. لكن المرحلة الثانية من الحراك يتعين ان تركز على تنظيمه وتاطيره لاجل تحقيق الغايات المرجوة منه كي لا تضيع.

الامر نفسه ينطبق على الانتخابات البلدية والنقابية بالعمل والسعي الحثيث الى اقرار قانون عصري ومتوازن للانتخابات واعداد العدة للمشاركة الفاعلة في هذه الانتخابات والانخراط فيها عبر لوائح مشتركة حيث امكن عنوانها “17 تشرين”

حتما ليس سهلا جمع المنتفضين في بوتقة تنظيمية واحدة نظرا الى الفوارق السياسية والاهواء الايديولوجية والاثقافية بينهم. لكن يمكن التعويل على ما تحقق واعتباره انجازا يعيد الثقة للناشطين بانفسهم، من اجل تشكيل مجموعات ضغط سياسية متنوعة او احزاب او تجمعات منسجمة تعيد الحياة الى السياسة بعدما دفنت طويلا. وتسعى الى جذب المزيد من الشباب نحو العمل في الشأن العام.

وعلى رغم ان التنوع ونقاط الاختلاف ستظل قائمة وموجودة بين هذه المجموعات حتى بعد تاطيرها، لكن العناوين العامة للمرحلة المقبلة ستظل القاسم المشترك بينها، وبما ان 17 تشرين شكل خيمة انضوى تحتها الجميع، يمكن اقامة “تحالف 17 تشرين” بين هذه القوى مجتمعة او معظمها لمتابعة مسيرة الرقابة والضغط والعمل على تحقيق الاهداف التالية على طريق بناء الدولة الوطنية المدنية.

ولعل العنوان الابرز لاعادة احياء الحياة السياسية في لبنان، هو انخراط قوى التغيير وناشطي 17 تشرين في اعادة الاعتبار للهيئات النقابية التي صادرتها احزاب قوى السلطة، لا سيما الاتحاد العمالي العام ونقابات العمال ونقابات المهن الحرة والاتحادات الطالبية، عبر الانخراط في نشاطاتها وهيئاتها لاعادتها الى فعاليتها المفقودة.

والامر نفسه ينطبق على الانتخابات البلدية والنقابية بالعمل والسعي الحثيث الى اقرار قانون عصري ومتوازن للانتخابات واعداد العدة للمشاركة الفاعلة في هذه الانتخابات والانخراط فيها عبر لوائح مشتركة حيث امكن عنوانها “17 تشرين”.

والاهم من ذلك كله التمسك بتطبيق الدستور وتفعيل بنودع المنسية منه لاسيما الرقابية والهادفة الى الغاء الطائفية واحداث التغيير من خلال صناديق الاقتراع والضغط السلمي في الشارع، وتجنب الشعارات او الاساليب الانقلابية، لان الانقلاب يبرر الانقلاب المضاد. ولعل هذه المجموعة الحاكمة والمتمسكة بكراسيها وبالنظام الزبائني تنتظر فرصة كهذه لتبرير انقلاب مضاد قد يكون دمويا.

مع التذكير انه بناء على شرعية انتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019، يصبح مطلب البدء بتفعيل مسار الغاء الطائفية السياسية مسألة راهنة، في ظل اللحظة التأسيسية الشعبية. وأي تأخير في تفعيل هذا المسار هو مخالفة متجددة للدستور، وكذلك لمرجعية ثورة 17 تشرين الدستورية. وذلك لأن الفقرة (د) من الدستور تنص صراحة على “أن الشعب هو مصدر السلطات، وصاحب السيادة، ويمارسها عبرالمؤسسات الدستورية”.

وختاما نقول للتشرينيين، لقد حققتم في أيام ما عجز “لبنان الكبير” بحكامه الصغار عن تحقيقه على مدى أكثر من مئة سنة، ومسحتم من ذاكرة الوطن كل الحروب الأهلية الدموية التي أشعلوها .لقد كنتم كبارا واصلوا السير.

أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course