“عجيبة” ربع قرن من عمر “إسـتقرار” الليرة

برغم كارثية الوضع الإقتصادي والإجتماعي منذ سنوات طويلة، إلا أن الناس لم تشعر به إلا عندما لامس النقد و"الواتساب"، في حين ان من يدقّق بالمسار الاقتصادي والمالي منذ أكثر من ربع قرن من الزمن والسياسات، يجد نفسه أمام تراكمات سلبية، وضعت "النموذج" على خط الزلازل.

يقول مصرفي عتيق شاهد على عمل هذا القطاع في عز الحرب الاهلية وعلى “نهضته” بعد عام 1993، انه لم يعتقد يوماً انه سيشهد اقفالاً مصرفياً في لبنان يمتد لاسابيع، بعد كل معموديات النار التي مر بها هذا القطاع خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة وخلال الاجتياحات الاسرائيلية للبنان وخاصة في العام 1982.

واذ يذكّر المصرفي بأن أطول اقفال للقطاع المصرفي، بقرار رسمي، حصل إبان ازمة بنك انترا قبل خمسين عاماً ونيف، واستمر اسبوعاً، فان الاقفال الأخير الذي لامس عتبة الشهر (بدءاً من 18 تشرين الأول/أكتوبر) “هو الاطول والاخطر”، وسط ازمة وطنية عميقة يحتل فيها الاقتصاد والمال والنقد موقع القلب، فكيف إذا تداخلت هذه العناصر مع عناصر سياسية وأمنية وفي ظل تعقيدات تتجاوز المسرح اللبناني.
هذا المستجد الإقتصادي والمالي في لبنان، له اخوة وتوائم. هناك اسعار الدولار المتعددة وأسواق سوداء لعملات متنوعة وفقدان للقطع الأخضر من الأسواق وندرة له في المصارف والشركات المالية، بعد أن كبرت أجيال وأجيال على “حقيقة” أن إزدواجية العملة وطغيان التداول بالدولار هو الأمر الطبيعي والبديهي، فمضى أكثر من ربع قرن على ثبات حديدي لسعر صرف الليرة اللبنانية في بلد اقتصاده من ورق وارقام صادراته تخجل من حجم أرقام وارداته.

والمستجد أيضا، قرارات قضائية تتعلق بتهريب الاموال ومنع تسفيرها الا وفق آليات تتجاوز النظام الجمركي المعمول به لتصل الى تعاميم تتعلق بالشحن والنقل صادرة عن المصرف المركزي، فضلا عن آليات حددتها جمعية المصارف لحركة السحوبات والتحويلات وغيرها.

واخيراً، ربما للمرة الاولى يسمع اللبنانيون تحذيرات بالغة الخطورة وداهمة بمهلتها الزمنية من حاكم المصرف المركزي رياض سلامة الذي لم تعرف اجيال عديدة حاكماً غيره لمصرف لبنان، وما عرفته إلا مطمئناً او نافياً لوجود مخاطر على استقرار العملة الوطنية برغم دوام حالة اللاستقرار في لبنان ولفترات طويلة، خاصة في المرحلة التي تلت العام 2000.

سقوط “الأعجوبة اللبنانية”

ماذا تعني كل هذه المستجدات، في خضم الحديث عن إنهيار مالي ونقدي متواصل منذ ثلاث سنوات، ووسط ازمة اقتصادية حادة وبركان اقليمي عميق ومتشعب وحراك شعبي واسع غير مسبوق.
هل يمكن استمرار “النموذج” اليوم؟

كان يحلو للبعض تسمية النموذج اللبناني بـ”الاعجوبة اللبنانية” حيث يستورد البلد اضعاف ما يصدر ويحافظ على فائض في ميزان المدفوعات من خلال دخول مليارات الدولارات الى جهازه المصرفي تعوّض نظرياً عن مدفوعات البضائع المستوردة. نموذج كان يفترض، وفق كتب الاقتصاد والوصفات الأكاديمية، ان ينهار منذ زمن بعيد والا يستطيع الصمود والتطور كل هذه السنوات، بغض النظر عن الأكلاف والتاثيرات على المال والاقتصاد.

الإنفجار الرسمي العلني، حدث في شباط/فبراير 2001، مع اعلان رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون يومها من دارة الرئيس رفيق الحريري في قريطم ان لبنان يواجه ازمة حقيقية، وان الزورق المثقوب يحتاج الى ترميم واصلاح فوريين

الازمة المعلنة الاكبر التي واجهها هذا النموذج كانت في العام 2001، إذ أن كل ما سبقها تم علاجه من ضمن اجراءات داخلية تتعلق بارتفاع الفوائد او تغيير عملة الاستدانة. أما الإنفجار الرسمي العلني، فقد حدث في شباط/فبراير 2001، مع اعلان رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون يومها من دارة الرئيس رفيق الحريري في قريطم ان لبنان يواجه ازمة حقيقية، وان الزورق المثقوب يحتاج الى ترميم واصلاح فوريين، وسط دهشة الحاضرين في ذلك العشاء، على شرف الضيف الدولي.

خيبة من باريس 1 إلى باريس 2

كانت النتيجة أن اللغة الرسمية الرافضة، حينذاك، للإعتراف بالأزمة، سلّمت بوجود ازمة وضرورة علاجها، فكان باريس 1. مؤتمر دعت إليه فرنسا وأريد له ان يشكل الغطاء الخارجي لانعطافة في المقاربة، في حين صدرت مجموعة قوانين ضريبية وجمركية، بينها قانون الضريبة على القيمة المضافة (بعد ان كان الحريريون يرفضونه ويريدون فرض ضريبة على المبيعات)، لتؤسس إلى تغيير يكسر النمط السائد منذ مطلع التسعينيات (مقاربة اعمار البنى التحتية)، الا ان النتيجة جاءت مخيبة، لجهة تكريس النموذج الإقتصادي المأزوم.

بعد عام واحد، اي في العام 2002، جاء مؤتمر باريس 2، الذي حمل وعوداً بقروض بمليارات الدولارات وودائع في المصرف المركزي اللبناني، مع غطاء دولي كبير لتشجيع انسياب الودائع الى لبنان، لا سيما ان ذلك تزامن ووصول مئات مليارات الدولارات الى المنطقة العربية، غداة احداث 11 ايلول/سبتمبر في الولايات المتحدة الاميركية، ونال لبنان منها نصيبا كبيراً، بالمقارنة مع حجم الودائع فيه وحاجته السنوية المقدرة وقتذاك بأقل من 3 مليارات دولار، فكان ان دخل اليه ما بين 8 و10 مليارات دولار سنوياً لفترة طويلة.

وقد تزامنت هذه التطورات أيضا مع اتفاق الحكومة مع المصارف اللبنانية حينها، على اعطاء الدولة قرضاً مالياً بفائدة صفر لعدة سنوات، ما سمح بتخفيض معدل الفائدة عدة نقاط، في حين ان سعر الفائدة كان يتجه اصلاً الى حدود الصفر في العالم.

 أحداث وأهوال.. و”ربيع عربي”!

احداث جسام وزلازل سجلت خلال هذه الاعوام، بدءاً باغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري من لبنان (2005) وعدوان تموز/يوليو 2006 والازمة المالية العالمية 2008، مرورا بالصراع المتوتر جراء تمرير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والاعتصامات في الشارع (وسط العاصمة) ومحاولة سحب سلاح الاشارة للمقاومة وإقالة رئيس جهاز أمن المطار وبعدها احداث 7 ايار ومؤتمر الدوحة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وإستقالة الوزراء السبعة من حكومة سعد الحريري.. وصولا إلى الاطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري في العام 2010، عشية إندلاع شرارة الأزمة السورية.

شكل انفجار ما يسمى “الربيع العربي” في العام 2011، بتداعياته السياسية والأمنية، نقطة مفصلية حادة لتطور هذا النموذج النقدي اللبناني لا سيما مع اندلاع الازمة السورية بحديها، أولها اقفال حدود لبنان (مع سوريا) وعزلته البرية عن محيطه العربي

امام هول وخطورة كل هذه الاحداث، طوال خمس سنوات، لم يشعر لبنان بخطر نقدي محدق او باهتزازات مالية، برغم ان اقتصاده كان يدفع الثمن ويتراكم تآكله ويتضاعف الخلل البنيوي فيه مع تهميش قطاعات الانتاج وسيطرة الريع على كل مفاصل الإقتصاد اللبناني.

ولقد شكل انفجار ما يسمى “الربيع العربي” في العام 2011، بتداعياته السياسية والأمنية، نقطة مفصلية حادة لتطور هذا النموذج النقدي اللبناني لا سيما مع اندلاع الازمة السورية بحديها، أولها اقفال حدود لبنان (مع سوريا) وعزلته البرية عن محيطه العربي، وثانيها، قدوم ما يقارب المليون ونصف مليون نازح سوري إلى لبنان، اي ما يقارب ربع سكان لبنان دفعة واحدة.

هذه التطورات الإقليمية والمحلية، ترافقت مع تقلص متواصل في حركة دخول الاموال بالعملات الصعبة إلى المصارف اللبنانية بسبب بركان المنطقة وتحول الدولار الى عملة نادرة ومطلوبة، برغم ان لبنان كان قد راكم واكتنز فائضاً كبيراً، اعلى بكثير من حاجته، كما كان مكلفاً بطبيعة الحال!

الفساد هو الحاكم

التوترات الداخلية المتأتية من الصراع على السلطة والمغانم او تلك الناجمة عن التشظيات اللبنانية تبعا لانقسام المحاور في المنطقة، وعدم انتخاب رئيس للجمهورية على مدى عامين ونيف، اي أن غياب الافق السياسي الطبيعي، في منطقة ملتهبة، اعاد للمرة الاولى المخاطر النقدية وحاجة البلاد للعملات الصعبة، خاصة ان النموذج قد توسع ليأكل ما تبقى من اقتصاد مع تنام لخدمة الدين وتوسع المديونية وتحول الفساد من ظواهر في جسم ما تبقى من اقتصاد وبنى تحتية ومشاريع وادارة ليصبح الفساد هو الاساس وما تبقى هوامش.

تحت ضغط الحاجة لاستمرار النموذج، جاءت الهندسات المالية التي امّنت الاستقرار ولكنها حملت اكلافاً كبيرة مع تحول السوق الى مستوى مختلف نوعياً

غياب السياسات الاقتصادية ـ والغياب يشكل أحيانا خيارا بحد ذاته ـ كما غياب السياسات المالية وخاصة المتعلقة بادارة الدين، وتخلف السياسات الضرائبية وتناقضها وعدم إندراجها في خدمة رؤية محددة، فضلا عن تقلص دخول الموارد الخارجية التي تنعش النموذج، كل ذلك، جعل تراكم العجز في ميزان المدفوعات وفي الحساب الجاري يختل بشكل مخيف، وبدلاً من استنباط سياسة نقيضة للنموذج والعودة الى الاقتصاد وتقليص الحاجة للعملات الصعبة عبر ضوابط على الاستيراد ووسط غياب اي سياسة رسمية وخصوصا في القطاعات الإنتاجية، وتحت ضغط الحاجة لاستمرار النموذج، جاءت الهندسات المالية التي امّنت الاستقرار ولكنها حملت اكلافاً كبيرة مع تحول السوق الى مستوى مختلف نوعياً.

ومع اعادة توفر الدولارات بكميات كبيرة في السوق، اثر الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان، كان يجب استخدام هذا الفائض في الاقتصاد الحقيقي المنتج، خاصة مع وصول العماد ميشال عون الى سدة رئاسة الجمهورية، وهو الذي كان قد طرح شعار الانتاج بدل الريع، الا ان التسوية الرئاسية، وما حملته من صون للنموذج ضيعت على لبنان فرصة ذهبية وضاعت من جديد المليارات بالمضاربات او باستمرار الدفاع عن تثبيت سعر صرف العملة الوطنية في عز الازمات السياسية او نتيجة اخطاء والعودة إلى الوراء بدل اعادة ضخ الحياة في الاقتصاد الداخلي المنتج.

بناء هيكل جديد

صرنا عمليا أمام العوامل الآتية:

  • تقلص الهامش، نضوب السيولة والتنافس عليها في المنطقة والارتفاع المجنون للفوائد (عوامل اقتصادية).
  • الازمة السياسية وانفلات عقال الخيارات والطموحات السياسية وضغط العقوبات الاميركية على حزب الله (عمليا على لبنان) وحملات التهويل بالانهيار (العوامل السياسية).

بعد اسبوعين من انفجار هذه العوامل مجتمعة ووسط ازمة سياسية إقتصادية مالية غير مسبوقة، لم يظهر بصيص امل لتفاهم يمكن الركون اليه ويسمح بوضع مخطط وبرنامج زمني ليتسنى احتساب الأكلاف المطلوبة للتعاطي مع قرار اعادة فتح المصارف ابوابها، خصوصاً ان المشاكل الناجمة عن الاقفال كبيرة ومتشعبة.

اما المسألة الأصعب، وهي القدرة على مواجهة الازمة وإمكانية حصر نتائجها فعلاً، فإنها تحتاج إلى توفر الثقة، التي تشكل المفتاح الاساس للنجاح في حال توفر الامكانات، لكن هذه الثقة في ادنى مستوياتها حالياً، خاصة بعد استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وتعذر تشكيل حكومة جديدة وتجدد خطر الإنقسام السياسي.

لبنان بلد يتمتع بالقدرات الضرورية للخروج من الازمة الراهنة، كما من الازمة المزمنة المقيمة منذ أكثر من ربع قرن، بفعل الخيارات الخاطئة بحق اقتصاده وبحق ابنائه، ولكن إنقضىت عقود على المراوحة ضمن هيكل مختل بنيوياً، ركيزته النقد الاجنبي المستورد، كما السلع، فهل تكون ثمة فرصة لبناء هيكل جديد، صالح، ام نضيّع الفرصة ومعها نطيح بما هو قائم ايضاً بحجة تبني نظريات غير واقعية من نوع ان الهدم هو طريق البناء؟

(*) رئيس تحرير مجلة “الإعمار والإقتصاد”، خبير إقتصادي ومالي

حسن مقلّد

خبير إقتصادي، رئيس تحرير مجلة موقع الإعمار والإقتصاد

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course