لا يمكن مقاربة الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان بوصفه حدثاً طارئاً، ولا باعتباره نتيجة أخطاء تقنية في السياسات النقدية أو سوء إدارة.
لا يمكن مقاربة الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان بوصفه حدثاً طارئاً، ولا باعتباره نتيجة أخطاء تقنية في السياسات النقدية أو سوء إدارة.
حسناً فعل القاضي الإداري كارل عيراني بإلزامه وزارة المال في 24 تموز/يوليو 2023 بتسليم تقرير التدقيق الجنائي الذي أنجزته شركة "ألفاريز". لولا عيراني، لما انفضحت الخبايا التي وثّقها التقرير وتم رميه في الأدراج بعنوان "سري". ولولاه أيضاً، لما سقط رياض سلامة.. بشراكة مع مدعي عام التمييز بالإنابة القاضي جمال الحجار الذي استدرجه كشاهد فقط لا غير.
في العام 1997، ربط مصرف لبنان الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي. لذا، كان لا بدّ من جذب العملات الأجنبية إلى البلاد، مهما كلّف الامر. فاستخدمت الحكومات استراتيجيات مختلفة لزيادة عرض الدولار الأميركي في النظام المصرفي:
عندما وقّعت حكومة الرئيس حسّان دياب عقد التدقيق الجنائي مع شركة "Alvarez & Marsal "، في صيف العام 2021، وافقت على عدم تسليم التقرير المُصنّف "سرّيّاً" إلى أي إدارة، حتى إلى القضاء اللبناني.
ما يحدث في لبنان ليس طبيعياً. من غير المفهوم أنه على مدى أكثر من عامين وحكومتين متتاليتين منذ بداية واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في التاريخ والتي نجمت عن سوء الإدارة والفساد، لم يتم اتخاذ أي إجراء تصحيحي فحسب، بل تم اتخاذ تدابير عكسية أدّت إلى تضخيم الأزمة.
في مقابلته مع قناة "فرانس 24"، لم يقل حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة جديداً بحديثه عن إنتهاء عصر تثبيت سعر صرف الليرة. أما إستدراكه التوضيحي، عبر "رويترز"، بالقول "إن ذلك مرتبط باتفاق مع صندوق النقد الدولي"، فهو لزوم ما لا يلزم. لماذا؟
تضع اللجان الاستشارية الخمس التي كلفها رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب نصب عينيها الخروج ببرنامج مالي واقتصادي، على المديين المتوسط والبعيد، لحل أزمة الدولة اللبنانية. الهدف هو إيجاد موارد مالية لسداد ديون تراكمت على مدى ثلاثة عقود وأصبحت مهددة للمجتمع اللبناني في حياته اليومية، وخير دليل النفق الذي دخلنا فيه منذ خمسة اشهر.
برغم كارثية الوضع الإقتصادي والإجتماعي منذ سنوات طويلة، إلا أن الناس لم تشعر به إلا عندما لامس النقد و"الواتساب"، في حين ان من يدقّق بالمسار الاقتصادي والمالي منذ أكثر من ربع قرن من الزمن والسياسات، يجد نفسه أمام تراكمات سلبية، وضعت "النموذج" على خط الزلازل.
لم تأت إطلالة حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة الإعلامية في ظرف عادي، بل في ظرف غير مسبوق دلّل عليه سلامة من خلال إشاراته مرات عدة إلى أننا "نمر بظرف إستثنائي"، وذلك في المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس (الإثنين) على وقع أصوات المحتجين خارج أسوار المصرف، الذين كانوا يحملونه مسؤولية ما آلت إليه أوضاع لبنان المالية والنقدية والإقتصادية، نتيجة سياسات مستمرة منذ 27 عاما، لا سيما تلك التي إنتهجها في السنوات الأخيرة؛ أي الهندسات المالية.