أمن الخليج بعد الحرب.. الردع أم التفاهم مع إيران (2/2)؟

ألحقت الضربات العسكرية الإيرانية التي استهدفت أهدافاً ومواقع في دول الخليج أضراراً بالعلاقات الإيرانية-الخليجية، حتى وإن كانت محدودة نسبياً، وحتى إذا كانت، بحسب الرواية الإيرانية، موجهة أساساً ضد القواعد والشركات والمصالح الأميركية الموجودة في تلك الدول. فمن وجهة النظر الخليجية، أثبتت الحرب أن أراضي دول المجلس يمكن أن تتحول سريعاً إلى جزء من ساحة المواجهة الأميركية-الإيرانية.

وعزّز ذلك المخاوف الأمنية الخليجية، ودفع باتجاه مزيد من التكامل الدفاعي وتطوير التعاون العسكري مع الولايات المتحدة ودول أخرى، بدليل الإعلان مؤخراً عن ولادة التحالف الثلاثي الباكستاني-التركي-السعودي (اتفاق مكة)، لكن ثمة مفارقة أن التجربة نفسها قد تدفع أيضاً في الاتجاه المعاكس: أي إلى البحث عن تفاهمات مباشرة مع إيران تقلص احتمال تحول الدول الخليجية مجدداً إلى ساحات أو أهداف في أي مواجهة مستقبلية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية في العلاقات الخليجية-الإيرانية: الدول الخليجية تحتاج إلى المظلة الأمنية الخارجية لردع إيران، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى علاقة مستقرة مع إيران حتى لا تتحول هذه المظلة نفسها إلى سبب لاستهدافها.

بين التوتر الهيكلي والمصلحة المشتركة

تستند التوترات بين الجانبين إلى عوامل هيكلية يصعب تجاوزها سريعاً. فهناك الخلافات المذهبية، والتنافس على النفوذ في اليمن ولبنان والعراق وفلسطين، والمخاوف الخليجية من تمدد النفوذ الإيراني ومن البرنامجين النووي والصاروخي. وفي المقابل، تنظر إيران إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة الخليجية باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وترى أن استخدام القواعد الموجودة في الدول الخليجية ضدها يُحوّل هذه الدول، بغض النظر عن رغبتها، إلى جزء من البيئة العسكرية المعادية.

لكن الجغرافيا نفسها التي تنتج هذه التوترات تخلق مصالح مشتركة يصعب تجاهلها. فأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من النفط العالمي، واستقرار أسواق الطاقة، والتجارة والاستثمار، والحاجة إلى تجنب الحروب المدمرة، كلها عوامل تجعل التعايش بين إيران ودول الخليج ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار دبلوماسي.

وقدّمت تجربة اتفاق بكين عام 2023 بين السعودية وإيران نموذجاً مهماً في هذا المجال. فقد أثبت الاتفاق أن التهدئة ممكنة حتى في ظل خلافات استراتيجية عميقة، وأن إدارة التنافس لا تتطلب بالضرورة إنهاء أسبابه. غير أن أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر وما أعقبها من حروب إقليمية، وصولاً إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وضعت هذه العملية أمام اختبار بالغ الصعوبة.

أي علاقة يمكن أن تنشأ بعد الحرب؟

السيناريو الأول الأكثر واقعية هو «التهدئة البراغماتية». فإيران الخارجة من الحرب تحتاج إلى تحسين علاقاتها مع الدول الخليجية، ولا سيما السعودية وقطر وسلطنة عُمان، التي بقيت قنوات الاتصال معها مفتوحة. كما تحتاج إلى الاستثمارات والأسواق الإقليمية في عملية إعادة الإعمار. وفي المقابل، لا تبدو الدول الخليجية راغبة في الدخول في مواجهة طويلة مع إيران، لأن أولوياتها الاقتصادية والتنموية تتطلب بيئة إقليمية مستقرة.

وقد يقود ذلك إلى تفاهم يقوم على معادلة بسيطة ولكنها صعبة التنفيذ: ضمانات إيرانية بعدم استهداف الدول الخليجة أو مصالحها، مقابل ضمانات خليجية بعدم السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران.

أما السيناريو الثاني فهو «إدارة التوتر»، حيث تستمر العلاقات الدبلوماسية والتجارية من دون انتقالها إلى شراكة استراتيجية، بالتزامن مع استمرار الشكوك الأمنية وتعزيز دول الخليج قدراتها الدفاعية، وربما تطوير صيغة أكثر تكاملاً للدفاع الخليجي المشترك. وفي هذا السيناريو، يبقى التعاون الاقتصادي ممكناً، بينما تستمر الخلافات حول البرنامج النووي والصواريخ وعلاقات إيران بالفصائل المسلحة في المنطقة.

ويبقى السيناريو الثالث، وهو العودة إلى التصعيد، مرتبطاً أساساً بانهيار المفاوضات وعودة الحرب الأميركية-الإيرانية، وهو احتمال ترتفع حظوظه بعد انتهاء هدنة الستين يوماً. في هذه الحالة، ستسعى طهران إلى تعزيز حضورها العسكري في مضيق هرمز وعلاقاتها مع حلفائها الإقليميين، بينما تتجه الدول الخليجة إلى توثيق تحالفاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، ما يعيد إنتاج الحلقة نفسها التي أدت إلى الأزمة.

من إدارة الأزمات إلى بناء المصالح

إذا أراد الطرفان الانتقال من مجرد التهدئة إلى علاقة أكثر استقراراً، فإن ذلك يحتاج إلى شبكة مصالح تجعل كلفة العودة إلى الصراع أعلى من كلفة التسوية.

ويأتي الأمن البحري في مقدمة هذه المصالح. فمن الممكن إنشاء آلية خليجية-إيرانية لأمن الملاحة في مضيق هرمز، تشمل تبادل معلومات محدودة تتعلق بالتهريب والقرصنة والحوادث البحرية، إلى جانب تفاهمات تحول دون إغلاق المضيق أو استخدامه أداة ضغط في الأزمات السياسية.

أما المجال الثاني فهو الاقتصاد وإعادة الإعمار. فإيران ستحتاج إلى استثمارات واسعة لإعادة بناء البنية التحتية وقطاع الطاقة والمنشآت الصناعية التي تضررت خلال الحرب، وهو ما يمكن أن يفتح مجالاً أمام رؤوس الأموال الخليجية. ويمكن تفعيل غرف التجارة المشتركة، وتطوير مشاريع في النفط والغاز والبتروكيماويات والسياحة الدينية والنقل والخدمات، بحيث تصبح المصالح الاقتصادية إحدى أدوات تثبيت الاستقرار السياسي.

ويتمثل المجال الثالث في الحوار الإقليمي المؤسسي. فقد طرحت إيران سابقاً مبادرات عدة، من بينها مبادرة هرمز للسلام، ويمكن تطوير هذه الأفكار بالاستفادة من تجربة اتفاق بكين وصولاً إلى إطار مؤسسي يضم دول مجلس التعاون الست وإيران بصيغة «6+1»، يعقد اجتماعات وقمماً دورية ويملك أمانة أو جهازاً دائماً لمتابعة الملفات الأمنية والاقتصادية والبيئية المشتركة، ولا شيء يحول دون تطوير اتفاق مكة الثلاثي حتى يصبح إطاراً أوسع يضم إيران ومصر وبعض الدول العربي لملء الفراغ وتوفير مظلة حماية إقليمية.

ولا يقل البعد الثقافي والاجتماعي أهمية عن هذه المسارات. فالعلاقات التاريخية والدينية والاجتماعية بين ضفتي المياه الخليجية توفر قاعدة يمكن البناء عليها عبر تبادل زيارات علماء الدين والوفود الأكاديمية والبرامج الطلابية والرياضية والثقافية، وتطوير التعاون الجامعي والبحثي، فضلاً عن العمل المشترك في مواجهة تحديات عابرة للحدود، مثل التصحر والتغير المناخي والأمن المائي والبيئي.

إقرأ على موقع 180  أرض لبنان بديل جهنم.. والحرب أسوأ النوايا!

من «التهدئة الباردة» إلى الشراكة البراغماتية

يمكن أن تبدأ العلاقة بمرحلة من «التهدئة الباردة»، تقوم على استمرار العلاقات الدبلوماسية، وخفض الخطاب التصعيدي، وبناء الثقة تدريجياً، بالتوازي مع دخول استثمارات سعودية وإماراتية وخليجية إلى السوق الإيرانية إذا سمحت الظروف السياسية والعقوبات بذلك.

وإذا نجحت هذه المرحلة، يمكن الانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً من «الشراكة البراغماتية»، من خلال مشاريع بنيوية يصعب تفكيكها عند كل أزمة سياسية، مثل الربط الكهربائي وشبكات الغاز والطاقة والنقل والتجارة البحرية.

وتكمن أهمية هذه المشاريع في أنها لا تفترض انتهاء الخلاف الأيديولوجي أو السياسي، وإنما تنقل العلاقة من معادلة تقوم حصراً على الردع والخوف إلى معادلة يصبح فيها للاستقرار مردود اقتصادي مباشر لجميع الأطراف.

خطوات عملية لبناء التقارب

تواجه المنطقة تحديات تتجاوز العلاقات الإيرانية-الخليجية، وفي مقدمتها التداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالسياسات الإسرائيلية والحديث عن «إسرائيل الكبرى»، الذي سبق أن أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولذلك فإن الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى الاستقرار يحتاج إلى خطوات سياسية قابلة للقياس.

يمكن أن تكون البداية بعقد قمة استثنائية تجمع دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، تضع مجموعة من «مبادئ التعايش السلمي» تشمل احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم استخدام القوة وبناء تصور تدريجي للأمن المشترك.

وينبغي أن تترافق هذه المبادئ مع ضمانات متبادلة: تلتزم إيران بعدم استهداف الدول الخليجية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فيما تلتزم دول مجلس التعاون الخليجي بعدم السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران. ومن شأن هذا التفاهم، إذا اقترن بآليات للتحقق وإدارة الأزمات، أن يعالج واحدة من أخطر المشكلات التي كشفت عنها الحرب الأخيرة.

ويمكن أن يشكل اليمن الاختبار العملي الأول لهذه المقاربة. فبدلاً من أن يبقى ساحة للتنافس الإيراني-الخليجي، يمكن تحويله إلى نموذج للتسوية من خلال دعم اتفاق سلام شامل وفتح الطريق أمام تسوية يمنية-يمنية، بمساعدة الدول الخليجية وإيران. ومن شأن نجاح هذا المسار أن يحقق هدفين متلازمين: إنهاء الحرب الداخلية اليمنية، وإزالة واحد من أهم مصادر الاحتكاك في العلاقات الإيرانية-الخليجية. يُمكن أيضاً أن يكون لبنان هو ساحة الاختبار الثاني، من خلال تفاهم إيراني-خليجي، وتحديداً إيراني-سعودي، يُفضي إلى معالجة سياسية لقضية حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.

خاتمة: أي نظام إقليمي بعد الحرب؟

غيّرت الحرب معادلات القوة، لكنها لم تنتج حتى الآن نظاماً إقليمياً جديداً مستقراً. وقد تكون إسرائيل حققت مكاسب عسكرية واستراتيجية مهمة من خلال إضعاف القدرات الإيرانية، لكن الحكم على المستفيد النهائي من الحرب يبقى مرتبطاً بما ستؤول إليه نتائجها السياسية، وبقدرة كل طرف على تحويل الإنجاز العسكري إلى ترتيبات مستدامة في مرحلة ما بعد الحرب.

أما إيران، فإن مستقبلها سيتحدد بدرجة كبيرة وفق قدرتها على تحقيق أربعة أهداف مترابطة: إعادة بناء قدراتها ومؤسساتها بعد الخسائر التي تعرضت لها؛ إدارة انتقال القيادة والتحديات الاقتصادية من دون اهتزاز داخلي واسع؛ إستمرار تحكمها بمضيق هرمز؛ إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية بما يقلل احتمال اندلاع حرب جديدة.

وفي هذا السياق، تحتل العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي موقعاً مركزياً. فلا إيران تستطيع تغيير الجغرافية الخليجية، ولا دول المجلس تستطيع بناء استقرار طويل الأمد يقوم على افتراض عزل إيران أو إقصائها بصورة دائمة. وفي المقابل، لا تستطيع طهران المطالبة بنظام أمني إقليمي جديد من دون معالجة المخاوف التي تثيرها سياساتها النووية والصاروخية وعلاقاتها مع الفصائل المسلحة غير الحكومية.

ولهذا فإن السلام الدائم يحتاج إلى تنازلات متبادلة، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل الخلافات الأيديولوجية والسياسية والأمنية العميقة، لكنه ليس مستحيلاً. والأكثر واقعية ربما ليس البحث عن «مصالحة تاريخية» شاملة، وإنما بناء عملية تراكمية تبدأ بمنع الحرب، ثم إدارة الخلاف، ثم توسيع المصالح المشتركة، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات إقليمية تجعل العودة إلى المواجهة أكثر كلفة.

وهكذا تبدو المنطقة أمام خيارين استراتيجيين مختلفين:

-إما الاستمرار في إدارة المخاطر من أزمة إلى أخرى، بما يعنيه ذلك من دورات متعاقبة من الحرب والتهدئة وإعادة التسلح واستنزاف الموارد؛

-وإما الانتقال تدريجياً نحو نظام إقليمي أكثر توازناً يقوم على الاعتراف بأن أمن إيران وأمن الدول الخليجة ليسا معادلتين متعارضتين بالضرورة.

فالدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من الحرب هو أن التفوق العسكري يستطيع تدمير المنشآت وإضعاف القدرات وتعديل موازين القوة، لكنه لا يستطيع وحده بناء نظام إقليمي مستقر. كما أن الردع الإيراني يستطيع رفع كلفة الحرب، لكنه لا يستطيع أن يوفر لإيران الأمن إذا بقي جيرانها ينظرون إليها باعتبارها مصدراً دائماً للتهديد. وبين هاتين الحقيقتين تقع المساحة التي يمكن أن يتشكل فيها نظام جديد للعلاقات الإيرانية-الخليجية: نظام لا يقوم على الثقة الكاملة، وهي غير متوفرة حالياً، وإنما على المصالح المتبادلة والردع المنضبط والمؤسسات القادرة على إدارة الخلاف قبل تحوله إلى حرب.

(*) راجع الجزء الأول بعنوان: إيران وحسابات ما بعد انتهاء الهدنة: النظام ينجو والمواجهة لم تنتهِ (2/1)

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية، طهران

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  محور طهران ـ القدس.. المساحات الرمادية تضيق