قبل اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026، كان مضيق هرمز يستوعب نحو خُمس الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، فيما كان يعبره نحو 15 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية. وهذا وحده يفسر لماذا تحولت خطوط الأنابيب البديلة، بالنسبة إلى دول الخليج، من مجرد مشاريع نقل إلى ركيزة من ركائز الأمن القومي.
لكن حجم التحول الجاري أكبر مما يبدو. فبحسب تقديرات «غولدمان ساكس»، يجري العمل على مجموعة من مشاريع خطوط الأنابيب والبنى التحتية التصديرية الجديدة أو الموسعة، يمكن أن تضيف إلى القدرة المتاحة لتجاوز هرمز نحو 3.8 ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية 2027، على أن ترتفع الزيادة التراكمية إلى 7.3 ملايين برميل يوميًا بنهاية 2028.
وعند إضافة هذه المشاريع إلى القدرات القائمة، يمكن أن تتجاوز القدرة الإجمالية الفعلية لتصدير النفط بعيدًا عن هرمز 14 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية 2028، بما يسمح لأكثر من 60% من صادرات النفط الخليجية السابقة للحرب بتجاوز المضيق. وفي سيناريو أسرع، يفترض تعبئة موارد أكبر لتنفيذ المشاريع، يمكن أن تقترب النسبة من 75%، وفق تقديرات «غولدمان ساكس».
صحيح أن الرقم ضخم، لكنه لا يعني نهاية الأهمية الاستراتيجية للمضيق. فملايين البراميل، فضلًا عن كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال، ستبقى بحاجة إلى المرور عبره. بمعنى أدق، تستطيع الأنابيب تقليص نفوذ هرمز، لا إلغاءه.
قطر.. معادلة الغاز الأكثر تعقيدًا
مع استمرار اضطراب الملاحة في هرمز واعلان الحرب الاقتصادية على إيران، تظهر قطر بوصفها إحدى أكثر الحالات تعقيدًا في المعادلة. فالنفط يمكن نقله عبر أنبوب إلى ساحل آخر، أما الغاز الطبيعي القطري المسال فيعتمد على منشآت تسييل ضخمة وناقلات بحرية متخصصة، ولا يوجد حتى الآن بديل بري واقعي وسريع يمكنه تعويض طريق هرمز.
والأزمة هنا لم تعد افتراضية. ففي 28 تموز/يوليو، أعلنت شركة «إديسون» الإيطالية أن «قطر للطاقة» أخطرتها بعدم قدرتها على تسليم ثلاث شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال، ومددت حالة «القوة القاهرة» حتى نهاية أيلول/سبتمبر، ليرتفع عدد الشحنات المتأثرة إلى 24 شحنة، بحجم إجمالي يقارب ثلاثة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي.
السعودية.. البديل أمام اختبار أمني جديد
استعدت الرياض لهذا النوع من السيناريوهات منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما أنشأت خط أنابيب «بترولاين» شرق–غرب، الذي ينقل النفط من بقيق في شرق المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر، بعيدًا عن مضيق هرمز.
وتصل قدرة الخط إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، وإن كانت القدرة التصديرية الفعلية عبر منشآت ينبع أقل من ذلك. وتبحث الرياض حاليًا إمكان زيادة قدرة منظومة الشرق–الغرب بما يصل إلى مليوني برميل يوميًا، بالتوازي مع محادثات أولية تتيح مستقبلًا استيعاب كميات من منتجين خليجيين مجاورين، وفي مقدمتهم الكويت والبحرين، اللتان لا تملكان حاليًا منفذًا نفطيًا مستقلًا فعليًا يتجاوز هرمز.
غير أن المفارقة واضحة: النفط الذي يتجاوز هرمز يدخل منطقة تهديد أخرى. فقد أعلن الحوثيون استهداف مواقع مرتبطة بإمداد النفط ونقله بين شرق السعودية وينبع، فيما تحول البحر الأحمر وباب المندب بدورهما إلى جزء من ساحة المواجهة.
والسوابق تؤكد أن خطوط الطاقة ومنشآتها ليست أهدافًا نظرية. ففي أيلول/سبتمبر 2019، أدت الهجمات على منشأتي بقيق وخريص إلى تعطيل نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا من إنتاج النفط الخام السعودي بصورة فورية، أي ما يقارب 6% من إمدادات النفط العالمية آنذاك.
من هنا، لم يعد كافيًا امتلاك أنبوب يتجاوز المضيق. المطلوب هو حماية الحقل، والأنبوب، ومحطات الضخ، والميناء، والناقلة، والممر البحري التالي؛ أي سلسلة كاملة بدل حماية نقطة واحدة.
وماذا عن الطريق الثالث.. «سوميد»؟
مع تصاعد تهديد الحوثيين للملاحة في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، بدأت السعودية توسيع استخدامها للمسار المصري. وهنا تتحرك البراميل السعودية عبر سلسلة لوجستية طويلة: تصل أولًا عبر خط الشرق–الغرب إلى ينبع، ثم تنقلها ناقلات شمالًا في البحر الأحمر إلى عين السخنة المصرية (الساحل الشمالي)، ومنها تضخ عبر خط السويس–المتوسط «سوميد» إلى سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط، حيث يعاد تحميلها على ناقلات أخرى.
وقد تحول هذا المسار من خيار احتياطي إلى أداة مستخدمة فعليًا؛ إذ وسعت «أرامكو» تحميل الخام السعودي من سيدي كرير مع ازدياد المخاطر جنوب البحر الأحمر.
لكن هذا الحل يكشف بدوره جوهر المعضلة الجديدة. فالنفط يكون قد تجاوز هرمز، لكنه يحتاج للوصول إلى «سوميد» إلى عبور جزء كبير من البحر الأحمر، ثم يخضع لقيود قدرة الخط والموانئ وكلفة عمليات التفريغ وإعادة التحميل. وإذا كان متجهًا إلى المشترين الآسيويين، فإن الرحلة تصبح أطول وأكثر كلفة.
الالتفاف على نقطة اختناق لا يعني التخلص من الخطر، بل قد يعني الانتقال إلى نقطة اختناق أخرى.
الإمارات.. الأنبوب تحت مظلة عسكرية
اختارت الإمارات منذ سنوات مسارًا مختلفًا، قائمًا على نقل النفط مباشرة من أبوظبي إلى الفجيرة على خليج عُمان، أي إلى نقطة تقع خارج مضيق هرمز.
وتعمل «أدنوك» على تسريع إنشاء خط جديد بطول نحو 300 كيلومتر وبكلفة تقدر بثلاثة مليارات دولار، يوازي الخط القائم، بهدف زيادة القدرة على نقل النفط إلى الفجيرة بأكثر من 1.2 مليون برميل يوميًا. وبحسب تقديرات «Kpler»، كان نحو نصف المشروع قد أُنجز، فيما يُعد منتصف عام 2027 موعدًا أكثر واقعية لاكتماله، بالنظر إلى الحاجة إلى توسيع مرافق ميناء الفجيرة.
والأهم أن التفكير الإماراتي لم يعد يقتصر على زيادة السعة. فخطوط الأنابيب ومنشآت الطاقة نفسها أصبحت جزءًا من حسابات التحصين العسكري وحماية البنية التحتية الحيوية، في بيئة أثبتت فيها الحرب أن الموانئ ومحطات الطاقة ومسارات النقل قد تتحول جميعها إلى أهداف.
وفي الوقت نفسه، سعت أبوظبي، خلال مرحلة التهدئة التي أعقبت مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية في حزيران/يونيو، إلى إعادة فتح بعض قنواتها الاقتصادية مع طهران. استؤنفت بعض حركة التجارة والرحلات، وبدأ السماح بعودة إيرانيين مقيمين في الإمارات كانوا قد علقوا في الخارج عند اندلاع الحرب، وقدرت بعض التقارير عددهم بنحو 20 ألفًا.
لكن هذه السياسة تعرضت لانتكاسة حادة في 18 آب/أغسطس، عندما أعلنت الإمارات وقف المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، بعد اتهامها طهران بإطلاق صاروخين باليستيين باتجاه مياهها، وهو اتهام نفته إيران.
وهذا التطور لا يلغي المعادلة الإماراتية بقدر ما يكشف هشاشتها: محاولة الجمع بين تحصين البنية التحتية، وتعميق الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والإبقاء – متى سمحت الظروف – على قنوات اقتصادية مع إيران تخفف مخاطر المواجهة المباشرة. غير أن الحرب أثبتت أن هذه العناصر الثلاثة لا تتحرك دائمًا في الاتجاه نفسه.
العراق.. البحث عن مخارج متعددة
أما العراق، فيحاول تحويل الجغرافيا نفسها من عبء إلى ميزة. فبغداد تعمل على تطوير محور البصرة–حديثة، بما يسمح لاحقًا بإنشاء امتدادات نحو بانياس السورية وجيهان التركية وطرابلس في شمال لبنان، إلى جانب مشروع منفصل أو امتداد محتمل باتجاه العقبة الأردنية.
وقد وافقت الحكومة العراقية في تموز/يوليو على اتفاقات أولية لإجراء دراسات فنية ومالية لمسارات تشمل البصرة–حديثة–كركوك–جيهان والبصرة–حديثة–بانياس، فيما تستمر المباحثات بشأن منفذ العقبة.
وتوجد كذلك فكرة إحياء خط العراق–السعودية المعروف بـ«IPSA»، الذي كان ينقل النفط العراقي عبر الأراضي السعودية إلى ساحل البحر الأحمر، قبل أن يتوقف في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990.
وإذا تحققت هذه المشاريع، فسيملك العراق للمرة الأولى منذ عقود مجموعة من الخيارات التصديرية باتجاه المتوسط والبحر الأحمر، بدل الاعتماد شبه الكامل على موانئ الخليج. لكن هذه الميزة تحمل في داخلها مشكلة أمنية جديدة: خطوط أطول، تعبر أراضي عدة دول، وتضم مئات وربما آلاف الكيلومترات من المنشآت ومحطات الضخ ونقاط الربط التي تحتاج إلى الحماية.
في المحصلة
قد ينجح الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة في تقليص اعتماده على عنق زجاجة واحد اسمه هرمز، لكنه قد يفعل ذلك بثمن لم يكن في أصل الحسابات: استبدال نقطة ضغط واحدة بشبكة كاملة من الأنابيب والموانئ ومحطات الضخ والممرات البحرية التي ينبغي الدفاع عنها باستمرار.
وهذا التحول يغيّر مفهوم أمن الطاقة نفسه. ففي النموذج القديم، كانت المشكلة الأساسية هي حماية المضيق وضمان حرية الملاحة فيه. أما في النموذج الجديد، فالأمن يصبح موزعًا على شبكة جغرافية مترامية: بقيق وينبع والفجيرة وعين السخنة وسيدي كرير والبصرة وحديثة وبانياس وجيهان وطرابلس والعقبة، فضلًا عن البحر الأحمر وباب المندب والمتوسط.
بعبارة أخرى، نجحت المنطقة في اكتشاف الوسيلة الهندسية لتجاوز المضيق، لكنها اكتشفت في الوقت نفسه حدود الحل الهندسي أمام المشكلة الجيوسياسية.
وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: يمكن تغيير طريق النفط، لكن لا يمكن تغيير الجغرافيا التي يمر فيها.
