ما هو رصيد إنتفاضة لبنان.. وإلى أين؟ (2/1)

علينا أن نتذكّر أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية ومعها مشكلة الدولار كانت قد وصلت إلى أوجها في منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر، وأنّ الثورة انفجرت بعد أن أطلقت شرارتها السلطةُ نفسُها، بتماديها في غبائها السياسي ومحاولتها الإمعان في الإحتيال على الشعب بالمزيد من الضرائب.

لقد أثبتت الحكومة اللبنانية فشلها وفقدت مصداقيتها. فاشتعَلت الساحاتُ في المدن الرئيسية في لبنان مُطالِبة بإقالة الحكومة واستبدالها بحكومة قادرة. أما مطالب الإنتفاضة – الثورة في أدنى درجاتها، فهي مؤلفة من عنوانين، (1) معالجة الوضع الاقتصادي الطارئ والناجم (بصورة رئيسية) عن نهب أموال الشعب، (2) وتنظيم انتخابات نيابية. فما الذي تمكّن حراكُ لبنان الشعبي أن يحقِّقَه، وما هو رصيد هذا الصراع بعد شهر من المواجهة في حسابات الربح والخسارة؟

ليس سهلاً أن نصف انتفاضة اللبنانيين، فقد كانت منذ فترة وجيزة ضرباً من ضروب الأحلام. لم يكن أحدٌ يتصوّر أن مثل هذه الظاهرة ممكنة. لكنّ الثورة، عندما حصلت، كانت ظاهرةً جديدة وبقياسات غير منتظرة.

وأوّل عناوين نجاح الإنتفاضة قدرتها أن تنتزع اعترافاً واضحاً من الحكومة التوافقية اللبنانية برئاسة سعد الحريري (1) أنّ أموال البلد منهوبة، وبكميات كبيرة (2) وأنّ على الدولة استرجاعها، (3) وانّ الفساد والطائفية والمحاصصة والمحسوبية، كلها أمراض مُستشرية في الدولة وأنّها نخرت كل أجهزتها، مما يستوجب إصلاحات جذرية في بنية المؤسسة الرسمية بمجموعها. هذه ليست استنتاجات كاتب مقال، إنّها ورقةٌ وقّع عليها كل وزراء الحكومة، والمُمَثِّلة لكل الأحزاب اللبنانية.

أمّا العنوان الثاني، فهو إصرار المتظاهرين على استقالة الحكومة، ونجاحهم في إجبارها على ذلك. وهذا ليس إصرار عبثيّ. فإذا كانت الحكومة مُطّلعةً على النهب المنهجي للثروة الوطنية ولأموال الشعب، فلماذا سكتت عن ذلك منذ ثلاث سنوات (من عمر هذه الحكومة)؟ لا يمكن استثناء أحد من هذا السؤال. فالأحزاب التي تزعم أنّ ممثليها لم يشاركوا بالنهب، لم تعترض عليه أو هي لم تنجح بمنعه. فإذا كانوا مطّلعين على السرقات فقد امتنعوا عن مواجهتها وفشلوا في إيقافها، وإن كانوا لم يعلموا عنها، فهذا يشير إلى مصيبة أكبر. وتتشارك كلّ الأحزاب بالمنطق ذاته، إذ يُردِّدون كلُّهم أنّهم حاولوا الإصلاح وأنّ الأحزاب الأخرى هي التي منعتهم وعرقلت مبادراتهم. لقد كان هذا المنطقُ مفهوماً في الشارع. إذ كلّما أطلقَ سياسيٌّ تصريحاً، غرق في المزيد من الأوحال في نظر المتظاهرين والشعب. لقد ثبت أنّ الأحزاب كلّها مُقصّرة، إن لم تكن مذنبة مباشرةً، وفي كل الأحوال، فإنّها كلها فشلت في تمثيل مصلحة الشعب. وعندما استقال سعد الحريري، كانت مسألة الدفاع عن استمرارها قد أصبحت صنفاً من أصناف العبثية المرفوضة. استقال الحريري، وربحت الثورة نقطةً في لعبة الصراع القائمة مع السلطة.

لقد بدأت الأحزاب تتآكل لمصلحة “الإنتفاضة -التمرد – الثورة”. إنها ظاهرة واضحة المعالم، لمن يرغب أن يفتح عينيه وأن يرى. إنّها مسار تَجدُرُ مُراقبتُه

أمّا العنوان الثالث، فهو قدرة “الإنتفاضة – التمرد – الثورة” على الإستمرار، وعبور امتحان السلطة التقليدي بنجاحٍ أذهل المراقبين المحلّيين والإقليميين والدوليين. فلا دخَلَها الملل، ولا أوقفتها زخّات المطر، ولا أثّرت فيها بلطجيات، ولا أخافتها تهديدات السلطة، أكانت نفسية أم أمنية أم اقتصادية. لقد استكملت شهرها الأوّل محافِظةً على سيطرتها، ليس فقط على الشارع، إنّما أيضاً على المشهد السياسي الوطني. فقضايا البحث السياسي هي قضاياها، ومواضيع المشاورات السياسية هي مواضيعها، ومستقبل الطاقم السياسي في لبنان هو في يدها.

لقد انتقلت السلطة من مكانها التقليدي، أي دهاليز المحاصصة والصفقات المشبوهة إلى مكان آخر. فالأحزاب السياسية خائفة من شعبها، و”القيادات” السياسية لم تَعُدْ تقود، ولا تعرف إلى أين تتجه. لقد فقدت البوصلة ولم تعد تهتمّ إلّا بالطرق والقرائن والألاعيب، تحاول توسُّلها لإنقاذ رقاب مسؤوليها. لقد فشلت السلطة بأحزابها في قراءة الوضع السياسي الجديد، ودخلت حقبةً جديدة، خصوصيتها أنّها خائفة على نفسها بعد أن أضاعت بوصلتها. وأعظم ما في هذه الثورة اعتراف الدول الكبرى بالفشل في قيادتها وتوجيهها رغم محاولاتها، ورغم تطبيقها طرقاً وأساليب نجحت في أماكن أخرى. فالدول الكبرى لا تريد ديموقراطيةً في لبنان. أنها تفضل النظام الفاسد الحالي، بعد تعطيره لإخفاء عفنه، وتغيير شكله بعملية تجميل خبيثة. هذا هو الأنسب. لقد انتصرت الثورة على نفسها أيضاً وطردت الأرواح الأجنبية الشريرة من وسطها.

أخذت بعضُ الأحزاب تقطع الطرق لإظهار مشاركتها وركوب موجة النجاح الشعبي. لقد بدأوا عملهم بطريقتهم الحزبية المُستفِزّة. إلّا أن “شبابهم” لم يتمسّكوا كلُّهم بتعليمات أحزابهم. فقد فَهِم أكثرُهم أنّ مصلحتهم ليست في الإصرار على الشعارات الحزبية الضيقة

أمّا العنوان الرابع، فهو ابتداء ظاهرة تفكك الأحزاب التقليدية. فقد أخذت بعضُ الأحزاب تقطع الطرق لإظهار مشاركتها وركوب موجة النجاح الشعبي. لقد بدأوا عملهم بطريقتهم الحزبية المُستفِزّة. إلّا أن “شبابهم” لم يتمسّكوا كلُّهم بتعليمات أحزابهم. فقد فَهِم أكثرُهم أنّ مصلحتهم ليست في الإصرار على الشعارات الحزبية الضيقة، إنّما في ضرورة مؤازرة الثورة ككل، وبالتالي، الإحتماء بأعدادها وبالتعاطف الوطني العارم الذي اكتسبته. وقهموا أنهم، على العكس، يكسبون أعداء الحزب دون أن يستفيدوا من أصدقائه، أي أحزاب السلطة. فالحزب لن يحميهم. ولا تأتي الحماية إلّا من انخِراطهم بباقي الشعب، في مصلحةٍ وطنية مشتركة، رغم أنّ حزبَهم قد يدفع ثمنها. لم تتمّ ولم تُستَكمَل ظاهرةُ الفرز هذه، لكنها ابتدأت. وكانت بداياتها محصورة جغرافياً في مداخل بيروت الشمالية، لكنّها سرعان ما توسّعت. كانت في الأصل محصورة بحزبي الكتائب والقوات، لكنها سرعان ما امتدت إلى الأحزاب الأخرى، فشملت مُحازبي تيار المستقبل بدليل تلاقيهم مع شبان الضاحية، كلاهما يدافع بيده اليسرى عن حزبه، وبيده اليمنى عن الثورة ككل. ثم بدأت ظاهرة التآخي تخترق الأحزاب، فإذا بالتقدمي الإشتراكي يخسر بعضَ عناصره لصالح لقاءات مع الحراك ومع باقي الكتل. لم تعُد الظاهرةُ تستثني حزباً، لا التيّار الوطني الحر ولا تيار المستقبل ولا حزب الله. وفي الواقع، لم تكن هذه الظاهرة مفاجئة أو صادمة. فقد أتت ببساطة وبمسارٍ طبيعي بطيء. فإذا كان الحزبُ الذي أنتمي إليه قد تبنّى المطالب الشعبية، فما الخطأ في مشاركتي بالتعبير عن هذه المطالب؟ لقد بدأت الأحزاب تتآكل لمصلحة “الإنتفاضة -التمرد – الثورة”. إنها ظاهرة واضحة المعالم، لمن يرغب أن يفتح عينيه وأن يرى. إنّها مسار تَجدُرُ مُراقبتُه (Process). إنّها ليست حدثاً معزولاً، حصل وانتهى وانتهى مفعوله (Event).

غدا (الإثنين) الجزء الثاني والأخير: شهر من الثورة في لبنان.. السلطة صارت ماضياً

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course