أخبرتكم أنّني سأنتحر.. لكنّكم لا تسمعون

ساد الهرْج والمرْج في بلدة عبيه الجبلية، أثناء مراسم التشييع الرمزي للشابّة إنعام حمزة عضو جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي استشهدت في مزارع شبعا المحتلة عام 1990 في عملية فدائية ضد الإحتلال، قطّعت جسدها أشلاءً، أعيدت رفاته، بعد تسعة وعشرين عاماً، ليوارى ثرى مسقط رأسها.

مصدر الهرْج والمرْج هذا، سبَّبه رفضُ عددٍ من الشيوخ، الذين كانوا يصلّون صلاة الغائب لراحة نفس الشهيدة، إطلاقَ الرحمة عليها كونها ارتكبت عملاً يستنكره الدين: الانتحار. لم يمرّ هذا الموقف مرور الكرام، إذْ رأى فيه رفاق إنعام وأهلها إفصاحاً عن جهلٍ إنْ لم نقلْ تواطؤاً وتماهياً مع المحتلّ الإسرائيلي، فرُحِمَت إبنة عبيه وصُبَّت اللعنات على العمائم البيضاء، التي وضعت “قتال العدو باللحم الحيّ” في خانة “قتل النفس” ذاتها. معروفٌ أنّ الأديان، وعلى اختلاف مشاربها، تستنكر الانتحار لأنّها تعتبره، ببساطة، تحدّياً لله، ولا تقيم الاعتبار أو تبذل الجهد، بالتالي، لفهْم وتفهّم السبب الذي يودي بالمرء إلى الهاوية. وقد اعتُبِر الانتحار، على الدوام، موضوعاً إشكالياً انكبّت علومُ النفس والاجتماع والطبّ لفكّ شيفرته، أي لإيجاد جواب عن سؤالٍ واحدٍ كبير: لماذا يُقدِم الصديق، أو الحبيب، أو الولد، أو أحد الأبويْن، أو أحد الأخوة بإرادته على اختيار لحظة موته؟

دراساتٌ، أكثر من أن تُعدّ أو تُحصى، حاولت تشريح الأسباب والدوافع والعوارض والسلوكيات التي تسبق الانتحار، والتداعيات التي تترتّب على هذه الظاهرة المصحوبة، أبَدَ الدهر، بالألم والشعور بالذنب، لدى المحيطين بالفرد المنتحِر، وكلّ مَنْ يشير إليه البَنَان كأحد المتسبّبين بهذا الإنتحار. لماذا يختارون الموت؟ هو هذا السؤال، بالتحديد، الذي يبقى عالقاً بلا إجابة، حتى ولو ترك المُنتحِر رسالةً توضّح دوافعه للرحيل عن هذه الحياة. وبعض الذين نجوا من محاولات الانتحار، قالوا إنّهم لم يكونوا يرغبون في الموت بقدْر ما كانوا يرغبون في التوقّف عن العَيش! ازدواجيةٌ غريبة لكنّها مفهومة، أي لو إنّ هناك حالة وسطى بديلة عن الموت، تقع بينه وبين الحياة، لربّما لجأ كثيرون إليها كي… يطلبوا النجاة. ممّن؟ من الذين يستطيعون أن يلغوا الأسباب التي دفعتهم للانتحار، وجعلت حياتهم نسخة غير منقَّحة عن جهنم التي يتولّى رجال الدين (من رفاق الشيوخ إيّاهم  الذين رفضوا الترحّم على الشهيدة إنعام حمزة) أن يشرحوا لنا ما فيها ومَن هم روّادها، والضوابط التي علينا التقيّد بها كي نتفادى الذهاب إليها متى زُهِقَت أرواحنا على هذه الأرض.

أكثر من خمس حالات انتحار أو محاولات انتحار (حرْقاً بالتحديد) شهدها لبنان هذه السنة، وترجع دوافع من قام بها إلى شعورهم بقدْرٍ كبير من الظلم والذلّ واليأس

أكثر من خمس حالات انتحار أو محاولات انتحار (حرْقاً بالتحديد) شهدها لبنان هذه السنة، وترجع دوافع من قام بها إلى شعورهم بقدْرٍ كبير من الظلم والذلّ واليأس، ولكنهم وإنْ كانوا حاولوا السيطرة على مصائرهم وتخفيف معاناتهم، إلاّ أنّ هذا الأمر لا يمكن حدوثه في لبنان، غالباً، إلاّ بالموت الذي استعجلوه كي يأتي إليهم. بشكلٍ عام، يبوِّب الطبّ النفسي الأسباب التي تدفع الناس لمحاولة الانتحار ضمن ستة عناوين، وقف ثلاثة منها وراء محاولات الانتحار اللبنانية:

أولاً، الشعور بالاكتئاب الشديد الذي يصاحبه دائماً شعورٌ غامر لا يُحتمَل بالمعاناة، بجانب الإيمان باستحالة التخلّص من هذا الإحساس، ما يسبِّب انحرافاً في تفكير مَنْ يشعرون به، ممّا يسمح لأفكارٍ مثل “سيكون الجميع أفضل حالاً دون وجودي”، بأن تصبح منطقيةً بالنسبة إليهم. ويجب أﻻ يُلاموا على وقوعهم فريسةً لمثل هذه الأفكار المضطربة، بقدْر ما يجب ألاّ يُلام مرضى القلب على شعورهم بآلامٍ في الصدر، وكثيراً ما يُعاني الناس من الاكتئاب في صمتٍ، ويخطّطون للانتحار دون أن يعلم أحد.

ثانياً، الاستغاثة طلباً للمساعدة، كونهم لا يعرفون ولم يجدوا كيفية الحصول على هذا الطلب بطريقةٍ أخرى، فالأشخاص الذين يقومون بمحاولة الانتحار لا يكونون يريدون أن يموتوا، وإنّما هم كمَن يصرخون لينبّهوا مَن حولهم بأنَّ أمراً خطيراً يحدث لهم. وفي كثيرٍ من الأحيان، يقومون باختيار طرقٍ لا يظنّون أنّ بإمكانها أن تقتلهم فعلاً (حرق، ابتلاع كمية من الأدوية، قطع شرايين اليد)، اعتقادًا منهم أنّهم لن يموتوا إذا ما لجؤوا إلى هذه الوسيلة، لكنّ حساباتهم قد تخطئ أحياناً ما يؤدي إلى نتائج مأساوية.

لم ينبس أيّ حاكمٍ من حكّامنا الأشاوس بكلمةٍ تشير، لا تصريحاً ولا تلميحاً، إلى حالات الانتحار لمواطنين لبنانيّين في الساعات الماضية، وهي حالات باتت تشبه والحال هذه، جرائم القتل الموصوف المتعمَّد، يرتكبها، بدمٍ بارد ووجوهٍ من شمع، مغتصبو السلطة

ثالثاً، الاندفاع، بحيث تُدخِل المعاناة بعض الناس في حالةٍ عصبية شديدة الوطأة تشبه حالة السكر أو خدَر الوعي، ما يدفعهم إلى محاولة إنهاء حياتهم التي كانوا سيحبّونها، ربما، لو استطاعوا إليها سبيلاً، فهذا ما يؤكّد عليه مَن ينجو من المنتحرين، إذْ يشيرون إلى أنّهم حين اتخذوا قرارهم بالانتحار، كانوا وحيدين ويائسين ومفتقدين كلّ قدرة على التواصل مع الآخر.

أمّا بعد، وفي لبنان، لم ينبس أيّ حاكمٍ من حكّامنا الأشاوس بكلمةٍ تشير، لا تصريحاً ولا تلميحاً، إلى حالات الانتحار (أو محاولات الانتحار) لمواطنين لبنانيّين في الساعات الماضية، وهي حالات باتت تشبه والحال هذه، جرائم القتل الموصوف المتعمَّد، يرتكبها، بدمٍ بارد ووجوهٍ من شمع، مغتصبو السلطة ولقمة العيش والأمان في لبنان، فرداناً وغزلاناً. مهما كان سبب الانتحار (الذي يعتبره فرويد هجوماً لا استسلاماً)، لا يُنزع عنه طابعه المفجع والمدمِّر، لكنّ ما يجعله أكثر بؤساً وكآبة وإيلاماً، هو أنّ كلّ منتحِرٍ في بلادي، رحل تاركاً لهذه السلطة الفاجرة على حبل مشنقته ورماد جسده ودماء عروقه المنفجرة أو المذبوحة، كلماتٍ كُتِبَت بماء: “أخبرتكم أنّني سأنتحر.. لكنّكم لا تسمعون“.

(*) أستاذة في الجامعة اللبنانية

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free