القضاء اللبناني والراهبتان.. والإنتفاضة والإعلام

في لبنان، يتم توقيف راهبتين في ملفات تتضمن تحرشا جنسيا وسوء معاملة اطفال، وهي ملفات تحدث زلزالاً في بلدان تحترم نفسها، غير أنه تم إطلاق سراحهما في الليلة نفسها. ومهما كانت مآلات هذا الملف لجهة استكمال التحقيق أو اقفاله او لجهة ادانة المشتبه بهم او تبرئتهم، فان ما حصل يسلط الضوء مجددا على استقلالية القضاء، وعلى علاقة السلطة الدينية بمؤسسات الدولة وعملها. فهل تغيّر انتفاضة الناس شيئاً أم نبقى اسرى نظام طائفي يتحكم بكل مفاصل بلدنا؟

ملفات التحرش الجنسي التي هزت الكنيسة في العالم كثيرة، وحسنا فعل البابا المُجدّد في الفاتيكان فرنسيس الأول حين اعتبر أن “التحرش بالقُصّر هو واحدة من أحقر وأبشع الجرائم التي يمكن تصورها”، ولذلك، فان الحبر الأعظم المحبوب عالميا، أصدر مجموعة من القرارات والقوانين الحاسمة ضد هذه الظاهرة التي أساءت لواحد من أعرق الأديان، فيما يُصار الى الترويج لفكرة دينية أيديولوجية جديدة تجمع بين الانجيليين الجدد من جهة واليهود من جهة ثانية، تفيد بان قيام الهيكل في القدس هو الجسر الطبيعي لعودة السيد المسيح وخلاص العالم.

أما في لبنان، فقد إتخذت القضية أبعادا أخرى وخطيرة، ذلك ان ثمة قاضيتين تنتميان الى جيل الشباب المتحمّس لتصويب سير العدالة واستقلالية القضاء، هما القاضي المنفرد الناظر في قضايا الاحداث جويل ابي حيدر والمحامي العام لجبل لبنان القاضي (ة) نازك الخطيب، ذهبتا في هذا الملف الى أقصاه برغم المحاذير الطائفية والسياسية. فالأولى (أبي حيدر)، كتبت 35 صفحة تشرح فيها ما تعرَّض له الأطفال من ممارسات جنسية وسوء معاملة وغذاء فاسد وغيرها في احدى الجمعيات اللبنانية، والثانية (الخطيب) “غامرت” بإصدار أمر توقيف راهبتين لعدم تنفيذهما امرا قضائيا بتسلم الأطفال. ولا شك ان المدّعي العام التمييزي القاضي الجريء غسان عويدات وفّر الغطاء للمضي قدما في هذه القضية الشائكة. لكن مدعي عام جبل لبنان القاضي (ة) غادة عون أصدرت أمرا بالإفراج عن الراهبتين وسحبت الملف بعد ان انفجرت القضية إعلامياً.

بالطبع، ما يزال ملف القضية في مرحلة التحقيق، ولذلك، لا يمكن الجزم بشيء حول تثبيت التهم او التبرئة منها، لكن اللافت للإنتباه ان المحاسبة صارت في الشارع وفي الاعلام.. قبل القضاء، إذ إنقسم الناس بين المدافعين عن الجمعية والكنيسة، من جهة، وبين الراغبين بالمضي قدما في الملاحقة القانونية، من جهة ثانية.

لا يتردد البعض مثلا في القول ان غسان عويدات ونازك الخطيب هما من أهل السُّنة، فتُسلط السهام ضدهما، فيما أهل الكنيسة، ومنهم أولئك المشاركين في الحراك الشعبي الجميل الرافع شعارات محاربة الفساد وإلغاء الطائفية السياسية، يرون في الأمر “اعتداء على المسيحيين والكنيسة”

ما هي الدروس المستقاة مما حصل؟

  • أولا، ثمة إشكالية واضحة بين السلطتين الدينية والقضائية في لبنان، عبّر بوضوح عنها رأس الكنيسة الكاثوليكية البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي بقوله إنّ “كل ما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو عبارةً عن أخبارٍ مركبة وتم تلفيقها وهي نتيجة لخلافات بين قضاة مدنيين وأنّ الكنيسة اليوم تعيش اضطهاداً من شعبها وأبنائها في بعض الأحيان، وانه من غير المسموح أن يتعدى القضاء العدلي على صلاحيات القضاء الكنسي الذي تعترف به الدولة اللبنانية”. هنا نرى ان البطريرك الراعي أصدر موقفه قبل انتهاء التحقيقات حماية للجمعية والراهبتين.
  • ثانيا، ثمة مشكلة حقيقية داخل القضاء نفسه، يرتبط بعضها بخلل قضائي داخلي، وبعضها الآخر بحسابات طائفية أو سياسية، وبعضها الثالث بتباين جيلين من القضاة؛ الأول، ينتمي الى الشباب المتحمّس، والثاني، يتروى أكثر قياساً الى حساسيات الوضع اللبناني عامة والتي ساهمت في اقفال ملفات كثيرة من دون المضي به إلى خواتيمها في السابق. في هذا السياق، يمكن فهم سبب تسرّب معلومات دقيقة الى الاعلام في وقت حساس، قبل انتهاء التحقيقات. ويمكن أيضا فهم سبب اقفال ملف الملاحقة القضائية.
  • ثالثا، يكاد الاعلام اللبناني يحتل مكان القضاء، بسبب إقدام الأول وتحفّظ الثاني، فقد سارع الإعلام الى كشف تفاصيل قضائية قبل استكمال التحقيقات، وإصدار القرارات والأحكام. هذه واحدة من سمات العصر في العالم، حيث صارت وسائل التواصل الاجتماعي تتحكم بكثير من الامور، لكن الأمر يطرح مسألة أخلاقية، إذ أن تناول ملفات الأطفال والاحداث في الاعلام لا يخضع لأية رقابة فعلية في بلد تتفوق فيه الفوضى الإعلامية على الحقوق والواجبات.
  • رابعا، ان الطائفية والمذهبية في لبنان تفتك بالمجتمع وناسه، فلا يتردد البعض مثلا في القول ان غسان عويدات ونازك الخطيب هما من أهل السُّنة، فتُسلط السهام ضدهما، فيما أهل الكنيسة، ومنهم أولئك المشاركين في الحراك الشعبي الجميل الرافع شعارات محاربة الفساد وإلغاء الطائفية السياسية، يرون في الأمر “اعتداء على المسيحيين والكنيسة”…

لا أحد يدري كيف يمكن أن يتطور هذا الملف، وهل أن المتهمين فيه، وبينهم راهب، مذنبون أم لا؟ وماذا عن الأطفال وافاداتهم هل ستبقى كما ذكرتها القاضي (ة) جويل أبي حيدر أم ستتغير تحت الضغط؟ وماذا عن القوانين التي استندت اليها القاضيتان أبي حيدر والخطيب؟ فالنيابة العامة مثلا لا تقيّم قرارا وانما تنفذه، ما يعني ان القاضي (ة) الخطيب نفذت قرار القاضي (ة) أبي حيدر، وهذا واجبها. ثم ماذا عن القرارين الديني والسياسي، هل يتقدمان هذه المرة على القرار القضائي، فيوجهان الملف في هذا الاتجاه او ذاك، كما كان يحصل سابقا.

أنا شخصيا، لا اعرف تفاصيل التحقيقات والملف، ولكن الضجة التي أثيرت في الاعلام وفي الشارع المنتفض، تدفعني الى طرح سؤال واحد:”هل يبقى القضاء بعد انتفاضة 17 تشرين الأول كما كان قبله”، أم ننتقل فعلا الى استقلالية قضائية تامة تساعد لبنان على الخروج من هذا المزج الخطير بين السلطات بحيث لا نعرف من يقرر ومن يمنع ومن يبرىء ومن يجرّم؟

هذا يعتمد طبعا على جرأة القضاة من شباب وشابات ونزاهتهم وابتعادهم عن أية اعتبارات طائفية او مذهبية او سياسية او مصلحية أو مناطقية، لأنه من دون قضاء نزيه وشجاع،  ستبقى المافيات تقضم الوطن وأهله وقوانينه ونبقى نراوح مكاننا.

في الختام، أتمنى شخصياً عدم ضرب الكنيسة اللبنانية اذا ما ثبت خطأ بعض من فيها، ذلك ان ثمة مشروعا حقيقيا لضرب الكنائس العريقة الكاثوليكية والارثوذوكسية، بعدما إستهدف الإسلام على مذبح البدع الدينية الجديدة، لذلك،  من واجب اللبنانيين جميعا، وخصوصا أهل الحراك، دعم القضاء المستقل، وانزال اقسى العقوبات وبدعم من البطريركية المارونية نفسها في حق مرتكب “احقر وأبشع الجرائم”. نعم، هذا وحده يحمي القضاء والكنيسة.. ولبنان.

 

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free online course