مجدُ لبنان يُعطى للأقدر على تفهُم ضُعف الآخر

لم تحُل معارضة الزعماء العروبيين في لبنان دون إقدام الجنرال الفرنسي غورو في الأول من أيلول/سبتمبر 1920، وهو على رأس ادارة الإنتداب الفرنسي على إعلان قيام دولة لبنان الكبير، تلبية لرغبة بابوية هدفها تمكين الكنيسة المارونية من رعاية بناء كيان لدولة تستقل فيها عن حكم التيارات القومية والإسلامية في سوريا الكبرى. دولة تضمن في تركيبها الطوائفي شرعية استمرار الحضور الكولونيالي الفرنسي في لبنان والمشرق.

لقد تكيّفت خصائص وظروف تشكل المجتمع اللبناني مع تعدد أهواء زعامات طوائفه وتكيفاتهم المرتبطة بالمصالح السياسية الإقليمية. وظلّت هذه المصالح والخيارات تؤثر في تشكيل وتوجهات حكوماته المتعاقبة على إمتداد ثلاثة عقود، وفي تحصين صمود الكيان السياسي القائم على القبول المتبادل لتمثيل زعامات الطوائف حتى في ظروف تعذر إنعقاد جلساتها خلال الحرب الأهلية المستديمة وبعدها. وكان قد مهّد لرسوخ هذا القبول المتبادل داخل هذه  الحكومات ترسخ نهج الليبرالية اللبنانية الطرفية الذي سبق وتوسعت في ظله الوساطة  التجارية اللبنانية بين أسواق المشرق والخليج وبين الأسواق الأوروبية والعالمية.

وإقترن هذا التوسع بترسخ التواصل الثقافي مع أسواقها ومجتمعاتها بإزدهار الاقتصاد اللبناني وتحصين قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، بحيث لم تتجاوز خلالها قيمة صرفه حدود الثلاث ليرات لبنانية. وقد عوّض هذا الإزدهار من خلال فوائض الموازين المالية عجوزات الموازين التجارية بفضل ما كان عليه مردود الصادرات الزراعية والصناعية والخدمات السياحية من عوائد إرتفعت مع ارتفاع سعر برميل النفط الخام السعودي من 3.5 دولارات عام 1970 إلى 12 دولاراً عام 1973. وقد إقترن هذا الارتفاع تحت تأثير الحظر العربي لتصدير النفط إلى الولايات المتحدة إحتجاجاً على دعمها لإسرائيل وتواصل إرتفاع سعر البرميل بعده.

أدى ما سمي بسياسة تحرير الأسواق وإنفلاتها منذ أواسط التسعينيات إلى إرتفاع رهيب للواردات الزراعية بنحو 4 اضعاف الصادرات

سياسة تحرير الأسواق

لقد واصل هذا  النهج الليبرالي الطرفي ترسخه الى أواسط تسعينيات القرن الماضي، وفرض تحرير الأسواق وإعادة الهيكلة تكيُّفاً مع “تفاهم واشنطن”. وقادت هذه التدابير إلى تراجع في الإنتاج الصناعي والزراعي وإلى تراجع المنافسة في التصدير السلعي بالمقارنة مع إنتاج وتصدير الخدمات السياحية. وبرز هذا التراجع بعد عام 1990 خاصة في ظل ركود منافسة الصادرات الصناعية، وفي ما تشكله نسبتها من إجمالي الناتج المحلي، فظلت نسبتها الى إجمالي الواردات السلعية  بين عامي 2010 حتى عام 2016  لا تزيد عن 25%، حسب تقرير التنمية البشرية في العام 2016. وظلت نسبة الصادرات الصناعية من اجمالي السلع في حدود النصف. وأدى ما سمي بسياسة تحرير الأسواق وانفلاتها منذ اواسط التسعينيات الى ارتفاع رهيب في لبنان خاصة للواردات الزراعية الى حوالي 4 اضعاف الصادرات الزراعية.

ولكن اذا كان النصف الثاني من السبعينيات قد شكَّل منعطفاً إيجابياً بفعل توسع عوائد الدول الخليجية والعراق من النفط، وتوسع طلباتها على الصادرات اللبنانية والخدمات السياحية، الاّ ان هذا المنعطف ما لبث أن تحول سلبياً بفعل اشتعال الحرب الداخلية – الخارجية في لبنان التي أعاقت استفادة أسواقه من القدرات الخليجية المستجدة، فكان أن تحول الطلب العربي المتوسع عن السوق والوساطة اللبنانيين إلى بلدان أخرى، إقليمية وبعيدة.

لقد جاءت الحرب (1975 – 1990) لتعوق قدرات العروض اللبنانية على منافسة الأسواق المتطورة في تلبية طلبات الخليجيين، الذين لم يعُد لهم في الأسواق اللبنانية ما تعودوا عليه طيلة عقود من مزايا منافسة سبق وتميزت بها خبرات اللبنانيين للتعامل مع عاداتهم وثقافة عيشهم وأذواقهم وميولهم المُعتادة، لتمديد إقاماتهم لأسابيع في الفنادق الفخمة وبرامج لياليها وللتردُّد على مواقع التزلج والمقاهي الوثيرة وعلى سهرات الترف والطرب العربي في بيروت وجبل لبنان.

إقتصر الإصطياف بعد إنكفاء الخليجيين عن لبنان على عائلات بيروتية مع القليل من شبابها ممن باتوا يفضلون الإعتماد على المُكيِّفات لتحمل طقس بعض الليالي الحارة في بيروت. هكذا تغيرت الأيام والاسواق والأجيال التي  كانت ترى في لبنان “سويسرا الشرق”. وتزايد تفاوت فرص نمو الموارد الاقتصادية والبشرية لا سيما بين العاصمة والأرياف النائية عنها، وأدى هذا التفاوت مع توسع الحرب الأهلية الى تزايد موجات الهجرة ومنها خاصة هجرة خريجي الجامعات لتطال ما يقدر بحوالي ثلثهم.

تواصل حكومات “الوحدة الوطنية”، منذ ثلاثة عقود، الحكم بميثاق ما برح يُراكم عجوزاتها في إدارة الأزمات الإقتصادية والمالية والنقدية والخدمات العامة

أولوية الإنغلاق والتميزات

وتزامن تراجع العروض اللبنانية في ظل الحرب الأهلية الداخلية – الخارجية عن مواكبة ارتفاع متطلبات المنافسة في الأسواق العربية  مع تعذُّر خروج النظام الطائفي اللبناني من أزماته السياسية البنيوية ومع تعزيز الولاءات والانتماءات المذهبية التي لم تعد قابلة للضبط كما تخيلها كل من الجنرال غورو والكنيسة المارونية. هذه الولاءات المتجاوزة لحدود “لبنان الكبير” والتي باتت تعزز أولوية الهوية المذهبية وتصر على إعتبار أن في الهوية عهد ولاء يُنتظر من حاملها ومن عائلته إظهاره يوم الوفاء السياسي لمتزعميها. وهذا ما عزّز العمل بالمعايير التقليدية للإنتخاب تعصباً أو إستتاراً بالمألوف أو تنفعاً لشرعنة التعصب المذهبي. هذه المعايير التي ظل يتواصل ترويجها  منذ قيام دولة لبنان الكبير حتى وقعت الحرب الأهلية التي جاءت  لتفرض  ضرورات الانغلاق الطائفي للجماعات اللبنانية، وإستعصى الخروج منها الاّ بعد توفر الظرف الإقليمي والدولي لفرض إتفاق الطائف المشرّع لإصلاح الحكم التحاصصي للكيان. إصلاح يُقيم “الوحدة الوطنية للبنان الكبير” ليس على دستور بل على ميثاق غير مكتوب متجدد يُقر لزعماء الطوائف الكبيرة بالفيتو من خارج التشريع.

وها هي حكومات “الوحدة الوطنية”، منذ ثلاثة عقود، تواصل الحكم بميثاق ما برح يُراكم عجوزاتها في إدارة الأزمات الإقتصادية والمالية والنقدية والخدمات العامة الأولية ومعها البيئية. وتثبت هذه الحكومات أكثر فأكثر أنها لا تعدو كونها رهينة توافق الدول الإقليمية المتعارضة الأهداف ليرتبط صمودها، والحال هذه،  بمدى مسايرتها لسياسات هذه الدول. إنها الوحدة الوطنية التي يواصل أركانها تذكير الأحفاد بما توافق عليه الأجداد، ولا سيما المسيحيين منهم وهم، الأركان الأوائل الذين أسسوا تحت رعاية الكنيسة لقيام لبنان الكبير، وأسسوا لزعاماتهم فيه أحزاباُ إنغلقت على حدود مناطقهم داخل حدود الكيان لتحصين تميُّزات لجماعاتهم تحققت في السياسة والثقافة، ارتكزت في مناطقهم على تميزات في مجالات التعليم وفرتها المؤسسات الرهبانية اللبنانية وغير اللبنانية عملت في جبل لبنان وبيروت خاصة على إمتداد قرن قبل إعلان الاستقلال عام 1943. وظل هاجس الحفاظ على تلك التميزات للاجتماع المسيحي يحكم توجهات زعماء الطائفة برعاية ممنهجة من الكنائس، وعلى رأسها الكنيسة المارونية ومدارسها مقترناً بهاجس النأي عن توسع التيارات القومية العروبية في لبنان خلال الستينيات والسبعينيات.

حقوق المسيحيين

وهنا، يجدر التذكير بأن حرص الكنائس على تراكم التميزات في أوساط أتباعها لم يحُل، لا قبل الحرب الأهلية ولا بعدها، دون توسع هجراتهم، كما في أوساط  واسعة من المسلمين في مختلف طوائفهم. إن هجرات المسيحيين جعلت نسبة ما يشكلونه من إجمالي المسجلين في لبنان تتراجع من حوالي النصف إلى حوالي الثلث، ولا تعوّض عن هذا النزف المتواصل التعبئآت العصبوية  المعمّمة أحياناً في مدن المهاجر حيث تتولى تنظيمها فروع أحزاب طائفة ما ضد فروع أحزاب أخرى أو ضد فروع أحزاب في طوائف أخرى.

وتُختزل أزمات النظام السياسي اللبناني المتراكمة منذ ما قبل الاستقلال وبعده الى مجرد مصارعات ظرفية على المواقع السلطوية في الوطن  تناصرها الكنيسة أو تتألم من مخاطرها، تعمل يوميا لغسل القلوب بين زعماء طائفتها وتُبارك التعايش مع الطوائف الاخرى المتكيفة اضطراراً مع زعاماتها المحتكرة لتوزيع حصتها من المالية العامة وتعيينات وخدمات الادارة.

ثبُتَ في الكثير من البلدان، سواء في لبنان، أم في الهند دولة الثلاثماية وخمسين إتنية، أن المجد يُعطى لنخب الجماعة الاقدر على تفهم ضعف الجماعات الأخرى

لقد مرّت على الكنيسة أهوال الحروب والهجرات التي تتواصل معها خسارتها مجد لبنان الذي “أُعطي لها”. هذا المجد الذي تقبّله وبارك لها به غالبا مراجع كبار في الطوائف الاسلامية غداة إعلان “دولة لبنانها الكبير”. ولكنها عادت مع الأسف  لتُعير مجدها الى أحد المُفتين الموظفين المتجرئين على العمل لسحب مشروع  قانون اُقر في مجلس الوزراء يوماً لتشريع الزواج المدني في “لبنان الكبير” ولم تُعره لإلغاء الطائفية السياسية التي يستثمرها صغار زعماء المسيحيين.

كذلك، تواصل الكنيسة التنازل عن مجد أُعطي لها ولا تتوقف عن التذكير بحماية مبدأ المناصفة ولم تُقر بعد بأن مثل هذه المطالب لا يستفيد منها غير ازلام الزعماء المسيحيين، وأن المسيحيين لديهم ما يفاخرون به ولا تُحمى حقوقهم الاّ بكفاءاتهم المشهود لها الأمس واليوم، وليس بمجرد تعهدات الزعامات الاسلامية بتجاوز معيار العدد.

إن كل أقلية مهما ضمرت أحجامها تتحصّن  بمقدار تمتع قادتها بقدرات مميزة لقيادة  مكونات البلاد مجتمعة الى سلطة أرقى ومستقبل أفضل. وقد ثبُت في الكثير من البلدان، سواء في لبنان، أم في الهند دولة الثلاثماية وخمسين إتنية، أن المجد يُعطى لنخب الجماعة الاقدر على تفهم ضعف الجماعات الأخرى. وأن  دور القيادة السياسية للطوائف اللبنانية  قبل أحداث 1958 لطالما كان معترفاً به للنخب المسيحية. وأن إنتفاضة متزعمي ونخب الطوائف الاسلامية بدعم ناصري حينذاك لم تنته إلى أكثر من تقاسم بين زعماء مدعومين إقليمياً، يتحاصصون موارد الدولة ولا يفوتون جهداً لإحياء الطقوس المذهبية لجمهور عوامهم ولا يجهدون لتلبية مطالب لغير مفاتيح ناخبيهم.

(*) أستاذ جامعي، لبنان

أحمد بعلبكي

باحث سوسيو-أنتربولوجي في التّنمية وخبير في التّخطيط وتقييم برامج التّنمية

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
udemy course download free