خالد خوجة… ثنائية المعارضة وانقلاب الولاءات

خالد خوجة، أو كما ورد اسمه في جواز سفره التركي ألب تكين، يحمل أيضاً الجنسيتين السورية والتركية، ويحوز كذلك شهادتين جامعيتين الاولى في السياسة والثانية في الطب. كما أنه دخل السجون السورية مرتين أيضاً كل مرة لبضعة أشهر بين عامي 1981 و1982، بحسب سيرته الرسمية المنشورة.

الثنائيات التي نسجت تفاصيل حياته يبدو أنها لم تكن كافية. قرر خوجة – تكين أن يضيف إليها ثنائية جديدة هي أن يكون معارضاً للنظام السوري كما للنظام التركي. معارضة عابرة للحدود أو معارضة بلا حدود، لا تهمّ التّسمية، المهم أننا أمام ظاهرة لعلها تكون الاولى من نوعها في التاريخ السياسي للمنطقة، وهي أن يلعب شخص واحد دوراً تأسيسياً في إنشاء وقيادة معارضتين في دولتين مختلفتين.

ثنائية أم ازدواجية؟ قد يصعب تحديد الجواب. لكن مؤسس المجلس الوطني في اسطنبول عام 2011، ومؤسس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في الدوحة عام 2012، اللذين شكّلا رأس الحربة السياسية في مواجهة نظام الحكم في سوريا، هو نفسه الشخص الذي ورد اسمه في قائمة 150 معارضاً تركياً أعلنوا قبل أيام عن تأسيس حزب المستقبل برئاسة أحمد داود أوغلو، صديق رجب طيب إردوغان اللدود.

هو حزبٌ من المتوقع أن يلعب دوراً محورياً في معارضة نظام الحكم في أنقرة وربما يخوض معه مواجهات في غاية الحساسية نتيجة العلاقة القديمة التي كانت تجمع بين داود أوغلو وإردوغان.

هذا يعني أن خوجة – تكين جعل من نفسه معارضاً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى جانب معارضته للرئيس السوري بشار الأسد. والمفارقة بذلك أنه أصبح يعارض نظامي حكم في دولتين مختلفتين بينهما حالة من العداء لا تهدأ، بل ما زالت تتفاقم منذ بداية الأحداث السورية.

واستغراقا في منطق الثنائيات، ثمة مفارقة أخرى، وهي أن أحد زملاء خوجة – تكين في تأسيس حزب المستقبل هو صحافي تركي يدعو الى التقارب مع الرئيس السوري بشار الأسد ويحثّ دوماً على فتح قنوات حوار مع دمشق من أجل حلّ الخلافات القائمة بين الدولتين، وذلك وفق ما كشف الصحافي التركي إسماعيل ياشا في تغريدة على حسابه على موقع “تويتر” من دون أن يكشف عن اسم الصحافي المقصود.

هل من تناقض بين أن يكون معارضاً للأسد، ثم يتحالف مع أحد دعاة التقارب منه؟ إذا كان الأمر كذلك، فهو ليس بالتناقض الوحيد الذي تنطوي عليه سيرة هذا الرجل. فالتناقض الثاني الذي وصم مسيرته المعارضة على المقلب السوري أنه تجاهل خلفيته الاكاديمية السياسية والطبية وانغمس في عسكرة المعارضة الى أقصى حد، فمما عرف عنه خلال توليه رئاسة الائتلاف السوري المعارض بين حزيران 2015 وشباط 2016 أنه قرّب العسكريين إليه وبذل مساعي كبيرة لدى أطراف إقليمية ودولية من أجل زيادة دعم الفصائل المسلحة.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يستفتح خوجة-تكين عهده في رئاسة الائتلاف بتصريح لافت طالب فيه “جبهة النصرة” بفك ارتباطها مع تنظيم “القاعدة” مع مطالبة “الشرفاء” في “النصرة” بالعودة إلى المظلة الأوسع للثورة السورية. موقفٌ عكس لعبة الحبال المزدوجة التي يتقنها الرجل، فهو كان مدركاً أن تربّعه على عرش “الائتلاف” لم يكن إلا نتيجة حسابات معقدة استشعرت إمكانية قيامه بدور توفيقي في ذلك الحين بين محور تركيا – قطر من جهة، ومحور السعودية- الإمارات من جهة ثانية، وهو ما تطلب منه ان يتخذ مواقف براغماتية حمالة أوجه لا تغضب الثاني ولا تغالي في إرضاء الاول.

تربّع خوجة على عرش “الائتلاف” لم يكن إلا نتيجة حسابات معقدة استشعرت إمكانية قيامه بدور توفيقي بين محور تركيا – قطر من جهة، ومحور السعودية- الإمارات من جهة ثانية

أما بعد نزوله عن رئاسة “الائتلاف”، وبعد اتساع الشقاق بين المحورين السابقين، نتيجة تراكم الخلافات بينهما وراء ستار المصالح المشتركة، فقد ظهر الهوى التركي جلياً في مواقف خوجة – تكين. ولم يترك ستراً ولا غطاءً لحكّام الرياض وأبوظبي إلا وانتهكه بانتقاداته العلنية، خصوصاً بعد الحديث عن احتمال عودة علاقاتهما الدبلوماسية مع دمشق. لكنّ انقلابه على هاتين العاصمتين لم يكن وحيداً بدوره، بل سرعان ما استتبعه بانقلابٍ ثانٍ طال هذه المرة وليّ نعمته وصانع سرّه رجب طيب إردوغان، فمن كونه الداعم الأول للثورة السورية وبمثابة الأب العطوف على السوريين، أصبحت سلطة إردوغان تميل إلى الاستبداد والديكتاتورية.

وتشكلت الهيئة العليا للمفاوضات إثر مؤتمر الرياض1 في عهد رئاسة خوجة – تكين للائتلاف في كانون الأول عام 2015، وكان هو أحد أعضاء وفد التفاوض المنبثق عنها. لكنه بعد ذلك آثر الانقلاب على هذا المسار التفاوضي وارتأى أنه مسارٌ في ظل “الاحتلال الروسي” لذلك سرعان ما قرّر تقديم استقالته من الائتلاف السوري في نيسان عام 2018 مع زملاء له أمثال سهير الأتاسي وجورج صبرا. كانت هذه الاستقالة بمثابة القطيعة مع الدور الذي كانت تلعبه الرياض في إعادة هيكلة المعارضة السورية انسجاماً مع شعار الواقعية السياسية. لكن انتقاده بعد ذلك لتشكيل اللجنة الدستورية أعطى مؤشراً واضحاً على استعداده للتبرؤ من السياسية الأردوغانية في سوريا وطريقة تعاطيه مع ملفاتها. ويبدو أن إطلاق عملية “نبع السلام” كانت فرصة لـ خوجة – تكين من أجل زيادة جرعة انتقاداته للسياسة الأردوغانية بشكل علني ولكن من دون الذهاب لحدّ الآن نحو قطع جميع الخطوط. فقد رأى في بعض تغريداته أن ” تردد تركيا في دعم الجيش الحر في المناطق الشمالية خشية من مواجهة القوى الاقليمية والدولية وعلى رأسها إيران” أوقعها ضمن دائرة التهديد المتوقع “والذي استغلته جميع الدول المتربصة” مشيراً إلى أن “نبع السلام” جاءت متأخرة وبعدما “جلست تركيا بيدٍ ملويّة على طاولة آستانا”. واعتبر في تغريدة أخرى أن “عدم انزعاج إردوغان من انتشار الجيش السوري في منبج وعين العرب يأتي منسجماً مع تغيّر الأولويات التركية”.

طلاقه البائن مع إردوغان جاء بتغريدة في 23 تشرين أول، تحدث فيها عن إغلاق أبواب الاصلاح داخل الحزب (العدالة والتنمية) في وجه أحمد داود أوغلو. واعتبر أن تجميد أرصدة جامعة “شهير”، و “ختم مقر الحزب الجديد الذي يعتزم إعلانه قبل نهاية العام” ما هي إلا “خطوة اخرى باتجاه السلطوية تبعد تركيا عن الحياة الديموقراطية ونموذج إسلامي آخر يلفظ أنفاسه”.

خرج خوجة – تكين من العباءة الأردوغانية مستجيراً بيافطة المستقبل التي رفعها أحمد داود أوغلو

وهكذا يكون خوجة – تكين قد خرج من العباءة الأردوغانية مستجيراً بيافطة المستقبل التي رفعها أحمد داود أوغلو ليبقى السؤال: في خضم هذا المسار الطويل من الثنائيات والانقلابات من كان في الداخل التركي يتلاعب بمن؟ هل كان إردوغان يستغل رجالات محسوبين على تيارات معارضة له لتكريس سياسات لا تريد أن تسجل على حزبه أم أن داود أوغلو وربما آخرين غيره استفادوا من نزعة إردوغان السلطوية واخترقوا دائرته بأشخاص كانوا قادرين على إدارة بعض الملفات بعيداً عن رغبة إردوغان وإرادته؟

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download