هذا هو موقف الأمم المتحضّرة، التي بنت الدولة-الأمة، وتالياً، فهي لا تُنكر على المقاومين منجزاتهم لأيّ سبب كان، ولا تمدح بالاستعمار الذي أنهكها وعطّل تقدّمها وتحرّرها، بزعم أنه بنى فيها مبانيَ وأوابدَ باقية: فالتجهيل الذي نشره في الدول التي سيطر على ثرواتها، وزرع بذور التفرقة فيها، سيبقى خنجراً في قلب مستعمَراته السابقة! وعادةً، يشعر بوطأة ظلم الاستعمار فقراء الأمة الواعين لضرورة تحرّرهم ونهوض أمتهم. أما محدودو التفكير، فهم من يلتقون مع عدوّ الوطن، في تكسير وتشويه الرموز الوطنية.. وسبيل هؤلاء المشوِّهين للرموز الوطنية هو الانقراض!
امتداد الثورة السورية الكبرى
انطلقت الثورة السورية الكبرى في الثلث الأخير من شهر تموز/يوليو من العام 1925[1]، وامتدّت إلى معظم أرجاء الشام، في سورية وإقليم البلّان ولبنان، وصولاً إلى راشيا وحاصبيا وأكروم والضنّية. إذ إنّ القيادة العامة للثورة كانت تعي تماماً أنّ بلاد الشام واحدة، ويجب أن تبقى كذلك، وأنّ اتفاقيات سايكس-بيكو ووعد بلفور، في حال نجاحها، ستمثّل الهجمة الشرسة عليها من الاستعمار العالمي لقرن قادم.. وها هو القرن قد طوى سِنِيه ونحن لا نزال نشهد شراسة هذه الهجمة الاستعمارية المتوحّشة!
في أثناء التحضير لمعارك ثورة الـ 1925، كان القائد العام للثورة يضع الخطط العسكرية بالتشاور مع القادة الميدانيين كي تلائم جغرافية المنطقة التي تجري فيها تلك المعارك، وحسب تمركز قوات العدو وتعدادها وحجم ذخيرتها[2]. كما أنه كان ينسّق، دائماً، مع القادة الذين يرسلهم في حملات خارج الجبل، وكانت مسؤوليته، تجاه هؤلاء، تأمين الذخيرة والعتاد لهم.[3]
فلّاحون ثوّار
اتّبع الثوار تنظيماً محدداً للانضمام إلى صفوف الثورة، وذلك بالتحاق ربع عدد رجال كل قرية مشاركة فيها، مصطحبين معهم إعاشتهم الكافية لمدة خدمتهم التي تعيّنها القيادة العامة والمجلس الوطني العام للثورة. ثم تنتهي هذه المدة، فيناوب الربع الثاني من رجال القرية، ويعود إليها رجال الربع الأول؛ وهكذا، يجري التبادل في المواقع بين الثوار، ويقوم مَنْ بقي في القرية بكامل أعمالها الزراعية، نيابةً عن الجميع، من أجل تأمين معيشة أهل القرية[4].
مؤتمر الصحراء
في 25 تشرين الأول/أكتوبر من العام 1929، أي خلال فترة المنفى، انعقد في الحديثة في وادي السرحان، في منطقة الحجاز، “مؤتمر الصحراء” الذي دعا إليه القائد العام للثورة السورية الكبرى، وحضرتْه شخصيات وطنية من أحزاب وهيئات شاركت فيه؛ وقد خرج المؤتمر بقرارات هامة، كان لها الأثر الكبير في تطور الحياة السياسية في سورية تحت الانتداب الفرنسي، وفي المنحى الذي اتخذته الأحداث والمفاوضات، في ما بعد، وصولاً إلى تحقيق الاستقلال التام عن فرنسا.
أصرّ القائد العام للثورة السورية الكبرى والثوار في المنفى على أن يكون هذا المؤتمر بعيداً عن أي تأثير خارجي وتمسّكوا بمبادئ حقوق الإنسان، وعلى أن تبقى سورية متمسّكة بحقوقها المشروعة ووحدتها الشاملة في سبيل تحرير الوطن من الاستعمار.
في ختام هذا المؤتمر، تمّ إعلان قراراته المؤلّفة من ستة بنود:
- استنكر الثوار المرابطون في الصحراء تعطيل أعمال الجمعية التأسيسية في سورية وتصريحات (المندوب السامي الفرنسي هنري) بونسو الذي تجاهل القضية الوطنية السورية؛
- استنكر المؤتمر مقررات مؤتمر زيوريخ الصهيوني الباطلة واعتداءات اليهود على العرب؛
- طالب المؤتمر وزارة العمال البريطانية بإلغاء وعد بلفور المشؤوم والاعتراف بحقوق العرب الوطنية وسيادتهم في بلادهم لضمان السلام العالمي؛
- ونادى المؤتمر بتشجيع العلاقات القائمة على علائق عصرية بين الشعوب، كما فعلت بريطانيا في مصر والعراق؛
- شكر المؤتمر العربَ في المهجر الذين يجاهدون بأموالهم في سبيل نصرة الوطن وتأييد الجهاد القومي المقدس؛
- تبقى هذه الأموال مهيّأة لأمر المؤتمر الوطني القادم الذي سيعقَد بدعوة من القائد العام، إضافة إلى مثابرة مراكز المهجر على إرسال المقدار الكافي من المال لإعاشة المجاهدين.
وقد وقّع هذه القرارات عدة شخصيات وطنية سورية: القائد العام سلطان باشا الأطرش، عادل العظمة، الدكتور خالد الخطيب، سعيد العاص، سعيد عمون، محمد الأشمر، خليل بصلة، شكيب وهاب، عبد القادر آغا سكر، عثمان شرباتي وآخرون.
خلال السنوات العشر في المنفى، وبعد مؤتمر الصحراء، مارست فرنسا وبريطانيا ضغطاً كبيراً على الملك عبد العزيز آل سعود كي يُرحّل الثوار وعائلاتهم، الذين لجأوا إلى وادي السرحان على الحدود بين الجزيرة العربية والأردن، إلى منطقة الجوف في الداخل النجديّ، من أجل قطع الاتصال الذي كان قائماً بين القيادة العامة للثورة في وادي السرحان والشخصيات السياسية التي كانت تعمل في الأردن وفلسطين ومصر لصالح الثورة السورية الكبرى، والتخفيف من تأثيرهم على الأوضاع في سورية المناهِضة للانتداب. من أجل ذلك، اعتبر سلطان الأطرش لجوءه نوعاً من المقاومة والاستمرار في الثورة خلال اثنتي عشرة سنة[5].
للقارئ أن يتخيّل مدى معاناة أُسَرِ الثوار من أطفال ونساء من سوء التغذية والتشرد في صحراء وادي السرحان! كانوا يأكلون ما تيسّر من أعشاب صحراوية، إضافة إلى الجراد الذي يصطادونه ويشوونه بغية سدّ رمقهم[6] .
الدور الإيجابي للمغتربين
بناءً على اقتراح الدكتور عبد الرحمن شهبندر، تمّ تكليف السيدين حسن الحكيم وسعيد حيدر، وانضمّ إليهما السيد عادل العظمة، بالذهاب إلى عمّان لتنظيم مكتب اتصال بين الثوار واللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني في سبيل الدعاية للثورة السورية الكبرى في البلاد العربية والأجنبية، حيث تقيم جاليات الاغتراب السورية واللبنانية والعمل على جمع التبرعات للثورة من الوطن العربي والمَهاجِر الأميركية.
إذن، التبرعات للثورة من المغتربين العرب بشكل خاص هي التي غذّتها، كما أن سلطان الأطرش أنفق كلّ مدّخراته من الذهب وكذلك مدخرات زوجته، جدتي، من أجل الثورة[7]، إضافة إلى ما قام به بعض تجار دمشق، بخاصةً، وكثر من الوطنيين السوريين واللبنانيين، من تأمين للذخائر من أجل متابعة الثورة.
ومن الأهمية بمكان أن يفهم القارئ مدى ارتباط المغتربين العرب في الأميركيتين وجدانياً بالثورة السورية الكبرى، ومدى تفاعلهم وتجاوبهم في إرسال المعونات من أموالهم الخاصة: مثل أعضاء “حزب سوريا الجديدة” وأعضاء العديد من الجمعيات الخيرية النسائية.
كذلك أتت المعونات من القدس بإشراف المفتي الحاج محمد أمين الحسيني.
كل هذا يعني ارتباط القضية السورية بالعرب أينما كانوا.
الصمود في المنفى
أريد ذكر حادثة اللقاء بين المعتمد البريطاني وسلطان الأطرش في الأزرق، أواخر ربيع العام 1927، لبحث أمر ترحيل الثوار الذين رفضوا إلقاء السلاح، وعلى رأسهم سلطان؛ وقد حاول هذا المعتمد إقناع سلطان بضرورة إنهاء الثورة دون قيد أو شرط، فعرض عليه السكنى في قصر خاص بإقامته في القدس، إضافة إلى راتب شهري مغرٍ مدى الحياة يضمن له العيش الهنيء على حساب المملكة البريطانية؛ وقد كان هذا العرض من الملك جورج الخامس. غير أن سلطان أجابه: “إن سعادتنا هي في استقلال بلادنا ووحدتها وحرية شعبنا وجلاء القوات الأجنبية عن البلاد”[8]. ولم ينسَ البريطانيون خلال تلك المقابلة جلب أطايب الطعام والشراب معهم وفرشها أمام الثوار العطشى والجوعى، غير أن الثوار وبإيماءة من القائد العام لم يتقدموا للمسها مطلقاً، ثم طلب من المعتمد البريطاني أخذها معه. قيل، حينئذٍ، بأنّ المعتمد البريطاني أخذ التحية العسكرية احتراماً للقائد العام، وذهب. ثم قيل إنه تمّت معاقبته من رؤسائه على ذلك.
رفض التجاذبات السياسية
في بعض رسائله في العام 1930، حرص القائد العام للثورة السورية الكبرى على أن يؤكد على عدم انتمائه إلى أيّ من الأحزاب المتنافسة على القيادة السياسية وعلى وقوفه الدائم والواضح مع استمرار الثورة التي قادها من أجل الوطن كلّه ومن أجل المصلحة الوطنية العامة، كي تكون سورية متّحدة ومستقلّة ومجتمعة على كلمة واحدة. لقد أكد سلطان الأطرش على صموده مع رفاقه في الصحراء في سبيل “قضية الأمة العربية وسورية” إلى أن تأتي الحلول ويتمّ التحرير والاستقلال، وعلى ثبات موقف المجاهدين حتى استقلال الوطن وتحقيق “أهداف القومية العربية” وخيرها، وعلى أنه لا يخشى الموت في الصحراء وهو متأكد يقيناً من استقلال سورية وتحرّرها في يوم لا بدّ قادم.[9].
وهذا ما أكّد عليه سلطان الأطرش في العام 1930 في الوثيقة رقم 458، في ما يخص “عدم انتمائه إلى أيّ من حزبَيْ الشعب أو الاستقلال، إذ أنّ تصارع الأحزاب وجرائدها المأجورة قد أضرّ بالمنكوبين في صحراء وادي السرحان”؛ كما أكّد على أن “هذه الأحزاب لم تقف إلى جانب الثورة السورية إلا بعد أن انتصرت على الفرنسيين في معركتَيْ الكفر والمزرعة”.
جبل العرب.. وفلسطين
بناءً على إيمان سلطان الأطرش بحقّ الفلسطينيين في أرضهم وببطلان الاستيطان الصهيوني فيها[10]، رفض التفاوض مع الصهاينة رفضاً قاطعاً، وقد كان من بين خمسة فقط من الوطنيين السوريين الذين رفضوا ذلك مثله.
وهذا لا يدع مجالاً للشك في أن وعي سلطان لأهمية دوره الوطني جعله يقف بعيداً عن التجاذبات السياسية ذات المصالح الضيقة.
* وبتشجيع منه للتطوّع في جيش الإنقاذ، وعلى تراب فلسطين، ارتقى من جبل العرب سنة 1948 في حرب الإنقاذ أكثر من مئة شهيد، رووا أرض فلسطين بدمائهم واحتضنهم ترابها.
* قبل ذلك، في ثورة 1936 في فلسطين، هرّب سلطان الأطرش، مع المجاهد شكيب وهاب، كل ما كان يحتكم عليه من سلاح بقي معه ومع رفاقه إلى ثوار فلسطين، من الكرك، حيث كان تحت الإقامة الجبرية في تلك المدينة الأردنية.
* في ثورة 1936 في فلسطين، استشهد سعيد العاص على ترابها، وهو كان من ثوار ثورة الـ 1925، فذاك الجيل كان يؤمن بوحدة بلاد الشام.
* حين جاء وفد مشايخ الموحّدين (الدروز) الفلسطينيين إلى القريّا في السويداء، في منتصف الشهر السادس سنة 1948، لمقابلة سلطان الأطرش وأخذ مشورته حول ترك قراهم في فلسطين، بسبب خطر العصابات الصهيونية، للجوء إلى السويداء لفترة مؤقتة ثم العودة، كما كانت وعود العرب للفلسطينيين، كان ردّ سلطان عليهم هو التالي:
“إيّاكم ثم إيّاكم ترك قراكم. غيركم باع واشترى، أما أنتم، فما بعتم ولا اشتريتم. فعليكم الصمود في أرضكم والمحافظة على أرضكم وعرضكم. وإذا ما نزحتم إلينا، فلن نقبلكم أبداً”.
وأطاع الوفد ونفّذ نصيحة سلطان.
فهل من معتبِر؟
(يُتبع)
المصادر والمراجع
[1] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش، راجعها وصحّحها ومهّد لها منصور سلطان الأطرش، دمشق، دار طلاس، ط2، 2008، الصفحات من 127 إلى 130.
[2] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش…، الصفحة 268.
[3] الوثيقة رقم 117، في، المذكرات الحقيقية لِـ سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989، تحقيق د. ريم منصور سلطان الأطرش، بيروت، دار أبعاد، 2021، خمسة أجزاء.
[4] الوثيقة رقم 145، في، المذكرات الحقيقية لِـ سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه.
[5] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش…، الصفحات من 316 إلى 319.
[6] الجيل المُدان: السيرة الذاتية لمنصور سلطان الأطرش، إعداد وتحقيق د. ريم منصور الأطرش، بيروت، دار رياض الريس، 2008، الصفحات من 19 إلى 34.
[7] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش…، الصفحة 146.
[8] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش…، الصفحتان 305 و306.
[9] الوثائق، 525، 537، 553، في، المذكرات الحقيقية لِـ سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه.
[10] الوثيقة رقم 777، في، المذكرات الحقيقية لِـ سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه.
