تعميما سلامة: تجزئة الكابيتال كونترول.. والعبرة بالتنفيذ

علي نورعلي نور05/04/2020
صدر مؤخراً التعميمان الأساسيان الرقم 148 و149 عن مصرف لبنان، وهما يحددان آليّات لسحب الودائع التي لا تتخطّى قيمتها الإجماليّة الخمسة ملايين ليرة لبنانيّة بالعملة المحليّة، أو الثلاثة آلاف دولار أميركي أو ما يوازيها بأية عملة أخرى، بالإضافة إلى تدخّل مصرف لبنان في سوق القطع الموازية. ردود الفعل على التعميمين إتسمت بالحذر ربطا بالآليّات التي سيتم إعتمادها للتنفيذ، وهذه الآليّات هي التي ستحدد النتائج الفعليّة على المودعين والإقتصاد المحلّي.

كان من المفترض أن تشرّع المادّة السابعة من مشروع قانون الكابيتال كونترول مسألة سحب الودائع بالعملات الأجنبيّة بالليرة اللبنانيّة وبحسب سعر الصرف المعتمد لدى الصرّافين، وذلك وفقاً للمسودّة التي تمّ توزيعها على الوزراء للمناقشة. لكنّ سَحب مشروع القانون عن طاولة مجلس الوزراء، لم يُبق لحاكم المصرف المركزي سوى خيار اللجوء إلى المادّة 174 من قانون النقد والتسليف لتنظيم هذه العمليّة، وهي المادّة التي تعطي المصرف المركزي صلاحيّة التدخّل لوضع التنظيمات العامّة الضروريّة لتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها.

بحسب مصادر مواكبة للملف، من المفترض أن يكون التعميم رقم 148 مجرّد خطوة أولى بإتجاه تنظيم عمليّة التعاطي مع المودعين في المصارف اللبنانيّة، من خلال وضع آليّات لحساب ودائع أصغر شريحة من صغار المودعين بجميع العملات. أمّا التعميم رقم 149، والذي ينص على تشكيل وحدة في المصرف المركزي للتداول بالعملات الأجنبيّة وفقاً لسعر السوق، فهو يشكل بداية مسار مواز لتنظيم عمليّة تعامل المصرف المركزي مع سوق العملات الرديفة، أي تلك التي لا تمر حاليّاً بالنظام المصرفي اللبناني.

وبحسب المداولات التي سبقت إصدار التعميمين، يتحضّر المصرف المركزي في المرحلة المقبلة إلى إصدار تعميم خاص لتنظيم التعامل مع الأموال الطازجة بالعملة الأجنبية، أي تلك المودعة نقداً أو الناتجة عن تحويلات ماليّة من الخارج، وربط آليّة التعامل مع هذه الأموال بالوحدة الجديدة المولجة بالتداول بالعملات الأجنبيّة. أمّا في ما يخص تنظيم التعاطي مع المودعين، فيجري التداول حاليّاً بأفكار تتعلّق بطريقة تنظيم التعاطي مع شرائح المودعين الأخرى، التي تفوق قيمة ودائعها.. القيمة المحددة في التعميم 148.

ويبدو أن سلامة حرص هذه المرّة على توفير غطاء سياسي واضح لمسار تحضير التعميم 148 بالتحديد، خصوصاً بعد إشارة الأمين العام لحزب الله القاسية لأزمة المودعين ومسؤولية المصارف، ورفع رئيس المجلس النيابي مؤخّراً سقف الحديث عن حقوق المودعين. ولذلك، واكب المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم مسار تحضير هذا التعميم بالتفصيل.

بعض التفاؤل بالتفاصيل الإيجابيّة

عند صدور التعميم 148 تحديداً في وسائل الإعلام، تفاءل أصحاب الودائع المعنيين بالقرار بالكثير من تفاصيله. فمن ناحية، يعالج التعميم مسألة تخص أكثر من 1.7 مليون حساب مصرفي، يمثّلون حاليّاً حوالي 61.8% من الحسابات المصرفيّة في لبنان. ومن ناحية أخرى، يشترط التعميم موافقة أصحاب الحسابات على آليّة سحب الودائع قبل التنفيذ، وهو ما يعني إمتلاك صاحب الحساب خيار الموافقة أو عدم الموافقة على التنفيذ في حال عدم وجود مصلحة بذلك.

أيضاً، ينص التعميم على سحب الودائع الدولاريّة بالليرة اللبنانية، لكن وفق “سعر السوق يوم تنفيذها”، وهو يعني عدم تكبّد صاحب الوديعة بالدولار خسارة ناتجة عن الفارق بين سعر صرف السوق وسعر الصرف الرسمي كما يجري الآن. أمّا أصحاب الودائع بالليرة، فسيتمكّنون من تحويلها للدولار، وفقاً لسعر الصرف الرسمي، ثم سحبها بعد تحويلها إلى الليرة مجدداً لكن وفق سعر “صرف السوق” أيضاً، وهو ما يعني تمكين صاحب الوديعة بالليرة اللبنانيّة من زيادة قيمة أمواله قبل سحبها بنفس النسبة التي خسرها سابقاً جرّاء تدهور سعر الصرف.

يتحضّر المصرف المركزي في المرحلة المقبلة إلى إصدار تعميم خاص لتنظيم التعامل مع الأموال الطازجة بالعملة الأجنبية، أي تلك المودعة نقداً أو الناتجة عن تحويلات ماليّة من الخارج، وربط آليّة التعامل مع هذه الأموال بالوحدة الجديدة المولجة بالتداول بالعملات الأجنبيّة

هواجس سعر الصرف

لكن كما كان متوقّعاً، إتسمت معظم المتابعات إعلاميّاً وشعبياً بالتشكيك بتبعات الخطوة، سواء على صغار المودعين أنفسهم أو على الإقتصاد اللبناني، وهذا في جزء كبير منه مرده إلى إنعدام ثقة جمهور المودعين بالقطاع المصرفي وبمصرف لبنان المركزي وحاكمه.

الهاجس الأساسي تمثّل تحديداً في أثر القرار على سعر الصرف الرسمي، فعمليّاً، لا تبلغ قيمة الودائع المشمولة بالقرار سوى 795 مليون دولار أميركي، وهي نسبة توازي ما قيمته 0.5% فقط من إجمالي الودائع الموجودة في النظام المصرفي. لكنّ هذه الكتلة النقديّة تُعد وازنة جدّاً قياساً بالكتلة النقديّة المتداولة خارج مصرف لبنان بالليرة اللبنانيّة، والتي بلغت قيمتها لغاية شهر آذار/مارس الماضي حوالي 9.1 مليار دولار أميركي. بهذا المعنى، توازي قيمة الودائع المشمولة بالقرار حوالي 8.7% من هذه الكتلة النقديّة، وهو ما يعني وجود أثر حتمي على سعر صرف الليرة في الأسواق.

وبذلك، تكون المصارف قد تخلّصت من جزء كبير من الحسابات الصغيرة التي تشكّل ضغطا على سيولتها بالدولار من خلال السحوبات الدوريّة، من دون أن تتكبّد أية خسارة في سيولتها بالعملة الصعبة. وفي المقابل، يتم تحميل الكلفة إلى الإقتصاد المحلّي وعموم المستهلكين من خلال إرتفاع سعر الصرف الناتج عن ضخ كميّة من السيولة بالليرة اللبنانيّة.

وإذا أضفنا إلى هذا العامل الضاغط على سعر الصرف، عامل دخول مصرف لبنان على خط شراء الدولار من السوق الرديفة، من خلال الوحدة المستحدثة في التعميم 148، يمكن توقّع المزيد من الضغط على سعر الصرف في السوق. فدخول مصرف لبنان على خط شراء الدولار يعني ببساطة إمتصاص جزء من المعروض من السيولة بالدولار الأميركي، مقابل ضخ المزيد من السيولة بالليرة اللبنانيّة.

محاذير آليّة التنفيذ

في الواقع، ثمّة محاذير أخرى تتعلّق بآليّة تنفيذ القرار، وطريقة تنفيذ بعض بنوده. فسحب الودائع الدولاريّة بالليرة وفق سعر الصرف في الأسواق، يستدعي تلقائيّاً السؤال عن طريقة تحديد سعر الصرف نفسه. وعلى سبيل المثال، بينما يقترب اليوم سعر الصرف الفعلي في السوق السوداء من مستوى 2900 ليرة مقابل الدولار الواحد، يحدد مصرف لبنان في تعميمه للصرّافين سعر شراء ـ ولو شكلياً – سعر الصرف هذا.

فهل ستعتمد المصارف سعر الصرف الفعلي للدولار في السوق السوداء؟ أم سينشأ نتيجة هذا القرار سوق رديفة مشرّعة ثالثة غير سعر الصرف الرسمي وسعر صرف السوق السوداء؟ مع العلم أن إعتماد سعر صرف ثالث سيعني عملياً تنفيذ عمليّة إقتصاص منظّمة من الودائع، مع خسارة توازي الفارق بين قيمة الدولارات الفعليّة في الأسواق وسعر الصرف المعتمد من المصرف.

أمّا ما يزيد من الخشية من هذا السيناريو تحديداً، فهو عدم تحديد التعميم آلية لتنظيم عمليّة تحديد سعر الصرف، بإستثناء طلبه من كل مصرف تحديد سعر الصرف “المعتمد لديه يوميّاً”. عمليّاً، تعني هذه المادّة، في حال عدم تحديد أية آليّة أخرى لاحقاً، أن للمصرف خيار تسعير الدولار بشكل مستقل، ودون أي إعتبار لسعر الصرف الفعلي في السوق.

على السلطة السياسيّة المبادرة بشكل أوضح إلى تكوين تصوّر لإعادة هيكلة القطاع بشكل جذري. وفي هذا النوع من العمليّات، ستحتاج السلطة إلى تكوين تصوّر متكامل لهذه العمليّة، ولو إحتاج هذا التصوّر إلى التنفيذ بشكل تدريجي

وبمعزل عن مسألة تحديد سعر الصرف، ثمّة تساؤلات أخرى عن مصير الحسابات بعد سحب هذه الودائع. فجزء أساسي من الحسابات المعنيّة بالتعميم هي عمليّاً حسابات لتوطين الرواتب بالدولار أو الليرة، أو حسابات يعتمدها الأفراد لقبض مستحقات مختلفة، بينما ينص التعميم على سحب كامل قيمة الأرصدة المتوفّرة ودفعة واحدة، وهو ما يعكس وجود نيّة لإقفال هذه الحسابات بشكل تام والتخلّص من الضغط الذي تشكّله على السيولة المصرفيّة من خلال السحوبات الدوريّة. وفي حال الإبقاء هذه الحسابات مستقبلاً، يبقى السؤال عن طريقة التعامل مع التحويلات التي ستأتي لاحقاً إلى هذه الحسابات وبالأخص بالنسبة إلى الرواتب المدولرة.

تساؤلات حول الخطوات القادمة

فعليّاً، يمثّل التعميمان حدثاً مفصلياً في سلسلة الأحداث المتعلّقة بالإنهيار المالي الحاصل في لبنان. فهذه الخطوة الأولى التي يتخذها المصرف المركزي بشكل واضح وعلني للتعامل مع أزمة الودائع الموجودة في القطاع المصرفي، ودون أن ينتظر توفير الغطاء القانوني اللازم لهذه الخطوة. وبينما أتت هذه الخطوة وبهذا الشكل بضغط سياسي واضح، يهدف إلى تحميله أكبر قدر من المسؤوليّة في عمليّة تنظيم السحوبات، سيكون السؤال الفعلي في المرحلة المقبلة متعلّقاً بطريقة تنظيم العلاقة مع باقي شرائح المودعين.

فالعلاقة مع أصحاب الشرائح الأخرى من المودعين، وبالأخص الودائع الكبيرة، ستحتاج إلى حلول مختلفة تماماً، كما ستحتاج إلى إطار قانوني مختلف خصوصاً إذا تعلّق الأمر بعمليّات خصخصة أو تحويل بعض الودائع إلى أسهم في المصارف، أو حتّى تجميد الودائع لفترات زمنيّة (من خمس سنوات إلى عشر سنوات). وفي هذه الحالة، سيكون على السلطة السياسيّة المبادرة بشكل أوضح إلى تكوين تصوّر لإعادة هيكلة القطاع بشكل جذري. وفي هذا النوع من العمليّات، ستحتاج السلطة إلى تكوين تصوّر متكامل لهذه العمليّة، ولو إحتاج هذا التصوّر إلى التنفيذ بشكل تدريجي. بمعنى آخر، قد لا ينفع أسلوب معالجة شرائح الودائع “بالقطعة” وبشكل متفرّق، دون ربط هذه المعالجات بأهداف واضحة على مستوى القطاع وهيكليّته ككل.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
udemy course download free